مقالات
ألف عام من السيف
تدور حرب قاسية في اليمن على خط واسع يمتد من صعدة في الشمال إلى باب المندب في الجنوب. تريد السلطة اليمنية، بجيشها الكبير وبدعم جماهيري غير مسبوق، استعادة المدن التي يسيطر عليها الحوثيون منذ حوالي عقدين من الزمان، بما في ذلك العاصمة التي سقطت سنة 2014.
على النقيض يرغب الحوثي في الخروج من العزلة التي سقطت فيها دويلته، بيدَ أن الجبهة واسعة، والمعركة ليست واحدة من تلك التي خاضها من قبل. يبدو أفضل تشريح لطبيعة الدولة التي يؤكد الحوثي عليها هو ما قاله محمد العماد، مالك قناة الهوية الحوثية "دولة لها قائد ثورة، تحته رئيس للجمهورية". قائد الثورة هنا هي الترجمة اليمنية للمرشد الأعلى، وهي إشارة لغوية تقول كل شيء عن الطبيعة اللاهوتية للكيان. اللاهوت مكان أعلى من الدولة، التي هي داخل هذه الرؤية مجرد ناسوت دنيء لا يصح للقائد أن يدنس فيها قدمه.
في النموذج الإيراني يعمل رئيس الدولة تحت إشراف موظفين يخدمون المرشد الأعلى. النموذج الحوثي، في دويلته التي بناها، يأخذ بالفعل ذلك الشكل. إذ ينشط عبد الملك الحوثي كمرشد أعلى للبلاد، يصدر تعليماته التقنية والعسكرية عبر قنوات معقدة، ويطل أسبوعياً في حديث متلفز إلى الأمة. المقاليد كلها، من الأمن إلى التعليم، طوع بنانه. كما يتوجب عليه، كإمام زيدي، أن يمارس الإصلاح والثورة الثقافية عبر خطاباته الأسبوعية المطوّلة. الاستماع إلى خطاباته فرض عين على موظفي كل المؤسسات العامة النشطة في دويلته. ثمّة أيضاً رئيس للدولة، يُدعى المشّاط، رجلٌ بلا صفات، يحمل امتيازاً عن سائر الناس بأن جعل منه القائد سكرتيراً له.
تشترط الزيدية، وهي واحدة من أقدم الإيديولوجيات العنصرية، على الحاكم عشرة أمور، يأتي في مطلعها شرط لا يجوز النقاش حوله "أن يكون فاطميّاً". الإمام الفاطمي هذا عليه أن يختلف عن أيّ فاطميّ آخر، أن يكون "مجتهداً مجاهداً". هي ثنائية العلم والسيف، إذ ترى الزيدية أن على الفاطمي المجتهد، سواء أكان من نسل الحسن أو الحسين، أن يدعو لنفسه، أي أن يغادر منطقة إمام العلم ويتوغل في فضاء "إمام الطاعة". لا مكان للاختباء ولا للتقية في الإيديولوجيا الزيدية. مطلع الألفية سخر حسين الحوثي، مؤسس الجماعة، من فكرة الإمام الغائب عند الإثني- عشرية، قال ساخراً "إذا رأيتم المهدي أمسكوه، أخبروه أن حسين الحوثي يريد أن يتحدث إليه". لم يقل أمسكوه، قال "ازقموه"، وهو فعلٌ يعني الشيء نفسه ولكنه أقل احتراماً.
لا تحترم الجهادية الزيدية البكاء والكمون، ولا تنتظر كثيراً. فترات انقطاعها عن الحكم لم تكن لتدومَ كثيراً، سرعان ما كان المجتهد المجاهد يصل إلى قرى ونجوع القبائل شاهراً سيفه. في التاريح اليمني مذابح فاطمية عصية على الحصر.
ضمن عملية "إصلاح ثقافي" بادرت الجماعة إلى تصفية مجالي الثقافة والإعلام، وإعادة هندستهما ليندمجا مع الآلة الدعائية الضخمة للجماعة. في صنعاء يتعيّن على الثقافة، كما الإعلام، الإسهام الفاعل في الترويج لمشروعية "الفاطمي، المجتهد، المجاهد". ذلك الفاطمي الغائب الحاضر يجري ربطه بالنبي مباشرة كما لو أنه ولد بالأمس في منزل النبوّة، وكما لو أن النبوة كانت هناك البارحة.
يختزل الزمان كلّه، وهو زمن سحيق، من خلال آلة لغوية عالية الكثافة والعاطفة. الزيدية فكرة غير أخلاقية، لأنها في جوهرها كتاب حرب. وجدت لها مكاناً في اليمن الأعلى، في الجبال، لدى مجتمع لا يرى في القتال معضلة، وينتظر الشجاعة من قائده.
حتى الظواهر الاجتماعية العادية باتت تخضع لرؤية رأسية تراعي أمراً واحداً في كل البلاد: أن يصب كل شيء في النهر الفاطمي. الزواج، التعليم، الزي، اللهجة، المال، الأعياد، وحتى حرف القاف. أخبرني طبيب من أبناء القبائل عن أمر لفت انتباهه. قال )عندما غادرت عمران في تسعينيات القرن الماضي كان الناس يقولون "على طول" إذا أرادوا التعبير عن الموافقة. عدت في العام الماضي، وجدتهم يقولون "سابر"(. سألَ عن الكلمة، أخبروه أنها جاءت مع القادمين من صعدة. في رواية "جدائل صعدة" تتخوف الشخصية الرئيسية من أن يصير اليمن إلى صعدة كبيرة.
صعدة هنا ليست صعدة اليمنية، بل مدينة الله في التاريخ الزيدي. هناك جلس شيوخ الزيدية وكتبوا أحلامهم، كما طوروا نظريتهم في الجهاد والسيف. في فترات متقطعة من التاريخ برز "مجتهد مجاهد" وغادر أسوار صعدة، بعضهم وصل بنفوذه إلى الحجاز كما حدث مع القاسم. لأن المجاهد هو مجتهد في المقام الأول فإن القتل يصير إلى "رأي فقهي" لا جريمة، لذا فقد دوّن الإماميون جرائهم كما لو أنها نقاش فلسفي داخل المذهب.
ما يفعله الحوثيون الآن ينسجم مع تاريخ طويل من القتال داخل الأراضي اليمنية وفي نطاق القبائل. بين 2013 و2014، قبل اجتياح صنعاء، سقط من القبائل ما يزيد على 15 ألف قتيل، بحسب بيانات محلية. يمنح المجتهد المجاهد ذاته الحق في التدمير بمختلف الوسائل، فالوقوف ضده يعادل الوقوف في وجه الإله، إذ الإمامة تدبيرٌ إلهي أزلي. قال عبد الملك الحوثي في واحدة من خطبه إن الإمامة فكرة سابقة لخلق الكون.
يدور القتال في اليمن منذ عشرة قرون، فبذرة الحرب موجودة، متمثلة في الفاشية الإمامية، تلك التي لا ترى بديلاً للسيف كآلة للوصول إلى الحكم، ولا مشروعية لحاكم لا ينتمي إلى السلالة النقية. البذرة هذه جعلت من الحرب اليمنية مستدامة، بل أزلية.
تشبه الإمامية الزيدية "عَجْب الذّنَب" كما في الحديث المتفق عليه. أي تلك البذرة التي لا تفنى ولا تزول، منها يتخلق الكيان وإليها يبلى. إذا تحلل أو دُحِر عاد وكمَن فيها حتى تتيسّر له الظروف. فإذا تيسّرت خرجَ وحمل السيف.
نقلا عن حساب الكاتب في منصة أكس