مقالات

وهم المسافة الآمنة

28/06/2026, 18:52:06

في فبراير 1794 وقف لويس أنطوان دو سان جوست أمام المؤتمر الوطني الفرنسي، والثورة يومها لا تثق بأعدائها ولا بالمترددين في صفّها، فقال إن نصف الثورة لا يحفر قبر صاحبه وحده، بل يفتح مقابر للجميع. الثورة الناقصة لا تُدفن وحدها، بل تجرّ البلد كله إلى حفرتها.

أطلق سان جوست تحذيره من على ضفةٍ بلغها؛ ثورةٌ مضت إلى أقصاها فعرفت ثمن الاكتمال. أما نحن في اليمن، فبقينا عند الضفة التي حذّر منها، نعرف المنتصف أكثر مما عرفته باريس يومًا. نراه في طريقٍ بدأناه ولم نُكمله، وفي بابٍ تركناه مواربًا بين زمنين. فنحن في الغالب أبناء المنتصف.

لا متطرفين في الحلم، ولا في الثورة، ولا في التغيير، ولا حتى في الحياة. نقف في تلك المسافة الصغيرة التي تتسع حتى تبتلع العمر، بين القبيلة والمدنية، وبين الدولة وفوضى المحسوبية، وبين الحرب التي لا تنتهي والسلام الذي لا يبدأ. خطوة إلى الأمام، والتفاتة طويلة إلى الخلف. نريد الدولة ونقيضها، ونذهب إلى الحرب ونرتبك أمام السلام، ونطالب بالتغيير ثم نتراجع حين يقترب من حياتنا ذاتها.

هذا التراجع المتكرر هو ما حوّل المنتصف من حالٍ عابرة إلى مُقام. كان في البداية مسافة نمرّ بها، ثم صار عادة، ثم صار طريقةً في الوجود. لم نعد نعبره، بل صار هو الذي يسكننا. نقول نصف الحقيقة كي لا نخسر أحدًا، ونقطع نصف الطريق كي لا يبلغنا الغد كاملًا ولا يفارقنا الأمس.

وهذا النصف لا يقف عند حدود السياسة، بل يتسرّب إلى الدواخل. لا نعرف كيف نحب، لكننا نُتقن كيف نكره، ونغرق في الكراهية حتى نتماهى معها. ولا نعرف متى نثور، فنُتقن المساومة بدلًا من الغضب، ونحسبها نصرًا مؤزَّرًا وهي هزيمة مؤجَّلة. نعقد اتفاقاتٍ منمَّقة مفخَّخة بما ينقضها ويفجّرها من داخلها، فيتفق اليمنيون اليوم ليتحاربوا غدًا، ثم يدّعي كلٌّ منهم الأفضلية، ويتمرّس خلف القبيلة والحزب والتحالفات المشوَّهة.

ومن هذا النصف بالذات تأتي الكارثة. فنصف الثورة أخطر من غيابها، لأنه يترك القديم حيًّا بما يكفي لينتقم، وضعيفًا بما يكفي لينهار. لا يموت فيه القديم، بل يكمن ويترصّد، يختبئ في الذاكرة والعصبية والخوف من الفوضى، ثم ينهض حين يطمئن إلى تردّدنا. ولا يولد فيه الجديد، بل يبقى فكرةً مؤجَّلة ووعدًا معلَّقًا يشيخ قبل أن يصير حقيقة. كتب غرامشي من سجنه أن الأزمة هي أن القديم يحتضر والجديد عاجز عن الولادة، وأن في تلك الفجوة تتناسل الأعراض المرضية. واليمن يقيم في هذه الفجوة منذ عقود، فلا غرابة أن تتكاثر فيه العلل. نصف الدولة يترك القانون معلَّقًا عند أول اختبار، ونصف السلام يُبقي الحرب كامنةً تحت الهدنة.

وفي قلب هذه العلل علّةٌ لا تكتفي بالكمون في الفجوة، بل تتغذّى عليها وتنمو. تتسلل المليشيات وتنسال من وسطية الدولة واللادولة، ومن فوضى الفراغ والمحسوبية، ومن الانشداد إلى الماضي، ومن أوهام السلطة والشرعية حين تُفرَض بالقوة، أو تُسنَد إلى نصٍّ تاريخي، أو تُبنى على أكذوبة الاصطفاء والولاية. لا تولد المليشيا رغم الفراغ، بل منه. هي الابنة الشرعية للمنتصف، تزدهر حيث لا تحسم الدولة وجودها ولا يموت ما قبلها. وكلما طال تردّدنا في تسمية الدولة دولة، وجدت من يملأ مكانها بسلطةٍ تستعير قداستها من الماضي لتؤجّل المستقبل إلى الأبد.

غير أننا نأبى تسمية هذا العجز باسمه. هنا يبدأ الالتباس الذي طال أمده. ليست المشكلة في أن نبحث عن توازن، بل في أننا نخلط بين التوازن والتعطيل. التوازن قرارٌ يوازن بين قوى حاضرة ليعبر بها، والتعطيل تهرّبٌ من القرار يرتدي ثوب الحكمة. الأول مرحلةُ عبورٍ إلى الاكتمال، والثاني مُقامٌ تتسع مسافته حتى تبتلع صاحبها فيستحيل ببطء إلى قبر. وليست أنصاف الثورات وحدها التي تفتح القبور، بل تفتحها أنصاف التسويات وأنصاف الحروب وأنصاف الحلول حين تدوم وتستقر. عشنا في اليمن طورًا طويلًا من المراوغة تحت اسم الوسطية، نقسّط كلفة القرار كي نخفّفها، فدفعناها كاملة. ولا يزال بيننا من يرى في المنتصف فضيلة، ويرى في نصف الدولة قدرًا لا يُطمَح إلى ما فوقه. قال المتنبي: إذا غامرتَ في شرفٍ مرومٍ، فلا تقنع بما دون النجوم. ونحن قنعنا طويلًا بما دون النجوم، بل بما دون أن نكون.

ولأن التردد لا يُحتمل عاريًا، نكسوه بالأسماء الجميلة. نسمّيه واقعية، ونسمّيه اتزانًا، ونسمّيه حكمة يمنية، ولا نسأل لماذا يتّسع الفراغ كلما ازددنا حكمة. الواقعية الحقّة تقرأ موازين القوى لتتحرك فيها لا لتسكن داخلها. أما حين تصير الحكمة اسمًا للتأجيل فهي ليست حكمة، بل خوفٌ تعلّم أن يتكلم بلغةٍ مهذّبة.

وبينما نحن منشغلون بهذه التسمية، يمضي ما حولنا بلا توقف. الفوضى تتمدد، واليقين حين يغيب لا يعود وحده. الذي يقف ساكنًا هو الإنسان وحده، في منتصف الطريق، يربّي خوفه ويورّثه، ثم يسأل لماذا لا يولد المعنى.

والعالم لا ينتظرنا. يتغير من حولنا ونحن عالقون في المكان نفسه، نبرع في اختلاق المبررات وصناعة الأعذار. تسقط أنظمة وتقوم أخرى، وتتبدّل أحوال المنطقة وتتنافس على الغد، بينما نبقى مشدودين إلى الأمس، تلعن كلٌّ منا الأمة التي سبقته. وبين نظرية المؤامرة ومؤامرة النظرية، وثأر الجغرافيا وتاريخ الثأر، علقنا في الثنائيات حتى لم نعد نشبه الأمس ولا ننتمي إلى الغد.

على هذه الحافة يقف اليمن اليوم. كل شيء فيه نصف مكتمل. الحرب لا تبلغ خاتمتها، والسلام لا يطمئن إلى نفسه، والدولة لا تثق بوجودها، وما قبلها لم يَمضِ بعد. ونحن في الممرّ الطويل بينهما، نحسب المسافة أمانًا، بينما هي تطول حتى تصير وطنًا بديلًا من التردد والانتظار.

وما من نصفٍ يبقى بلا ثمن. من باب الضغينة والاستبداد سقطنا بين يدي الظلام، وتلقّفنا القتلة من كل جهة، وحلّ السواد في بلادٍ كانت الروايات القديمة تصفها بالسعيدة، حتى صارت أشبه بقصة الكرام على موائد اللئام، تلوكها الألسن، وتتقاسمها القوى، وتقطّع أوصالها المشاريع الخارجية. هكذا يدفع الشعب ثمن إقامته الطويلة في المنتصف، فلا يبقى محايدًا في فراغه، بل يصير غنيمةً لكل من يجرؤ على الحسم نيابةً عنه.

ولأن المسافة لم تعد تحمينا، صار الخروج منها هو السؤال. لا إلى جنونٍ جديد ولا قسوة عمياء، بل إلى عبورٍ يسمّي نفسه: دولةٍ تثق بوجودها، وسلامٍ لا يضمر حربًا، وقانونٍ يحكم الجميع ولا يُفصَّل على مقاس مجموعةٍ حاكمة أو جماعةٍ طامعة. الحسم هنا ليس دعوةً إلى الدم، بل قرارٌ بأن للأشياء معنى يُلتزَم به، وأن للوجود اتجاهًا يُختار.

ولم يعد أمام هذا الاختيار وقتٌ يُؤجَّل إليه. إما أن نستعيد أنفسنا وبلادنا، أو نبقى مسحوقين إلى الأبد تحت ما يريده الآخرون لنا. والقادم لن يشبه ما عرفناه، فلا نجاة في الحنين إلى ماضٍ مخنوق، ولا في انتظارٍ بلا عمل يسنده. يبقى شرطٌ واحد يسبق كل شرط: أن يصير اليمن أولًا، قبل الحزب والجماعة والأسرة والمنطقة، وأن نختار البلد على الخرافة التي ابتلعته باسم الاصطفاء والقداسة والحق التاريخي.

ربما لخّص عبد العزيز المقالح كل هذا في عنوان قصيدته: «الصمت عار، الخوف عار». ثم مضى فيها إلى ما يشبه الوصية لهذا البلد: سنظل نحفر في الجدار، إما فتحنا ثغرة للنور، أو متنا على وجه الجدار. وهذا هو الخيار الذي ظللنا نتهرّب منه باسم المسافة، أن نحفر حتى النور، أو نموت ونحن نظنّ أن الوقوف أمام الجدار حياة.

فالمنتصف حين يطول لا يبقى منتصفًا. يصير بلادًا كاملةً من الخوف. ولا منطقة وسطى بين الخوف والحياة.

مقالات

الانشقاق ليس صك غفران سياسي

في الحروب الطويلة لا تتغير الجبهات وحدها، بل تتغير معها المواقف والتحالفات والولاءات. وقد يجد أشخاص كانوا جزءًا من مشروع ما أنفسهم، بعد سنوات، في صفوف خصومه. وهذه ليست ظاهرة يمنية خالصة، بل عرفتها تجارب كثيرة عبر التاريخ.

مقالات

كيف أعادت مدرسة الاجتهاد تعريف التسنن والتشيع في ضوء المقاصد والفضاء الإسلامي المشترك

لم تكن كلمات المجتهد صالح المقبلي مجرد زفرة ضيق آنية أملتها ظروف تاريخية عارضة، بقدر ما كانت تكثيفًا لجوهر أصيل في البنية الفكرية لمدرسة الاجتهاد اليمنية، وتجليًا لأزمة معرفية أعمق: أزمة العقل المذهبي حين يعجز عن استيعاب المجتهد الذي يرفض التحرك داخل حقوله المسيجة بالتقليد.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.