مقالات

'يوتوبيا' الفكرة والبعرة

06/03/2021, 15:00:49
المصدر : خاص

في زمنٍ ما، في يمنٍ ما، كان ثمة بحر في صنعاء. ليس نهراً، ولا جدول ماء. إنه بحر حقيقي بشاطئ لا يُحَدّ. وفي أطراف هذا الشاطئ اللازورديّ نبتتْ سيقان نخيل، وارتقت وتعملقت حتى صار الرابض في ذروتها يرى على مرمى البصر أكواخ الخصّ في ساحل الخوخة على نصل البحر الأحمر.

في الزمن نفسه، وفي اليمن ذاته، كان تسعة من المزارعين الأشدّاء يستصلحون أرضاً بوراً في الحسوة بأطراف عدن، المدينة المُحاذية لساحل الخليج الذي استعار اسمها. هناك، حيث راحوا يشقُّون رحم الأرض، ثم يضعون في عنقه بذوراً لم يعرفها أحد من قبل. ومع توالي الأيام زرعوا صنوفاً من الفاكهة وأنواعاً من الحبوب وبعض شُجيرات الورد البلدي.

وعلى نواصي المراكب الخشبية الصغيرة، التي كانت تمخر عباب البحر في المدينتين حينها، كانت مجاميع الصيادين المصبوغة أجسادهم بسُمرة الطَمْي وخمرة الكَدَح يُراوِدون الموج عن صَدفاته، وأسرار الليل في جنباته، مُردّدين أغنيات ذات سُلّم موسيقي تطرب له الأسماك، التي راحت تتصاعد الى الشِّبَاك، بألوان وأحجام وأسماء لا يعرفها ألاَّ أولئك الصيادون.

وفي مدرسة الأيديولوجيا، تحوّلت أشجار النخيل والباباي والحبوب والورود والأكواخ والأسماك والشباك والأصداف والأغاني إلى حالة جلوس على مقاعد الدروس، مُمسكةً بكتابٍ لا غلاف له، ومُنصتةً إلى محاضرة في علم الاجتماع السياسي، ترجمَها بروفيسور كئيب الوجدان عن الروسية نقلاً عن الألمانية نقلاً عن الفرنسية، ولم يكن كاتبها معروفاً لأحد، ولا مُدوّناً في 'الانسيكلوبيديا'.

أما في صفّ تعليمي لمحو الأُميّة، يربض على تلَّةٍ صغيرة في أطراف الربع الخالي بين زَمَخ ومَنْوَخ، تخرَّج بعض المزارعين والصيادين السابقين، العسكر اللاحقين .
 ثمة امرأة واحدة وحيدة كانت بين هؤلاء جميعاً. كانت تتعلّم معهم نهاراً، وتتدرّب على الخياطة في الليل. كانت الوحيدة بين هؤلاء جميعاً التي تخرَّجت بشهادتين: التحرُّر من الأُميّة المتوارثة .. والتحرُّر من الفقر الإلزامي.

نحن لم نكتب التاريخ يوماً، ولا رسمنا الجغرافيا.
إن أقصى ما فعلناه كان صراخاً واستنكارا، أما أقصى ما قلناه فكان شعاراً يستنسخ شعارا.
وفي حومة الفعل الأهوج والقول الأجوف، كنا نتداول عُملة الاجترار اليابس بحماسةٍ منقطعة النظير، في الاقتصاد والسياسة، وفي الفلسفة والاجتماع، وفي الفن والعقيدة.

كنا نشعر بالبرد فنُشعل الحرائق في الغابة، وإذا شعرنا بالحرّ نروح ننفخ في صدورنا. وفي الحالين: لا نتدفّأ، ولا نستبرد، بل نمارس الخديعة الرمادية في حق أجيال قادمة كثيرة، وليس في حقنا فقط.

وذات مساء نَدِيّ، جاءت إلينا عجوز طيبة تحمل على كاهلها ثمانين حقلاً ومئات الحالات من الانكسار الرطب، وقالت لنا هامسةً: لا تهتموا بهذا الوحل العالق في أحذيتكم. انتبهوا لذلك الدبق الملتصق بأرواحكم!
لحظتها، انتبهنا إلى أن البحر راح يطوي سُجّادته الزرقاء، ويركنها بلا مبالاة على عمود خشبي مكسور من بقايا أطلال كانت لمؤسسة فارهة المقام وجاذرة الأثر، لكنها قايضت الفكرة بالبعرة.

مقالات

مطهر الإرياني.. شاعر أزهر الحب والوطن في قصائده (2-2)

غير النصوص التي كتبها عن الأرض، والفلاح، ومواسم الزراعة هناك عدة نصوص وطنية، وأناشيد ثورية كتبها مطهر الإرياني تغنى بها فنانون مختلفون، واستمرت أجيال متتابعة ترددها مثل أنشودة "فجر أيلول"، التي اشتهرت بصوت الفنان الراحل عمر غلاب باسم "يا بلادي نحن أقسمنا اليمينا"

مقالات

الوطن، الوثن.. وسارق الأحذية!

أحتاجُ إلى فُسحةٍ من التبصُّر الذاتي، أو قَدْرٍ من السلام الروحي، لتبيان الفرق بين الوطن والوثن، فقد تشابه الوطن عليَّ (أَمْ تُراه تشابه الوثن!) حتى بات الأمر ضرباً من الهُلام المتداخل بين قرص الشمس المجوسية وروث البقرة الهندوسية، يسقط هذا في نتن ذاك، أو ينأى هذا في الوعي ليصبح في هيئة ذاك في الوجدان!

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.