مقالات

من يحمي الديمقراطية من نفسها؟

02/09/2026, 16:53:00

قال الرئيس الثاني للولايات المتحدة الأميركية وأحد بُناة ديمقراطيتها، جون آدامز، إنّ كلّ ديمقراطية ستنتحر في نهاية المطاف. بين آدامز والرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، ما يزيد على قرنين من الزمن، وتبدو نبوءة الأوّل ليست بعيدة عن الحقيقة. فالديمقراطية التي ناقشت مراسلات جون آدامز وجورج واشنطن وسائل تحصينها، باتت عرضة للبيع. إذ يقول 80% من الأميركيين إنّ ديمقراطية بلادهم ليست مثالاً يُحتذى به، وفقاً لبيو سنتر.

الواقع أنّ الديمقراطية بناء غاية في التعقيد، إنّها القول الثقيل بالتعبير الديني. غير أنّ بمقدورنا النظر إليها بحسبانها منظومة إنتاج، ناتجها النهائي هو الحوكمة. عندما تكون العملية الإنتاجية جيّدة فإنّ المُنتج النهائي لا بُدّ وأن يكون جيّداً أيضاً، والعكس صحيح.

ثمّة مبادئ أساسية داخل هذه العملية الإنتاجية المُعقّدة: الصوت يساوي الصوت، مواطن واحد صوت واحد، والناخب العاقل. تفترض الديمقراطية وجود ناخب عقلاني، سيختار مرشحيه على أساس عقلاني، وأنّ ناتج عمليات الاختيار الحر هو بالضرورة نظام حكم يتمتّع بالعقلانية والكفاءة. 

لنأخذ التصويت على البريكست مثالاً. في يونيو/ حزيران 2016 صوّتت أغلبية البريطانيين على خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي. قبل ذلك بشهر (مايو/ أيار 2016) نشرت صحيفة التايمز رسالة وقّع عليها 200 خبير اقتصادي بريطاني يحذّرون من خطورة الخروج. وقبل الانتخابات بأيام (يونيو/ حزيران 2016)، وقّع عشرة من الحاصلين على نوبل في الاقتصاد على رسالة يحذّرون فيها من مخاطر البريكست. في الأيام نفسها استطلعت مؤسسة إيبسوس رأي 600 خبير اقتصادي حول البريكست، قال 90% منهم إنّه سيضرّ بالاقتصاد البريطاني. 

لنكتب كلّ هذا على الجانب الأيمن من السبورة، وعلى الجانب الأيسر سنرسم حافلة مكتوباً عليها 350 مليون جنيه استرليني. تحت الجملة أو فوقها تقرأ: "بريطانيا تحوّل 350 مليون جنيه استرليني إلى موازنة الاتحاد الأوروبي كل أسبوع". 

جاءت النتيجة لمصلحة البريكست، انتصرت الحافلة على كلّ المجتمع العلمي، ولا توجد حقيقة وراء ما كُتب على الحافلة، غير أنّ الشعبوية لا تأبه للحقائق، ولا توليها الكثير من الاهتمام. تعمل الشعبويات على مستوى المخاوف والانطباعات. في آخر الأمر تستطيع جملة على شاحنة أن تقنع شعباً بالذهاب إلى الهاوية فيما لو لامست عصباً عارياً.

لا يوجد ما يؤكّد أنّ الناخب عقلاني في اختياره، بل أناني في الغالب. تُشير بيانات كثيرة إلى أنّ الناخب قد يختار برنامجاً يلبّي تطلّعات عشيرته، وإن كان مدمّراً للبلدة بأكملها. 

في عام 2019 حذّرت دراسة ممّا سبق أن حذّر منه جون آدامز: الديمقراطية بناء هش غير قادر على الدفاع عن نفسه. وضعت الدراسة، التي قُدِّمت في مؤتمر علمي في لشبونة، الديمقراطية والشعبوية وجهاً لوجه، وافترضت أنّ أيّ عملية سباق ستنتهي إلى مصلحة الشعبوية. فالديمقراطية بناء مُعقّد، يقوم على مفاهيم وقيم متداخلة ومركّبة، بينما تبسّط الشعبوية هذا العالم إلى جمل سهلة على غرار ما رأيناه على حافلة لندن! ففيما تحفر المؤسسة الديمقراطية عميقاً لفهم كيف تنشأ الظواهر، تخاطب الشعبوية "شعبها"، قائلة إنّ المهاجرين سبب الفقر، وإنّ السفور يسبّب الفيضان.

التحليل الذي قدّمته صحيفة دي تسايت الألمانية لناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا، الفاشي، توصّل إلى أنّ 80% منهم لا يملكون شهادة ثانوية عامة. يجلس الحزب في المقدّمة، كأقوى أحزاب البلاد، وبينما تحذّر كلّ المؤسسات الأكاديمية والثقافية من التصويت لبرامجه الفاشية وغير العلمية، فإنّ الهاربين من الثانوية العامة لهم رأي آخر، بل لهم كلمة الفصل.

حتى يكون بمقدوره أن يمرّر برنامجه الاقتصادي الساذج على جمهور الناخبين، فإنّه يؤسّس له بخطاب عاطفي حول الهُويّة، مع بلاغة عالية حول خطورة "الإبدال السكّاني"، والإشارة إلى البياض الآخذ في التلاشي. التركيز على "الأمن الثقافي" يمكّن الشعبوية من تمرير الهراء الذي تتخيّله. يجري الاختيار أحياناً بين أمرين حاسمين: الأمن الاقتصادي والأمن الثقافي، مصلحة الشركة، أو مصلحة الأمة. حين تُطرح مثل هذه الأمور على جمهور لم يحصل على شهادة ثانوية عامّة، فإنّ الديمقراطية ستخسر المنافسة. 

الناخب ليس كائناً عقلانياً، ولأنه كذلك، فإنّ منحه الحقّ في تحديد مستقبل البلاد أمرٌ ينطوي على خطورة عالية. قديماً قال أكسونوفان، تلميذ سقراط، إنّ علينا أن نبحث عن الرجل صاحب أفضل خبرة مع البحر إذا أردنا للسفينة أن تصل إلى بر الأمان، فمن شأن الاقتراع على القيادة أن يعرّض حياة البشر للخطر.

هذا ليس خطاباً في هجاء الديمقراطية، بل مداخلة بسيطة حول هشاشتها، بل واستحالتها. فلم تعد الديمقراطية مهدّدة من الخارج، بالانقلابات أو الغزو، بل من داخلها، تحديداً على يد الناخب غير العقلاني. 

من يحمي الديمقراطية من نفسها؟ هذا هو السؤال الذي بات خبراء الديمقراطية يطرحونه على أنفسهم ولا يعثرون له على جواب.

 

نقلا عن "العربي الجدبد"

مقالات

هذا ما تملكه تركيا وتفتقده إسرائيل

تؤمن تركيا بأن استقرار الدول المجاورة وازدهارها يصبان في مصلحة أمنها ورفاهها. ولذلك تنفذ مشروع «ممر التنمية» لدعم التنمية الاقتصادية في العراق، كما تدافع عن وحدة الأراضي السورية وتدعم جهود الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في سوريا.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.