مقالات
المرأة في عيد ميلادها العالمي
جرى اعتبار الثامن من مارس (آذار) اليوم العالمي للمرأة، حسب قرار الأمم المتحدة. وسواءٌ كانت البداية في نيويورك عام 1909 بناءً على اقتراح الناشطة تيريز أمالكيل، أو كانت البداية في مارس عام 1945 إثر انعقاد مؤتمر الاتحاد النسائي الديمقراطي، فهو الأساس في هذا الاحتفاء.
المرأة هي فينوس عند اليونان، أو أفروديت عند الرومان، أو عشتار في الهلال الخصيب والعراق، أو عثر في اليمن، وكانت معبودةً للجمال والحب، أو للإغواء، كما في قصة الملكين في القرآن الكريم.
الاحتفال بيوم المرأة العالمي جزءٌ من كفاح البشرية، وكان اليسار الاشتراكي هو البادئ به، شأنه شأن يوم العمال العالمي في الأول من مايو.
قدّمت الميثولوجيا المرأة كمعبودة في العديد من الأمم والشعوب القديمة، وكانت المرأة -ولا تزال- هي الأصل، كما أسّس لها كتاب نوال السعداوي. أمَّا الشيخ محيي الدين ابن عربي، فاعتبر أنَّ كُلَّ شيء لا يُؤنث لا يُعوَّل عليه. فالأنثى لا علاقة لها بضلع آدم الأعوج، حسب كتاب العهد القديم، وآدم الأمس واليوم هو الابن العاق.
جاء الاحتفال بهذا اليوم في العام 2025 كئيبًا حزينًا؛ فالقتلى من النساء مع أطفالهنَّ في غزة يصل إلى ستة عشرَ ألفًا، وهما يمثلان ثلثي قتلى حرب الإبادة في غزة.
أمَّا في السودان، فالقتلى من المدنيين كُثُر، ويبلغون مئات الآلاف، وغالبيتهم من النساء والأطفال. كما تمارس المليشيات وقوات الجيش الاغتصابات على نطاق واسع في مختلف مناطق الاقتتال التي تعم السودان.
يتصاعد نفوذ اليمين المتطرف والتيارات المحافظة والدينية، حتى في أكثر البلدان ديمقراطية، مثل: أمريكا، وأوروبا الاستعمارية. وتقوم هذه القوى بمحاولات التراجع عن الحريات وحقوق المرأة والإنسان بعامة.
في الهند، وهي أكبر ديمقراطية في العالم، تتعرض النساء للاغتصاب والانتقاص من حقوقهنَّ.
الوضع في البلدان الديمقراطية، مع تنامي صعود اليمين المتطرف، يواجه تحدياتٍ خطيرة؛ فغياب العدالة والمساواة، وتفشي العنف والتمييز ضد المرأة، سماتٌ مشتركة في المجتمع الدولي، رغم تفاوتها واختلافها.
من الصحيح صعوبة المقارنة بين وضع المرأة وحقوقها في المجتمعات الأوروبية وأمريكا، وبين وضعها في عالمنا ما بعد الثالث. فالمرأة في مجتمعاتنا العربية ما زالت تُصوَّر على أنَّها مخلوقةٌ من ضلع آدم الأعوج، ولا تزال تُعتبر “عورة” يجب سترها. والثورة القومية، التي عجزت عن حماية السيادة والاستقلال والدفاع عن التراب الوطني، عجزت أيضًا عن تحقيق العدالة والمساواة، وحماية الحريات والحقوق، وبالأخص حقوق المرأة. فلا تزال المرأة -رغم المكاسب النسبية التي حققتها في مجتمعاتنا- تُعتبر ناقصة عقل ودين، بحسب الموروثات الشعبية، والقيم والتقاليد البالية.
الباحثة فاطمة المرنيسي، في كتابها الخوف من الحداثة.. الإسلام والديمقراطية، تربط بذكاء بين حجاب الخليفة وحجاب المرأة (الآلهة): اللات، والعزى، ومناة الثالثة.
وتتساءل: أيمكن أن يكون ذلك الجهل إلا تعويذةً ضد كل ما لا نستطيع تقبله؟ ذلك العنف الفج العاري في المدينة، والمشدود ضمن ذلك الماضي الذي لم يُدفَن جيدًا، حيث الآلهة التي كانت تُسيطر في الكعبة؟
فالآلهة العربية لم تكن على شيء من الأمومة، ولم يكن حضنها سوى بِرْكة من الدم، ولم تكن مدينتها المقدسة إلا حقلًا واسعًا من الجرائم والمظالم، التي لم تتوصل الطقوس أو القرابين إلى إيقافها. (الخوف من الحداثة، ص 147 و148، بتصرف).
إشارة الأمم المتحدة إلى أنَّ الاحتفال بهذا العام لحظةٌ محورية، لتزامنه مع الذكرى الثلاثين لإعلان بكين، وهو الإعلان الذي يُعتبر أهم وثيقة عالمية تدعم وتؤيد حرية المرأة ومساواتها وحقوقها الإنسانية. كما تقوم منظمة العفو الدولية بتكرار الدعوة إلى ضرورة الاعتراف بالفصل العنصري بين الجنسين بموجب القانون الدولي، واعتبار ذلك جريمةً ضد الإنسانية.
تقرير لجنة التحقيق في جرائم الإبادة الجماعية، قبل يومين، يؤكد وجود اغتصاب واسع وممنهج ومتشابه، بحيث لا يمكن أن تكون هذه الجرائم فردية أو غير موجَّه بها من قيادات ضد فلسطينيي غزة والضفة الغربية. وهي جرائم يرتكبها الجيش الإسرائيلي والأمن والمستوطنون، وهو نهجٌ متعمَّد ومُمارَس منذ السابع من أكتوبر وحتى قبلها، تحت أعين الأمن. وتشمل هذه الممارسات القامعة النساءَ والرجالَ والأطفال الفلسطينيين، بهدف إضعاف الهوية الفلسطينية، والإهانة والمسّ بالكرامة، وتقليص عملية الإنجاب.
يُعتبر هذا الفعل إبادةً جماعية، وفق التقرير الأممي، واستخدامًا ممنهجًا للعنف الجنسي والإنجابي، إلى جانب أشكال أخرى من العنف القائم على النوع، مما لا يمكن أن يحتمله بشر.
حرب الإبادة مستمرة، والتدمير الشامل والممنهج يصبُّ في خانة تقويض حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وتمتد حرب الإبادة إلى مرافق الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية.
وحسنًا فعل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بدراسة تراجع وضع المرأة في اليمن، وتقليص الحيز السياسي والاجتماعي لها، في ظل استمرار الممارسات القامعة ضدها، وهي ممارساتٌ تعمّ اليمن كله، بحيث يصعب التمييز بين منطقة وأخرى.
أشار التقرير، الذي شاركت فيه بلقيس اللهبي، ومريم مجاهد، ولارا أولينهاوت، إلى الاعتقالات الكيفية المروِّعة منذ يوليو الماضي ضد عاملين وعاملات في منظمات المجتمع المدني. كما استهدفت الاعتقالات العديد من الناشطات في مجال السلام، ويشير إلى أنَّ بعض النساء يرزحنَ في السجون السعودية بمعزلٍ عن العالم، في ظروف سيئة.
كما يُشير إلى دور الخلافات والاستقطابات في الفصائل المختلفة، في مناطق سيطرة الحكومة، في تقويض حقوق المرأة. وأدَّى ذلك إلى استخدام المرأة كأداةٍ لممارسة القمع ضد بنات جنسها، وامتدت المضايقات إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تتزايد حالات التحريض والابتزاز والتهديد والتشهير عبر الإنترنت. وتتناول الباحثات وضع المرأة والانتهاكات بالتفصيل في مبحثهن المهم.
يتخذ الاحتفال عالميًّا بهذا اليوم العظيم طابعًا ثقافيًّا واجتماعيًّا، والأهم هو دراسة أوضاع المرأة الشاملة، وما تحقق وما لم يتحقق في مطالب النوع الاجتماعي، وقضايا التمييز، والانتهاكات، والفصل العنصري.
ويقينًا، فإنَّ وضع المرأة الفلسطينية هو الأخطر على الإطلاق؛ فهي مُعرَّضةٌ للإبادة، وإهانة الكرامة، والتهجير، والإصابة بالعقم، لحرمانها من الإنجاب. وصحيحٌ أيضًا أنَّ وضع المرأة العربية مُزرٍ، وفي اليمن “غير السعيد” أكثر إزراءً.
تصاعد نفوذ اليمين المحافظ والعنصري، وانتشار الحروب والصراعات والمجاعات والأزمات الاقتصادية، كلها عوامل تدفع إلى مزيدٍ من التضييق على الديمقراطية، وقمع الحريات، وعدم احترام حقوق الإنسان، وتكون المرأة دومًا هي الضحية الأولى.