مقالات

من المعلم إلى المعبّئ وتصدّع النسيج الاجتماعي.. تحولات الدور التربوي وانعكاساتها على البنية الاجتماعية في سياق التسييس (٢-٥)

28/04/2026, 07:02:41
بقلم : يزن زياد

لا يمكن النظر إلى التحولات التي طالت وظيفة المعلم في السياقات المتأزمة بشكل عام .. فإذا كانت الحلقة الأولى من هذه السلسلة قد تناولت أدلجة الفضاء المدرسي بوصفها مدخلا لإعادة تشكيل الوعي الجمعي داخل المؤسسة التعليمية المحلية؛ فإن هذه الحلقة تنطلق من حيث انتهت تلك القراءة، لتتتبع أحد أهم أدوات هذا التحول إعادة تعريف دور المعلم نفسه ليس فقط كفاعل تربوي فحسب بل كوسيط مركزي في نقل وإعادة إنتاج الخطاب الأيديولوجي خارج أسوار المدرسة..وفي الحالة اليمنية على وجه العموم ومناطق سيطرة الحوثيين على وجه الخصوص ..بمعزل عن آثارها الأوسع على النسيج الاجتماعي... فالتعليم بوصفه مؤسسة لإنتاج المعنى وإعادة تشكيل الوعي لا يعمل في فراغ...بل يتقاطع بشكل مباشر مع بنية العلاقات الاجتماعية وأنماط الانتماء...ومن هنا فإن أي إعادة تعريف لدور المعلم لا تظل حبيسة الصف فحسب بل يجب أن تمتد لتعيد تشكيل الأسرة والقبيلة " إن جاز التعبير" ومفاهيم التماسك الاجتماعي.


في الحالة اليمنية وتحديدا في مناطق سيطرة الحوثيين لا يمكن قراءة تحولات وظيفة المعلم بمعزل عن التحول الأوسع الذي أصاب المؤسسة التعليمية ذاتها... فحين تُستدعى المدرسة إلى خدمة مشروع سياسي–أيديولوجي، يصبح المعلم أحد أهم مفاصل هذا التحول؛ لأن السيطرة على المعلم تعني عملياً، السيطرة على الرسالة التي تصل إلى الجيل الجديد وعلى طبيعة اللغة التي يتشكل بها وعيه وعلى الحدود التي يرسمها بين المعرفة والطاعة وبين التربية والتعبئة...حيث يتقاطع مساران متلازمان .. يتمثل الأول في إعادة هندسة الدور التربوي للمعلم ضمن مشروع تعبوي؛ أما الثاني فهو إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي عبر تفكيك الروابط التقليدية وإنتاج أنماط جديدة من الولاء والانقسام... وعليه.. سنحاول في السطور القادمة في هذه الحلقة" الثانية" إلى قراءة هذا التداخل البنيوي من خلال تحليل كيف يؤدي تحويل المعلم إلى فاعل تعبوي إلى إحداث تصدعات داخل الأسرة، وإعادة توظيف القيم القبلية وصعود أنماط جديدة من الفرز الاجتماعي.

المعلم كناقل للخطاب والانقسام العمودي داخل الأسرة

في التصور التربوي التقليدي يشكل المعلم امتدادا للقيم الاجتماعية السائدة، ويسهم في إعادة إنتاجها داخل إطار من التوازن بين المدرسة والأسرة... غير أن هذا التوازن يختل عندما يُعاد تعريف المعلم بوصفه يحمل أو حاملاً قسراً لخطاب أيديولوجي موجّه يتجاوز المرجعيات التقليدية للأسرة في بلادنا.

فحين يتحول المعلم إلى وسيط تعبوي فلن يقتصر تأثيره على نقل المعرفة... بل يمتد إلى إعادة تشكيل إدراك الطالب للواقع ولمفاهيم مثل الشرعية والانتماء والواجب... وبهذا المعنى يصبح الطالب/ه اليمني بالضرورة حاملاً لرؤية قد تتعارض مع المنظومة القيمية التي نشأ عليها داخل أسرته/ها خصوصا ا إذا كانت هذه الأخيرة تستند إلى مرجعيات وطنية أو تقليدية مغايرة.

ينتج عن ذلك ما يمكن وصفه بـ“الانقسام العمودي”، حيث ينشطر الوعي داخل الأسرة الواحدة بين جيلين...جيل تشكّل ضمن منظومة اجتماعية تقليدية، وجيل أعيد تشكيله عبر قنوات تربوية–تعبوية موازية طافية ومذهبية هذا الانقسام لا يظل في حدود الاختلاف الفكريزبل يمتد إلى العلاقات اليومية ويُضعف من قدرة الأسرة على أداء دورها بوصفها وحدة لإعادة إنتاج القيم.
وبذلك يتحول المعلم—بفعل إعادة توظيفه—من عنصر توازن بين المدرسة والمجتمع، إلى عامل تفكيك غير مباشر للروابط الأسرية، عبر إنتاج وعي بديل يتجاوز سلطة الأسرة ويعيد تعريفها.

ثانيا: إعادة هندسة الدور التربوي وتحوير القيم القبلية

لا تقتصر إعادة تشكيل دور المعلم على علاقته بالطالب.. بل تمتد إلى علاقته بالبنية الاجتماعية الأوسع وعلى رأسها البنية الاجتماعية... فالمعلم في حالتنا اليمنية ، ليس مجرد موظف تربوي بل فاعل اجتماعي منغرس في منظومة القيم الاجتماعية التقليدية، ويسهم—بشكل مباشر أو غير مباشر—في إعادة إنتاجها.

غير أن إعادة هندسة الدور التربوي- ضمن سياق التسييس-تضع المعلم في موقع جديد يُطلب منه فيه إعادة تفسير هذه القيم وتوجيهها وفق هوا الجماعة، وهنا تبرز عملية “تحوير القيم القبلية”، حيث يتم استدعاء مفاهيم مثل النكف، الشهامة، والنصرة، لكن ضمن خطاب يعيد توجيهها من سياقها التقليدي المحلي إلى سياق تعبوي أوسع.

فالمعلم بوصفه ناقل للخطاب يسهم بشكل مباشر في إعادة تعريف هذه القيم داخل الوعي الجمعي للطلاب/بات بحيث لم تعد مرتبطة فقط بحماية الجماعة المحلية أو حفظ التوازن الاجتماعي، بل أصبحت مرتبطة بمشروع أيديولوجي يتجاوز هذه الحدود.. وبهذا لا يتم إلغاء القيم القبلية بل إعادة تدويرها داخل منظومة جديدةزما يمنح الخطاب التعبوي شرعية مستمدة من الموروث الاجتماعي.

ينتج عن ذلك حالة من الازدواج القيمي حيث تستمر المفردات ذاتها، لكن بمعانزمختلفة... ومع الوقت تتآكل الحدود بين العرف والأيديولوجيا، ويصبح المعلم أحد أهم وسائط هذا التحول بما يحمله من سلطة رمزية داخل المجتمع.

من التلقين إلى الفرز الاجتماعي—إعادة إنتاج التمايز

عندما يتحول التعليم من فضاء للتفكير إلى فضاء للتلقين المذهبي لفكرة خارج القيمة الاجتماعية السائدة أو التربوية القيّمة، لا يقتصر الأثر على طبيعة المعرفة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية...فالتلقين بوصفه آلية لضبط المعنى وهي فلسفة تعليمية معروفة في التعليم التقليدي في الكتاتيب وفي مساجد المحافظات التي تسيطر عليها جمعات الحوثيين ، يخلق بيئة تُكافأ فيها الطاعة والانخراط في قيم الجماعة والتعصب لها بدواعٍ دينية ونصوص دينية مختزلة ، ويُهمّش فيها الاختلاف والاستقلال بل يُجرم من قبل الجماعة وطاقمها التربوي، فمابالك والمتبقي نشء بين ٧ و١٥ سنة .

في هذا السياق.. يصبح المعلم أداة في عملية فرز اجتماعي غير معلن سواءً في الفصل الدراسي الرسمي أو الحلقات الخاصة، حيث يعاد توزيع المكانة الاجتماعية بناء على درجة الانخراط في الخطاب الخاص بالجماعة والمهيمن بطبيعة الحال..فالطلاب الذين يستجيبون لهذا الخطاب ويعيدون إنتاجه ويتصرف وفق قناعات اكتسبوها من هذا التحصيل .. يُنظر إليهم بوصفهم أكثر انضباط أوالتزاما بينما يُنظر إلى غيرهم بوصفهم أقل توافقا مع البيئة السائدة..وبالتالي تصنيفهم كأغيار أو فئة مستهدفة في برامج لاحقة .

ومع انتقال هذه المعايير من المدرسة إلى المجتمع.. تتشكل أنماط جديدة من التمايز، يظهر فيها ما يمكن تسميته بـ“الطبقة التعبوية” أو “المسيرة”، التي تكتسب مكانة رمزية أعلى، ليس بناءً على الكفاءة أو الانتماء التقليدي " مذهبي كالزيدية " أو سلالي كالهاشمية" ، بل على درجة القرب من الخطاب الأيديولوجي المكثف من الجماعة.

وهنا يتجاوز دور المعلم مجرد نقل الخطاب الجاهز في الملازم الخاصة أو المنهج المعدل أو المواد المصورة لقيادة الجماعة، ليصبح جزءا من آلية أوسع لإعادة إنتاج هذا التمايز عبر تقييم الطلاب وتوجيههم ليس بمفردهم بل وافراد من عائلاتهم ومنحهم أشكال مختلفة من الاعتراف أو التهميش وفق تقدير المعلم. وبهذا يسهم التعليم في إعادة ترتيب السلم الاجتماعي وفق معايير جديدة تؤدي بالضرورة إلى تآكل فكرة المساواة وتعميق الفجوات داخل المجتمع.

المعلم بين الضغط البنيوي وإعادة التموضع الاجتماعي

لا يمكن فهم هذا التحول في دور المعلم دون النظر إلى السياق البنيوي الذي يتحرك فيه... فالضغوط الاقتصادية، فلا مرتبات ولا دخل بديل؛ بالإضافة إلى تراجع المكانة الاجتماعية وضعف الحماية المؤسسية..هذه وغيرها كلها عوامل تجعل المعلم أكثر عرضة لإعادة التوجيه والاحتواء وبالتالي الطالب/ه.

في مثل هذه البيئات لا تُفرض التحولات دائما بالقوة المباشرة، بل عبر تداخل السلطة الرمزية للجماعة مع الحاجة المادية للمعلم فالمعلم الذي يفتقد الاستقرار المهني يصبح أكثر إستعداد للتكيف مع الخطاب السائد ليس بالضرورة اقتناعا بل استجابة لشروط البقاء وهي صعبة ومجحفة في آن .

هذا الوضع يعيد تموضع المعلم داخل الهرم الاجتماعي من فاعل يمتلك قدرا من الاستقلالية على الأقل في فصله الدراسي ، إلى عنصر ضمن شبكة من العلاقات السلطوية التي تحدد له دوره وحدود حركته بل وطريقة تفكيره ... ومع تكرار هذا النمط، يُعاد تشكيل الوعي المهني للمعلم نفسه، بحيث يصبح أكثر اندماجاً في الوظيفة التعبويةوأقل قدرة على استعادة دوره التربوي المستقل.

أثر التحول المركب على المجتمع

إن التداخل بين إعادة تشكيل دور المعلم وتفكيك النسيج الاجتماعي ينتج أثراً مركبا يتجاوز مجموع أجزائه..فالمعلم الذي يتحول إلى فاعل تعبوي يسهم في إنتاج طالب مُعاد تشكيل وعيه وفق سياسة الجماعة وشروطها وفلسفتها السياسية الاجتماعية .. وهذا الطالب بدوره ينقل هذا التحول إلى أسرته ومحيطه، ما يخلق حلقة ممتدة من إعادة إنتاج الخطاب الخاص .

وعلى المدى الطويل يؤدي هذا النمط إلى نشوء مجتمع أكثر استقطابا، تتراجع فيه الروابط الأفقية (الأسرة، القبيلة، الجوار) لصالح روابط عمودية قائمة على الاصطفاف الأيديولوجي... كما تتآكل المساحات المشتركة التي كانت تتيح التعايش بين الاختلافات، ليحل محلها منطق الفرز والانقسام.

وهنا تتجلى الخطورة الحقيقية.. ليس فقط في مضمون الخطاب، بل في إعادة تشكيل البنية الطائفية والمذهبية التي تنتج هذا الخطاب العنصري ، وفي تحويل التعليم من أداة لبناء التماسك الاجتماعي إلى أداة لإعادة تشكيله على أسس أكثر انقساماً.

يكشف هذا التحليل المبسط أن التحول من المعلم إلى المعبّئ لا يمكن فهمه بمعزل عن تصدع النسيج الاجتماعي في بلادنا...فإعادة هندسة الدور التربوي تسهم بشكل مباشر وغير مباشر في تفكيك الروابط التقليدية المعروفة والمتراكمة منذ آلاف السنين إن جاز لنا القول ،وإعادة توجيه القيم وإنتاج أنماط جديدة من التمايز والانقسام قد يدفع ثمنها المجتمع غالياً في المستقبل.

ومن هذا المنطلق..لا تبدو المسألة مجرد تسييس للتعليم، بل عملية أعمق لإعادة تنظيم العلاقة بين المعرفة والسلطة " الطائفية" وبين المدرسة والمجتمع... فحين يُعاد تشكيل المعلم يُعاد—بالتبعية—تشكيل الطالب والأسرة وبالتالي البنيةالمجتمعية ككل.. وبالتالي نخلص إلى حقيقة أو تكاد كذلك بأن التعليم لم يعد وسيلة للمعرفة بل أداة لإعادة توزيع الولاء الطائفي للجماعة الحوثية.

مقالات

التصنيف الأمريكي كأهم أدوات تصفية الحسابات الإقليمية في اليمن

هذه الأيام يجري الحديث عن تصنيف محتمل قد يطال "إخوان" اليمن، وهي تسمية دائماً ما يحرص البعض على لصقها بـ: حزب التجمع اليمني للإصلاح، وسط اعتقاد بأن هذا التصنيف هو الضربة القاضية التي ستُزيح الإصلاح والإصلاحيين من المشهد الوطني

مقالات

السياسة التربوية والتعبوية للحوثيين.. سوسيولوجيا إعادة تشكيل الوعي والهوية (1-5)

في علم الاجتماع السياسي لا تُفهم المدرسة بوصفها فضاءً محايداً لنقل المعرفة... بل باعتبارها إحدى أهم مؤسسات إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.. فهي الموقع الذي تتقاطع فيه السلطة بالثقافة والمعرفة بالانتماء، حيث يتم صياغة علاقة الفرد بذاته ومجتمعه ووطنه... ومن هذا المنظور؛ يصبح التعليم مجالاً حاسما في أي مشروع يسعى إلى إعادة ترتيب البنية الاجتماعية، سواء عبر ترسيخ قيم جامعة أو عبر إعادة تعريفه

مقالات

مشهد ما بعد الانتقالي وحجم التغيير العسكري في المحافظات الشرقية والجنوبية .. شبوة نموذجاً

في السياسة يمكن تأجيل الاستحقاقات، وفي الإعلام يمكن إعادة تدوير السرديات، لكن في الميدان لا مكان للوهم. هناك، تُقاس التحولات بالانتشار والتحرك، والانسحاب، والمعسكرات التي تُسلَّم، والقيادات التي تُستبدل، والخرائط التي يُعاد رسمها بهدوء.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.