مقالات
الأمم المتحدة في اليمن تآكل أدوات التأثير
جاءت إحاطة هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن امس الثلاثاء بلهجة حذرة وروتينية، أعادت تدوير المفردات التي صارت ملازمة للخطاب الأممي حول اليمن على شاكلة خفض التصعيد وحماية الملاحة، ودعم الاقتصاد والإفراج عن المحتجزين، والحفاظ على مسار السلام.
هذا الإيقاع البارد لا يتعلق بأسلوب المبعوث وحده، بقدر ما يعكس موقعًا أمميًا بات أضعف من السابق؛ فالإحاطة كشفت فقدان المبعوث القدرة فعلية على تحريك ركود الملف اليمني.
هذا التراجع لم يبدأ مع الإحاطة الأخيرة. فمنذ تعيين غروندبرغ في أغسطس 2021، واجه موقفًا حوثيًا متحفظًا ومعلنًا، عبّر عنه ناطق المليشيا محمد عبدالسلام بقوله إن لقاء المبعوث الجديد لا يغيّر شيئًا في الوقائع. وبعد أكثر من 3 سنوات، عاد غروندبرغ إلى صنعاء في 6 يناير 2025 في أول زيارة له بعد رفض الحوثيون استقباله لما يقارب عامين، وكان الهدف، بحسب مكتبه، تحسين البيئة اللازمة لتحريك العملية السياسية والمطالبة بالإفراج عن موظفي الأمم المتحدة المحتجزين. الفارق بين المحطتين أن المبعوث ظل حاضرًا بوصفه عنوانًا سياسيًا، لكن من دون أن يثبت لنفسه موقعًا حاسمًا داخل حسابات الحوثيين.
الدور المفترض للمبعوث القيام به اضطلعت به مسقط إلى حد ما خصوصا في ما يتعلق بالتقارب الحوثي مع الرياض حين اعلن في أبريل 2023، اجراء وفود سعودية وعُمانية محادثات مباشرة في صنعاء مع الحوثيين سعيًا إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء التورط العسكري السعودي. ثم في 6 مايو 2025 أعلنت عُمان أنها توسطت في تفاهم مباشر بين الولايات المتحدة والحوثيين يقضي بعدم استهداف كل طرف للآخر، بما يشمل السفن الأميركية في البحر الأحمر وباب المندب. ما يكشفه هذا المسار أن القناة العُمانية صارت أكثر قدرة على تمرير الترتيبات الأمنية العاجلة، بينما تراجع دور الأمم المتحدة إلى المرافقة أو الإسناد السياسي العام.
وبالتوازي مع تقلص وزنها التفاوضي، خسرت الأمم المتحدة جزءًا مهمًا من قدرتها على العمل على الأرض. ففي 13 أغسطس 2024 أدان مفوض حقوق الإنسان فولكر تورك اقتحام مكتب المفوضية السامية في صنعاء، وقال إن سلطات الأمر الواقع أجبرت الموظفين الوطنيين على تسليم الوثائق والمركبات والمفاتيح، وإن النداءات المتكررة للإفراج عن الموظفين المحتجزين لم تلق استجابة. وفي 24 يناير 2025 أعلنت الأمم المتحدة تعليق جميع التحركات الرسمية إلى مناطق الحوثيين وداخلها بعد احتجاز موظفين إضافيين. ثم توقفت العمليات في صعدة في فبراير 2025 بعد وفاة موظف أممي أثناء الاحتجاز، قبل أن تنقل الأمم المتحدة مقر عمل المنسق المقيم إلى عدن في سبتمبر 2025. وفي 30 يناير 2026 قالت الأمم المتحدة إن سلطات صنعاء دخلت 6 مكاتب أممية غير مأهولة وصادرت معظم معدات الاتصالات وعددًا من المركبات. وبعد ذلك بشهرين، جدد تورك الدعوة إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن 73 موظفًا أمميًا وعاملًا إنسانيًا محتجزين في اليمن، بعضهم منذ 5 سنوات.
هذا الانكماش الأممي وقع في لحظة كانت فيها الأزمة الإنسانية تتسع لا تنحسر. فخطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 تشير إلى أن أكثر من 22 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة والحماية في اليمن. وفي يناير 2026 قال منسق الشؤون الإنسانية جوليان هارنيس إن تمويل خطة 2025 لم يتجاوز 28% من الهدف، وإن عمليات الأمم المتحدة باتت محصورة في المناطق الخاضعة للحكومة، فيما تقع نحو 70% من الاحتياجات في مناطق الحوثيين التي يصعب الوصول إليها بسبب القيود الأمنية واعتقال الموظفين. وعلى مستوى الوضع المعيشي، قالت “الفاو” و”برنامج الغذاء العالمي” و”اليونيسف” في 22 يونيو 2025 إن نحو 4.95 مليون شخص في المناطق الحكومية يواجهون مستوى أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي بين مايو وأغسطس 2025، بينهم 1.5 مليون في حالة طوارئ غذائية. هذه الأرقام تعني أن التراجع الإنساني لم يعد محصورًا في منطقة بعينها، بل بات يمس مختلف مناطق اليمن بدرجات متفاوتة.
ومع ذلك، لا يعود اليمن إلى صدارة الاهتمام الدولي بسبب اتساع المجاعة أو انهيار الخدمات، بل حين يرتبط أمنه المضطرب بحركة التجارة العالمية. صندوق النقد الدولي قدّر في 7 مارس 2024 أن الهجمات في البحر الأحمر خفضت التجارة العابرة لقناة السويس 50% في أول شهرين من ذلك العام مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وأدت إلى تحويل مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح مع زيادة متوسط زمن التسليم 10 أيام أو أكثر. وبعد أكثر من عام، جاء التفاهم الذي أعلنته عُمان بين واشنطن والحوثيين ليركز مرة أخرى على السفن الأميركية في البحر الأحمر وباب المندب. وفي 27 مارس 2026 أعلنت الجماعة صراحة أنها مستعدة للتدخل عسكريًا إذا استُخدم البحر الأحمر في عمليات ضد إيران. هذا لا يثبت وجود قرار إيراني مباشر يمكن تفعيله آليًا لإقفال باب المندب، لكنه يثبت أمرين بوضوح: أن الحوثيين يتموضعون داخل محور إقليمي تقوده طهران، وأن قدرتهم على تهديد الملاحة تحوّلت إلى ورقة ردع تتجاوز الإطار اليمني الضيق.
أما في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا، فالمشكلة لا تتعلق فقط بضعف الموارد، بل بطبيعة البنية السياسية نفسها. فإحاطة مكتبة مجلس العموم البريطاني الصادرة في 31 مارس 2026 تقول إن خطوط المواجهة الرئيسية بقيت مجمدة منذ هدنة 2022، لكن ميزان القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين تغيّر بسرعة في 2025 و2026. وفي 5 فبراير 2026 قالت رويترز إن السعودية، بعد دفع الإمارات إلى التراجع عن واجهة المشهد اليمني، رصدت ما يقارب 3 مليارات دولار هذا العام لرواتب القوات والموظفين، بينها نحو مليار دولار لمقاتلين جنوبيين كانوا يتلقون دعمًا من أبوظبي، وإن الرياض تريد “قصة نجاح” في المناطق التي تدعمها، مع توحيد الفصائل الجنوبية ضمن بنية عسكرية تقودها هي. معنى ذلك أن الثقل السعودي ازداد بوضوح، لكن هذا الثقل لم يتحول بعد إلى مركز قرار يمني موحد أو إلى عودة مؤسسية مكتملة للدولة إلى الداخل.
ومن هذه الزاوية تبدو إحاطة غروندبرغ الأخيرة مدخلًا مناسبًا لفهم المرحلة كلها. الأمم المتحدة ما زالت موجودة، لكنها فقدت قسمًا من قدرتها على الضغط والعمل. عُمان باتت أكثر حضورًا في التفاهمات الأمنية الحساسة. الحوثيون يتعاملون مع موقعهم الجغرافي وقدرتهم العسكرية بوصفهما جزءًا من معادلة إقليمية أوسع. ومناطق الحكومة بقيت تتحرك داخل سقف ترسمه الرياض أكثر مما تتحرك وفق مشروع يمني داخلي متماسك. أما اليمنيون أنفسهم، فيواجهون اتساع الفقر والجوع وتقلص الخدمات في بلد يعود إلى واجهة العالم حين يضطرب البحر الأحمر، ثم يتراجع سريعًا إلى الهامش عندما يعود الحديث إلى الدولة المعلقة والأزمة الإنسانية المزمنة.