مقالات
قحطان.. النور المسلوب
عقدٌ من الزمن مرّ ومصير محمد قحطان لا يزال غارقًا في الظلال، مجهولًا كأنما هو جزء من سر مفقود في هذا الكون، لا نجد له تفسيرًا، ولا نعرف إذا كان لا يزال ينبض بالحياة أم أنه غادر هذا الوجود بلا عودة. ولكن، هذا ليس مجرد اختطاف، هذه ليست حادثة تضاف إلى قائمة الحكايات المظلمة التي تمر دون أن يلتفت إليها أحد. إنه كشف عميق لزيف الجماعة الضالة، عريٌ مرير للروح التي تخشى النور، وتخفي وجهها خلف ستار من الأكاذيب.
محمد قحطان، الرجل السياسي الذي لطالما كان مثالاً للحنكة والفطنة، كان مواطنًا يمنيًا لا يمتلك سوى الكلمة والقلم ليحكي به أوجاع وطنه. كان ساريًا في قلب الأرض، يعرف مكانه جيدًا في هذا الوجود، مطمئنًا إلى نزاهته كما يطمئن الفجر إلى سكون الليل. كان يعي تمامًا ما يعنيه أن تكون حرًا، أن تُظهر وجودك في العلن، دون خوف من الظلال التي تحاول أن تبتلع الحياة. لم يكن يتنكر في أوقات الضيق، ولم يلجأ إلى التخفي في زوايا الحذر. كان يقف في وضح النهار، في مواجهة القتلة الذين سعى ظلامهم إلى إخفاء ضوء الحقيقة، رافعًا قلمه، سلاحه الوحيد في وجه الاستبداد.
حينما اختطفوه لم يكن على ظهر مدرعة أمريكية، ولم يكن يقود شاحنة محملة بالأسلحة المنهوبة، لم يكن يشهر سيفًا أو يطلق رصاصًا، بل كان يحمل عقلًا حيًا وقلبًا مفعمًا بالإيمان بوطنه. لم يكن ذلك السياسي الذي يبحث عن السلطة أو المال، بل كان الرجل الذي ضحى بكل شيء، لا ليحيا هو، بل ليبقى الوطن حيًا في قلوب الناس.
عقد كامل مضى، ولا يزال مصير قحطان مجهولًا، تتلاشى في الأفق كل محاولات الوصول إلى الحقيقة، وتغرق أسرته في بحر من التساؤلات الموحشة: هل هو حيٌ في مكان ما، أم أن جسده قد دفن في غياهب الزمان؟ إلا أن ما هو أكثر وضوحًا من الظلال هو إصرار هذه الجماعة على إبقائه مختفيًا، على طمس معالمه من الذاكرة، على محو فكره وأثره. كيف لهذا العالم أن يقبل بما فعلته مليشيات الحوثي، كيف لتلك الجماعة التي لا تعرف معنى الإنسانية أن تخطف رجلاً في السبعين من عمره، وتخفيه قسريًا في الظلام، دون أن ترف لها عين..!
هذا الإخفاء القسري: اغتيالٌ للذاكرة، محوٌ للوجود، كأنما أرادوا أن يحذفوا اسمًا من التاريخ، ويطمسوا فكرة من العقل الجمعي. اختطفوه ليس لأنه كان يحمل سلاحًا، بل لأن فكره كان يهدد وجودهم الهش. اختطفوه لأن صوته كان يحمل الحقيقة، وكان الوطن يعيش في كل كلمة قالها. وكيف يمكن لفكرٍ كهذا أن يُسكت؟ كيف يمكن لمجتمعٍ أن يتحمل خسارة وجود من هو أكثر من مجرد إنسان، من هو تجسيد لكل قيمة كرامة وحقيقة في وطنه.
عشر سنوات، وما يزال الغياب هو الجواب الوحيد الذي تقدّمه الجماعة لأسرته، لرفاقه، لوطنٍ بأكمله. لم تعلن عن مصيره، لم تترك أثرًا لصوته، ولم تُشفق على عمره الذي يذوي خلف القضبان، أو ربما تحت التراب. لم تحترم شيخوخة الرجل، ولا مسيرته، ولا حتى إنسانيته. كيف لجماعةٍ أن تختطف رجلًا في السبعين من عمره، وتُخفيه قسرًا عن الحياة، أي معنى تبقّى للعدل حين يصبح الحبر تهمة، والكلمة جريمة، والسكوت هو النجاة الوحيدة
الخلاصة: هي أن هذا ليس حادثًا شخصيًا، إنه اختطاف لوطنٍ بأكمله، ومحاولة لتصفية ما تبقّى من رمقٍ في فكرة الدولة، في فكرة الحرية، في فكرة الإنسان الذي لا يساوم. هو اختطاف للفكرة التي قاومت، للصوت الذي لم يُغنِ للطغاة، وللظلّ الذي اختار أن لا يمرّ بجوار الشمس خائفًا. عشر سنوات من الصمت، من التجاهل، من الإخفاء القسري. هذه الجماعة لم تُخفِ قحطان عن ذاكرة الناس، بل ثبّتته فيها كندبة لا تُشفى، كجمرٍ تحت الرماد، لا يخبو.