مقالات

هل شرعت إسرائيل في بناء بنك أهداف حوثي؟

29/08/2025, 13:53:36

في مقال سابق بعنوان لماذا لا تستهدف قيادات الحوثي بتاريخ الرابع والعشرين من أغسطس ألفين وخمسة وعشرين في صحيفة الساحل الغربي أشرت إلى الفجوة الاستخباراتية التي تواجهها إسرائيل والولايات المتحدة في رصد بنية الحوثيين القيادية فقد أثار غياب العمليات النوعية ضد قيادات الصف الأول في جماعة الحوثي تساؤلات متكررة حول القدرات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية وحول ما إذا كان هذا الغياب يعكس عجزًا في المعلومات أم حسابات استراتيجية معقدة فالضربات الإسرائيلية الأخيرة تركزت على منشآت مدنية يتضرر منها المواطن اليمني بينما لا تكترث المليشيات الحوثية وقياداتها بمثل هذه الضربات طالما أنها لا تطال شخصياتها العسكرية أو السياسية الرفيعة فمنذ صعود الحوثيين عام ألفين وأربعة عشر لم تُسجل أي عملية ناجحة ضد شخصيات محورية مثل عبدالملك الحوثي أو محمد عبدالكريم الغماري أو يوسف المداني رغم أن التجارب السابقة في لبنان والعراق وسوريا أظهرت أن خيار قطع الرأس يظل مفضلًا لإسرائيل حين تنضج بيئة الأهداف.

إلا أن الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت صنعاء يوم الخميس الثامن والعشرين من أغسطس ألفين وخمسة وعشرين وما تردد إعلاميًا عن استهداف اجتماع يشبه مجلس وزراء حوثيًا يعيدان طرح سؤال جوهري حول ما إذا كانت إسرائيل قد بدأت فعليًا في بناء بنك أهداف حوثي فعال أم أن ما جرى كان ضربة ظرفية استندت إلى معلومة استخباراتية عابرة ويعكس هذا التحول ما نقلته إذاعة الجيش الإسرائيلي وهيئة البث عن قرار عملياتي سريع شارك فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير حيث أكد الجيش الإسرائيلي استهداف موقع مهم للحوثيين في حي حدة بصنعاء كما رشح من التسريبات غير أن النتائج الميدانية ظلت غير محسومة وتفاوتت بين تقارير تحدثت عن استهداف قيادات بحسب وكالة أسوشييتد برس وأخرى أكثر تحفظًا بشأن الحصيلة وهذا التباين بين الرواية الإسرائيلية واليمنية إلى جانب غياب إعلان تفصيلي من جماعة الحوثي حتى الآن يفرض مقاربة حذرة ويفتح احتمال أن يكون بنك الأهداف لا يزال في طوره الأولي.

من أبرز العوامل التي أعاقت مثل هذه العمليات غياب الاختراق البشري داخل بنية الجماعة حيث تعتمد واشنطن وتل أبيب على الاستخبارات التقنية مثل الأقمار الصناعية والتنصت الإلكتروني بينما تعلم الحوثيون من تجربة حزب الله في لبنان والحرس الثوري الإيراني أساليب التمويه الأمني والتي تشمل تجنب استخدام الهواتف الذكية والاعتماد على الوسطاء في التواصل والتنقل المستمر مع تغيير المرافقين والحراسات والتحرك ضمن شبكة اجتماعية مغلقة تتركز في الهاشمية السياسية وخولان بني عامر وهو ما يجعل من عملية زرع مصادر داخل الدائرة القيادية الضيقة أمرًا شبه مستحيل كما أن البيئة القبلية في صعدة وصنعاء توفر حماية اجتماعية طبيعية لهذه القيادات وهو ما يفسر طول أمد نجاتهم من أي محاولات تصفية رغم الانخراط المباشر في الحرب

ولا يمكن إغفال أن الحسابات الاستراتيجية الأوسع دفعت واشنطن وتل أبيب إلى وضع الحوثيين في مرتبة أدنى ضمن قائمة الأولويات فقد ظل التركيز دائمًا منصبًا على إيران وبرنامجها النووي وقدرات حزب الله الصاروخية ولذلك فإن قتل عبدالملك الحوثي لا يُنظر إليه بالأهمية نفسها التي أُعطيت لقتل قاسم سليماني أو عماد مغنية أو حسن نصر الله إلا أن استهداف قيادات الصف الأول الحوثي سيترك تأثيرًا بالغًا على بنية الجماعة فعبدالملك الحوثي يمثل المرجعية العقائدية والرمزية التي تربط الفكر الجارودي الاثني عشري الإيراني بالصياغة اليمنية بينما يعد محمد عبدالكريم الغماري العقل العسكري لتطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة ويقود يوسف المداني جبهات ميدانية محورية ويبرز عبدالخالق الحوثي قائدًا لوحدات النخبة المسيطرة على قوات الحرس الجمهوري سابقًا في حين يتحكم عبدالكريم الحوثي بمفاصل الأمن الداخلي عبر وزارة الداخلية واستحداث جهاز استخبارات الشرطة والأمن بقيادة علي حسين بدرالدين الحوثي نجل مؤسس الجماعة بينما يمسك أحمد حامد الملقب بأبي محفوظ بمفاصل القرار الإداري والمالي والإعلامي وتبقى شخصية محمد علي الحوثي ذات نفوذ سياسي وجماهيري واسع من خلال اللجان الثورية أما مهدي المشاط فهو واجهة سياسية أكثر من كونه قياديًا فعليًا وينطبق الأمر نفسه على رئيس وزراء الحوثيين أحمد الرهوي الذي قيل إنه قُتل في استهداف منزل في حي حدة بالعاصمة صنعاء.

وبالتالي فإن استهداف أي من هذه القيادات العليا في جماعة الحوثي يعادل توجيه ضربة مباشرة لبنية القيادة غير أن الجماعة لا تعتمد على القيادات الفردية فقط إذ تمتلك مؤسسات موازية تشكل رافعة للبنية العقائدية والتنظيمية وعلى رأسها المجلس الجهادي الأعلى الذي يعمل كهيئة تنسيقية عليا للقرارات العقائدية والعسكرية في تشابه واضح مع مجلس شورى حزب الله إضافة إلى الهيئة القضائية برئاسة محسن الحمزي التي تضفي غطاءً شرعيًا ودينيًا على القرارات وتستخدم كأداة لتثبيت السيطرة وإخضاع المعارضين وهو ما يمنح الجماعة قدرة على الاستمرار حتى في حال فقدان أحد أركانها القيادية فالبنية الهرمية للجماعة تجمع بين القيادة العقائدية العائلية والقيادة العسكرية الميدانية والقيادة الإدارية والمالية وتتداخل مع المؤسسات الموازية لخلق تماسك داخلي يحميها من الانهيار السريع.

ومن خلال مقارنة التجارب يتضح أن الانتقال من استهداف البنية التحتية إلى ضرب القيادة يتطلب شبكة رصد استخباراتية متعددة الطبقات وتعاونًا إقليميًا ودوليًا وتقدم التجربة اللبنانية منذ عام ألفين وستة المثال الأوضح إذ لم يكن اغتيال حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت بحسب رويترز حدثًا معزولًا بل كان ذروة مسار طويل من بناء بنك أهداف دقيق أعقبه طرح اسم هاشم صفيّ الدين كخليفة محتمل قبل أن يُستهدف هو الآخر وهو ما يؤكد أن نهج قطع الرأس أصبح ركنًا ثابتًا في العقيدة العملياتية الإسرائيلية تجاه وكلاء إيران وهو ما يفتح الباب أمام مقاربة مشابهة في اليمن إذا تمكنت تل أبيب من اختراق البنية الاستخباراتية الحوثية بشكل مستدام.

وفي ضوء هذه المعطيات لا يمكن قراءة الضربة التي طالت صنعاء باعتبارها رد فعل تكتيكيًا على هجمات الحوثيين بالطائرات المسيّرة بل قد تكون مؤشرًا على بداية مسار جديد خصوصًا مع ما تردد عن مصرع أحمد الرهوي رئيس حكومة الحوثيين رجل الواجهة حيث أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن الهجمات استهدفت بشكل متزامن تجمعات لكبار المسؤولين الحوثيين في عدة مواقع ووصفت العملية بأنها كبيرة جدًا بينما ركزت صحيفة إسرائيل هيوم على منازل يُعتقد أن القادة يختبئون فيها إضافة إلى موقع كان يشهد اجتماعًا قياديًا وهو ما يعزز فرضية أن الضربة كانت أكثر من رد ظرفي وربما تمثل الخطوة الأولى في مسار بناء بنك أهداف حوثي على غرار ما حدث مع حزب الله في لبنان.

مقالات

السلطة كعبء على الجيش

في لحظات الانكسار، الهزيمة غالبًا لا تبدأ من الميدان بقدر ما تتسلل من داخل بنية السلطة التي يُفترض أن تحمي الجيش وتمنحه مكانته.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.