مقالات
هل تستعيد الدولة اليمنية فرصتها؟
لم يكن اليمن غائبًا عن مجلس الأمن خلال سنوات الحرب، لكنه ظل في كثير من الأحيان حاضرًا بوصفه أزمة إنسانية، أو ملفًا أمنيًا مرتبطًا بالبحر الأحمر، أكثر من كونه قضية سياسية تتعلق بمستقبل دولة انهارت مؤسساتها بفعل الحرب والانقلاب والتدخلات الخارجية.
لكن الأيام الأخيرة حملت مؤشرات على عودة القضية اليمنية إلى دائرة الاهتمام الدولي بصورة أكثر وضوحًا.
فقد ناقش مجلس الأمن تطورات الوضع في اليمن، وحذّر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من مخاطر العودة إلى نزاع واسع النطاق، مؤكدًا هشاشة الوضع القائم وضرورة استئناف المسار السياسي.
وفي هذا السياق جاءت مداخلة توكل كرمان، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، لتضيف صوتًا يمنيًا من خارج المؤسسات الرسمية. ورغم اعتراض بعض الدول على مشاركتها في الجلسة الرسمية، فإنها لم تتوقف، بل عقدت إحاطة صحفية في مقر الأمم المتحدة، ونقلت رسالتها إلى الرأي العام الدولي.
وكان جوهر الرسالة واضحًا: السلام الحقيقي في اليمن لا يعني مجرد وقف إطلاق النار أو إدارة الانقسام، وإنما استعادة الدولة اليمنية الواحدة ذات السيادة، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وإنهاء واقع الجماعات المسلحة الخارجة عن مؤسساتها، وهنا تكمن أهمية ما جرى.
فالسلام الذي يجمّد توازنات القوة المسلحة لا ينهي الحرب، وإنما يؤجلها؛ أما السلام الحقيقي فيبدأ حين تصبح الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار، وتتحول المنافسة من الجبهات إلى المؤسسات.
واكدت توكل كرمان في منشورات لاحقه على صفحاتها أنها لم تكتفِ بالمؤتمر الصحفي، وإنما التقت لاحقًا بمندوبي الدول الأعضاء في مجلس الأمن في السفارة الدنماركية، ونقلت إليهم رؤيتها للحل.
ووفق ما نقلته عن تلك اللقاءات، فقد أكّد المندوبون دعمهم لوحدة اليمن واستقراره وسلامة أراضيه، ومساندة الشرعية في اليمن وهي مواقف تتقاطع مع المواقف الدولية المعلنة بشأن وحدة اليمن وسيادته.
إن قيمة هذه التحركات لا تكمن في التصريحات وحدها، وإنما في إمكانية تحويلها إلى مسار دبلوماسي يمني أكثر نشاطًا وتأثيرًا فعودة اليمن إلى دائرة الاهتمام الدولي فرصة ينبغي ألا تُترك للآخرين ليملأوها برواياتهم الخاصة.
على الحكومة والقوى الوطنية أن تقدم للمجتمع الدولي رؤية واضحة ومتماسكة:
ماذا تريد من السلام؟ وكيف يمكن الوصول إليه؟ وما الضمانات المطلوبة لإعادة بناء الدولة؟
لا ينبغي أن تكون الرسالة شيئا آخر غير: "ساعدوا اليمنيين على استعادة دولتهم".
وهذا يعني دعم مؤسسات الدولة، ووحدة أراضيها، ووحدة مؤسساتها العسكرية والأمنية، وإنهاء ظاهرة تعدد مراكز القوة، ووضع السلاح تحت سلطة الدولة والقانون.
كما أن على الحكومة والقوى الوطنية أن تتحرك دبلوماسيًا بصورة أكثر تنظيمًا، خصوصًا تجاه الدول المؤثرة في مجلس الأمن، وأن تقدم مشروعًا سياسيًا متكاملًا بدل الاكتفاء بردود الفعل على الأحداث.
الفرصة التي لا ينبغي تفويتها
قد يكون جزء من الاهتمام الدولي الحالي باليمن مرتبطًا بالبحر الأحمر والصراع الإقليمي وأمن الملاحة الدولية. لكن السياسة هي فن تحويل الظروف القائمة إلى فرص.
وإذا كان العالم بدأ ينظر إلى اليمن مجددًا، فعلى اليمنيين أن يجعلوه يسمع بوضوح ما يريدون:
لا نريد حرباً جديدة، ولا نريد وصاية خارجية؛ نريد دولة. دولة واحدة ذات سيادة، ومؤسسات موحدة، وقوة عسكرية وأمنية تخضع للقانون، ونظاماً سياسياً يستطيع اليمنيون من خلاله حل خلافاتهم بالحوار والانتخابات والمؤسسات