مقالات

الأمن الإقليمي يبدأ من اليمن

26/07/2026, 11:44:44
بقلم : يزن زياد

‎يومًا بعد يوم، تثبت الأحداث المتسارعة أن اليمن لم يعد، في معادلات المنطقة الملتهبة منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، مجرد ساحة نزاع داخلي قابلة للاحتواء عبر تسوية سياسية محدودة أو هدنة مؤقتة، مهما طالت مدتها. بل إن الأزمة اليمنية خرجت منذ زمن من إطارها الوطني الطبيعي، لتتحول بفعل سياسات جماعة الحوثيين وارتهانها لراعيها الإقليمي، إيران ـ إلى ملف إقليمي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه الجغرافيا مع الجيوبوليتيكا، ويتداخل فيه المحلي بالإقليمي، بحيث تحولت الجماعة من فاعل داخلي مسلح إلى فاعل مؤثر في حسابات الأمن العربي والدولي.

‎وبناءً على ذلك، فإن التعامل مع اليمن بوصفه أزمة داخلية خالصة بين جماعة انقلابية وحكومة شرعية لم يعد مجرد تبسيط مخل أو قفز على حقائق واضحة، بل أصبح خطأً استراتيجيًا مكلفًا على المديين القريب والبعيد، يدفع الشعب اليمني وحده فاتورته. ولعل السبب الأول في هذا التحول يكمن في الجغرافيا نفسها؛ فالموقع الاستراتيجي لليمن، المطل على باب المندب وخليج عدن والممتد إلى المحيط الهندي، لا يقع على هامش الإقليم، بل في خاصرته الأكثر حساسية، فباب المندب، والبحر الأحمر، وخليج عدن، والامتداد المباشر إلى شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، لم تكن يومًا مجرد تفاصيل جغرافية،
بل ظلت عبر التاريخ مصدرًا للصراع والتنافس والمراقبة والضغط، إقليميًا ودوليًا. وحين تضعف الدولة في موقع بهذه الحساسية، أو تفقد قدرتها الفعلية على أداء وظائفها، فإن الفراغ لا يبقى فراغًا؛ بل تملؤه الجماعات المسلحة بمختلف توجهاتها، والقوى الخارجية ذات المصالح المتعارضة، وشبكات التهريب، والمشاريع الإقليمية المتنافسة.

‎ويكمن السبب الثاني في أن الأزمة اليمنية لم تعد تدور حول سؤال: من يحكم صنعاء؟ أو من يدير عدن؟ بل أصبحت تدور حول طبيعة الفاعل المسلح الذي يفرض حضوره بالقوة، ويحاول تحويل موقع اليمن الجغرافي إلى منصة للتأثير الإقليمي، في إطار حروب الوكالة وصراعات القوى الكبرى، بعيدًا عن مصالح اليمنيين أنفسهم. وتمثل جماعة الحوثيين مثالًا واضحًا على تحول الجماعات المسلحة من أدوات داخلية في صراع السلطة إلى فاعلين عابرين للحدود، يرهنون إمكاناتهم وإمكانات بلدهم لخدمة مصالح دول أخرى، ويملكون القدرة على تهديد الملاحة في الممرات البحرية الدولية، وإرباك الأمنين الوطني والإقليمي، وفرض أجنداتهم بالقوة العسكرية لا عبر التوافق السياسي. وهذه النقلة النوعية هي التي جعلت اليمن يتجاوز كونه دولةً منكوبة منذ أكثر من عقد، ليصبح ساحة اختبار لمعادلات الردع الإقليمي ذاتها.

‎وعليه، فإن أخطر ما في الحالة اليمنية ليس استمرار الحرب فحسب، بل استمرار اختزالها في مجرد "أزمة سلطة" داخل دولة تتذيل مؤشرات التنمية العالمية، بينما تتصدر مؤشرات الهشاشة والفقر. فثمة من ينظر إليها باعتبارها ملفًا إنسانيًا بحتًا، وآخرون يرونها أزمة سياسية قابلة للحل عبر تفاهمات بين النخب المسيطرة، بينما ينظر فريق ثالث إليها من زاوية أمنية محضة، بوصفها مرتبطة بتنظيمات متطرفة أو مشاريع انفصالية. غير أن الحقيقة، على ما يبدو أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؛ فاليمن يمثل أزمة مركبة متعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في جانب واحد. إنها، في الوقت نفسه، أزمة دولة مهددة في سيادتها، وأزمة شرعية، وأزمة اقتصاد، وأزمة احتكار للسلاح خارج مؤسسات الدولة، وأزمة موقع جيوسياسي بالغ الحساسية. ومن ثم فإن أي معالجة تتجاهل هذه الأبعاد المتداخلة ستظل محكومة بإدارة الأزمة، لا بحلها.
 
‎لقد أسهمت التطورات الأخيرة في ترسيخ هذا الفهم؛ إذ بات كل تصعيد ميداني في اليمن ينعكس بصورة مباشرة على أمن البحر الأحمر والبحر العربي، وعلى حركة الملاحة الدولية، وتكاليف الشحن والتأمين، واستقرار أسواق الطاقة، فضلًا عن تأثيره في تموضع القوى الإقليمية والدولية وحساباتها الاستراتيجية. كما أن استمرار الاضطراب في هذا البلد يوسع هامش المناورة أمام الجماعات المسلحة ذات المشاريع المتباينة، ويمنحها القدرة على تحويل الساحة اليمنية إلى ورقة ضغط مفتوحة في صراعات لا تخدم اليمن واليمنيين، بل تُستخدم لتحقيق مصالح قوى إقليمية ودولية أخرى. ومن ثم، يصبح الأمن الإقليمي برمته أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للاهتزاز وعدم اليقين.

‎ومن هذه الزاوية، تبدو جماعة الحوثيين مسؤولة بدرجة رئيسية عن إدخال الأزمة اليمنية في مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، من خلال تبني خيارات تصعيدية نقلت الصراع من إطاره الداخلي إلى فضاء إقليمي أوسع. فقد أسهمت العمليات العسكرية والتهديدات الموجهة للممرات البحرية والدول المجاورة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، في توسيع نطاق الأزمة، وإعادة تدويل الملف اليمني، وتوفير مبررات لتزايد الانخراطين الإقليمي والدولي في مسرح الصراع، بما أدى إلى تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة.

‎وبدلًا من أن تهيئ هذه السياسات بيئة أكثر ملاءمة للحل السياسي، فقد رفعت مستوى المخاطر الأمنية، وعمقت عزلة اليمن، وزادت الأعباء الاقتصادية والإنسانية على المواطنين. ومن منظور موضوعي، فإن أي فاعل يدفع بالأزمة نحو مزيد من التصعيد، ويوسع نطاق تداعياتها خارج الحدود الوطنية، يتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن النتائج المترتبة على ذلك، بما في ذلك إطالة أمد الصراع، وإضعاف فرص بناء سلام مستدام، وتعريض الأمن الإقليمي لمزيد من الهشاشة وعدم الاستقرار.

‎أما على مستوى الإقليم العربي، فلم يعد اليمن مجرد مشكلة تقع في جنوب شبه الجزيرة العربية أو قضية تؤثر بصورة غير مباشرة في منطقة الخليج، التي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، بل أصبح عنصرًا بنيويًا في معادلة الأمن الإقليمي. فكل تدهور في الداخل اليمني ينعكس على أمن المملكة العربية السعودية، واستقرار خطوط الملاحة الدولية، وتوازنات الردع في الخليج، والعلاقات بين القوى الدولية الفاعلة، سواء بين الولايات المتحدة والصين، أو بين الغرب والصين على نحو أشمل. وبهذا المعنى، لم تعد الأزمة اليمنية قابلة للفصل عن منظومة الأمن العربي، لأنها أصبحت جزءًا من البنية التي تؤثر في استقرار المنطقة بأسرها، ولم تعد مجرد أزمة تقع على أطرافها.

‎ومن ثم، فإن أي مقاربة جادة للحل ينبغي أن تنطلق أولًا من الاعتراف بهذه الحقيقة؛ إذ لا يمكن بناء أمن إقليمي مستدام في ظل يمن هش، منقسم، ومفتوح أمام سلطة السلاح الخارج عن الدولة. فالأمن في المنطقة لا تصنعه القوة العسكرية وحدها، ولا تضمنه التحالفات الظرفية فحسب، وإنما يتطلب إعادة بناء الدولة اليمنية بوصفها الإطار الشرعي الوحيد القادر على بسط السيادة، وضبط استخدام القوة، وحماية الحدود، وتأمين السواحل، وإدارة الموارد الوطنية، وبناء شراكات إقليمية ودولية قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

‎وهنا تظهر الحاجة إلى مقاربة استراتيجية جديدة تتجاوز منطق التهدئة المؤقتة إلى منطق البناء الطويل. فالمطلوب ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل إعادة تعريف أولويات التعامل مع اليمن على المستويات كافة: السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والمؤسساتية الشرعية. وفي هذا الإطار يمكن تحديد خمس أولويات عملية هي:
‎ أولا: إعادة الاعتبار للدولة اليمنية، بوصفها المرجعية الوحيدة المشروعة لإدارة القوة والسلاح والموارد والاتفاقات الدولية. فكل صيغة تتعايش مع ازدواج السلطة، أو مع استقلال السلاح عن الدولة، ستعيد إنتاج الأزمة من جديد، ولبنان خير دليل. 
‎ثانيا: ربط أي تسوية سياسية بمسار تنفيذي واضح يضمن تفكيك المظاهر المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة، ويعزز قدرة الحكومة والمؤسسات الوطنية على بسط نفوذها التدريجي، لا الرمزي فقط، ومساعدتها على بناء نموذج جاذب في بسط دولة القانون، وتطبيع الحياة العامة من أمن وخدمات وغيرها.
‎ثالثًا: معالجة البنية الاقتصادية للحرب عبر تجفيف مصادر التمويل غير المشروع، الذي يشكل رئة الحياة لهذه الجماعات، وإعادة تنظيم الإيرادات وتوحيدها، وتوحيد العملة الوطنية، ومنع تحويل الاقتصاد إلى أداة صراع. فالحرب في اليمن لم تعد معركة عسكرية فقط، بل اقتصادًا موازيًا يغذي نفسه بنفسه.
‎ رابعا: بناء شراكة إقليمية ودولية لحماية البحر الأحمر، وباب المندب، وخليج عدن، تبدأ من اليمن، فالسعودية، فمصر، والسودان، حتى القرن الأفريقي المشاطئ لهذه الدول، وإريتريا والصومال على وجه الخصوص، لا بمعزل عن الداخل اليمني أو الحكومة الشرعية، بل بالتوازي مع دعم الدولة اليمنية نفسها، وتمكينها فنيًا وعسكريًا من حماية سواحلها، وجزرها، وخلجانها، ومضائقها. فالأمن البحري - في أي مكان أو قارة - لا يُحمى بإجراءات عسكرية وتقنية فقط، بل بوجود سلطة وطنية مستقرة على اليابسة المشرفة عليه.

‎ خامسا: تمكين المجتمع اليمني من العودة إلى مركز الفعل، عبر توسيع المشاركة السياسية، ودعم القوى المدنية، وإعادة الاعتبار للنخب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حتى لا يبقى مستقبل البلاد رهينة بين جماعات السلاح وتوازنات الخارج.
‎إن اليمن اليوم، وفي هذا الظرف بالذات، لا يختبر فقط قدرته على النجاة من الحرب، بل يختبر أيضًا قدرة الإقليم على فهم أن استقرار الضفة الجنوبية للجزيرة العربية ليس شأنًا يمنيًا داخليًا، بل ركيزة من ركائز الأمن العربي، بدرجة رئيسية. ولذلك، فإن مقولة إن «اليمن أزمة محلية» لم تعد صالحة، لا سياسيًا ولا استراتيجيًا، ولا تدعمها معطيات الواقع. فاليمن، بحكم موقعه وتاريخه وتشظيه الحالي، أصبح عقدة أمن إقليمي، وامتحانًا مفتوحًا لقدرة المنطقة على حماية نفسها من الداخل قبل الخارج.

‎هذا يقودنا إلى سؤال لم يعد: كيف ننهي الحرب في اليمن؟ بل: كيف نعيد اليمن إلى موقعه الطبيعي دولةً مستقرة، لا ساحةً مفتوحة لإعادة إنتاج التهديد في الإقليم كله؟
‎إن الإجابة عن هذا السؤال ضرورة سياسية واستراتيجية. فالأمن الإقليمي، في نهاية المطاف، يبدأ من اليمن، ولا يمكن أن يكتمل من دونه.

مقالات

ماذا تملك الرياض إن اضطرت إلى مواجهة الحوثي؟

أقصى ما بلغه صاروخ حوثي منذ هدنة 2022 لم يكن هدفًا عسكريًا، بل منشآت «أرامكو» ومنافذ تصديرها. في أقل من أسبوع، أعلنت مليشيا الحوثي حصارًا بحريًا على السعودية، ثم تبنّت استهداف منشآت في جازان وينبع بصواريخها ومسيّراتها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.