رأي

الحرب الحوثية الضارية ضد الصحافيين

الحرب الحوثية الضارية ضد الصحافيين

وحّدها؛ ومنذ سقوط صنعاء في سبتمبر 2014م، تقف الصحافة اليمنية في ساحة الحرب دون بذلة واقية وخوذة حماية، تُأمن بها طريقة عمل منتسبيها، في تغطيتهم الميدانية والمهنية للأحداث، لينجوا من أعين القناصين وقذائف المدافع، ويحتموا من شرّ الملاحقات والاختطاف، ويحافظوا على أجسادهم من التعذيب والانتقام من أعداء الكلمات.

وبما أن الفكرة ارتبطت بحدث سقوط صنعاء؛ فليس ثمة شك في أن هنالك جهة ما سنّت قوانينها الخاصة في التعامل مع مهنة الصحافة ومُريديها، وحوّلتها إلى هدف سهل وخصم أعزل ووحيد يتقاذفه الجميع بطول جغرافيا البلاد المفكّكة، وليس تحاملاً على طرف دون آخر؛ ولكنها الوقائع والدلائل التي لا تزال شاهدة على موسم الحصاد الذي استهدف حقول الصحافة، دون هوادة.

فعند سقوط صنعاء كان الخاسر الأكبر الصحافيون ووسائل الإعلام، على المستويين المادي والمعنوي، بعيداً عن الخسائر النفسية الأخرى التي لا تحصى ولا مجال لذّكرها هنا؛ كونها تتجاوز حدود الضرر الذاتي إلى ما هو عام، من انخفاض التقدير الاجتماعي لقيمة الصحفي اليمني كنتيجة طبيعية لحملات التشويه الممنهج ضده والسرعة العاطفية التي تنقلب بها قناعات المجتمع تجاه الآخرين حد العداء. 

فقد كان من نصيب الصحفيين التحريض المباشر، والمكثّف بشكل غير مسبوق من ترسانة الإعلام الحربي للحوثيين المزود بخبرات إيرانية وتقنيات تكنولوجية أحدث وتمويل مسرف من أموال اليمنيين المنتهبة بالإكراه المسلح، ووجد الصحافيون أنفسهم مبكراً-وما زالوا- أكثر فئات المجتمع قلقاً ورعباً، كونهم هدفاً مؤكداً في مرمى الانتهاكات بشتى أدواتها القمعية، وأنماط الاستباحة الحوثية لحياة الصحفيين وأرواحهم وكرامتهم الإنسانيةِ، وقد تمتد هذه الاستباحة لتشمل أسرهم وأقاربهم ودائرة علاقاتهم الاجتماعية وصداقاتهم الشخصية.

إذ إن الخطاب الذي ألقاه زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي بعد سقوط صنعاء؛ وأعتبر فيه "الصحافيين والإعلاميين والمثقفين بأنهم أخطر من المقاتلين"، شّكل ما يمكن أن نطلق عليه خارطة طريق لتعامل مليشياته مع الصحافيين والإعلاميين من كل التوجهات المناوئة للمشروع الحوثي بشقّيه الفكري والعسكري، وشهدت العاصمة صنعاء مجزرة هي الأكبر والأبشع والأخطر بحق الصحافة اليمنية؛ ما تزال معالمها قائمة حتى اللحظة، تمثلت باعتقال تسعة صُحافيين دفعةً واحدةً من أحد فنادق العاصمة صنعاء.

هذه الخارطة شكّلت فتوى دينية تضمنت محمولات دلالية ذات طابع تكفيري للصحفيين وكان سلوك المليشيا الحوثية العنيف  مع الصحافيين ينطلق من نقطة عقائدية ترى في استباحة حياة الصحفيين وممتلكاتهم فريضة دينية عالية القداسة والوجوب كونها استحابة لفتوى زعيم المليشيا التي زاد من تمسك المليشيا بها والبدء بتنفيذها كونها صدرت في خطاب إعلامي عام لزعيم الطائفة.

بدأت الحرب الحوثية الضارية ضد الصحفيين  وانفرط عقد الحماية والنواميس الدولية والدستورية الكافلة لحرية التعبير والحريات الإعلامية؛ كما اشتد الخناق على شريحة الصحافيين، فباتت الصحافة التي كانت تُلقب بمهنة المتاعب، أقصر الطرق وأقربها إلى الموت والطريق المعبدة إلى المقبرة أو القبو، خصوصاً في مناطق سيطرة جماعة الحوثي المسلحة.

 ليس للصحفيين من سلاح سوى أقلامهم التي كسرها الحوثيون بسيوف الفتوى وفوهات البنادق واضطر عدد من الصحافيين للتخفي والنزوح وترك العمل الصحافي لممارسة أعمال أخرى في مناطق نزوحهم، بعد أن أصابت مليشيا الحوثي القطاع الاعلامي والصحفي في مقتل، ليتوقف كلياً ويغادر دورة الزمن إلى مجاهل النسيان وذكريات الأمس .

 الانتهاكات المتعددة بحق الصحافيين أثرت نفسياً ومعنوياً على عمل الصحافي ومزاولته للمهنة؛ ذلك أن الحريات الإعلامية باليمن في ظل الحرب تكاد تكون منعدمةً تماماً وأيام الصحافة اليمنية تنحدر من  سيئ لأسوأ، والحقيقة المُرّة هي أن واقع الصحافة في بلادنا تجاوز المعايير المأساوية والكارثية، وأضحى تحت كل مؤشرات الخطر وتوقعاته.

ولم يقتصر حجم المأساة الصحافية في ممارسة وتعامل أطراف الصراع مع العمل الصحافي، بل تعدى ذلك إلى المتاجرة بمعاناة الصحافيين الضحايا؛ وتحويل ملفات قضاياهم الإنسانية إلى ورقة للابتزاز السياسي والعسكري، وصولاً إلى رفض إدراجهم في قوائم تبادل صفقات الإفراج عن الأسرى والمعتقلين؛ التي كانت الأمل الأخير لإطلاق سراح المختطفين من السياسيين والطلاب والصحافيين الذين مضى على تغييبهم عن الحياة ما يقارب ستة أعوام في سجون الحوثيين السرية والمعلنة.

ولكن وبحكم واقعي من دائرة تكدّس المعاناة؛ فشقيقي توفيق المنصوري هو أحد الصحافيين التسعة الذين تعتقلهم جماعة الحوثي المسلحة في صنعاء منذ منتصف 2015م؛ وأصدرت مؤخراً أوامر بإعدامه مع ثلاثة من زملائه، وجدت أن ملف المختطفين وفي الواجهة منهم الصحفيون تم تسيّيسه من قِبل جميع الأطراف واستخدامه كورقة للضغط والابتزاز في المقايضات السياسية وصفقات المصالح المتبادلة . 

وسواءً كان استبعادُ الصحفيين من صفقة تبادل الأسرى بالمعتقلين، من طرف جماعة الحوثي المسلحة التي تتعنت وتجاهر بأساليبها الوحشية في ارتكاب الانتهاكات وتوظفها لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية إضافية حتى في أشد الملفات الإنسانيةِ حساسية، أو من طرف الشرعية الذي نستطيع أن نقول إنه يضم فريقاً هش القدرات في نزالات التفاوض ودبلوماسية النباهة السياسيةِ والحقوقية والقانونية، في تعاطيه مع ملف المختطفين والأسرى، فإننا نعول على الضمير الإنساني العالمي والتضامن المحلي يمنياً، في استشعار مرارات الخذلان خلف القضبان، وضرورة الإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحفيين، لإنقاذ الضمير الإنساني نفسه من موت محقق.


 * صحافي وشقيق الصحافي المختطف توفيق المنصوري

رأي

حدوده حيث تقف دباباته

الحوثي خطرٌ، ليس لأنه يطلق المقذوفات على مكّة، بل لأنّه سحق شعباً كاملاً ثم وضع قواعد الصواريخ فوق ركام منازلهم

حدوده-حيث-تقف-دباباته
رأي

معركة استعادة الدولة والبناء

الرهان الحقيقي اليوم هو تحويل صمود الحكومة إلى قوة مؤسسية، وعملية «فجر اليمن» إلى مسار متكامل لاستعادة الدولة، والشراكة مع المملكة العربية السعودية وتحالف دعم الشرعية إلى رافعة سياسية وأمنية واقتصادية تدعم التعافي وإعادة الإعمار.

معركة-استعادة-الدولة-والبناء

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.