مقالات

خطاب الشرعية ومشروع الحسم

31/07/2026, 09:21:51
بقلم : يزن زياد

لم تعد الأزمة اليمنية تحتمل القراءة التقليدية التي تضعها في خانة الصراع المفتوح أو الحرب المتعثرة فقط. لماذا؟ لأن المشهد اليوم أعمق من ذلك بكثير، فنحن كشعب وقيادات أمام لحظة تاريخية تتقاطع فيها السياسة مع الأمن الذي يجب، والاقتصاد مع الشرعية المفككة، والجغرافيا الملعونة مع الإقليم الطامع والتائه، بحيث يصبح أي حديث عن الاستقرار أو السلام أو الاستعادة الوطنية حديث ناقص ما لم ينطلق من إدراك أن الدولة نفسها هي موضوع المعركة، وليست مجرد طرف فيها.

لهذا تكتسب الرسائل السياسية العليا - مثل تلك التي أعادت توصيف المرحلة باعتبارها مواجهة مع مشروع انقلابي حوثي ممتد- قيمة تتجاوز المجاملة الخطابية أو التأييد البروتوكولي، فهي تفتح الباب أمام سؤال أكبر. كيف تنتقل الشرعية من موقع الدفاع عن نفسها إلى موقع المبادرة؟ وكيف تنتقل ومن خطاب التماسك المعنوي إلى بناء ميزان قوة فعلي؟ وكيف يمكن تحويل استعادة الدولة من شعار جامع إلى مشروع استراتيجي له أدواته، ومراحله، ومؤشراته، وتحالفاته؟
 
-المكاشفة والوهم

يمكن القول إن أحد أخطاء القراءة السطحية للمشهد اليمني أنها تتحدث عن “الشرعية” و“الجبهة الداخلية” وكأنهما كتلة واحدة متجانسة! بينما الواقع أكثر تعقيد. فالمعسكر المناهض للحوثيين ليس بنيانا صلبا، بل فسيفساء سياسية وعسكرية وإدارية تضم تباينات عميقة في الرؤية والأولوية والموقع والمصلحة، من مجلس القيادة الرئاسي إلى المجلس الانتقالي، ومن القوات المشتركة إلى الأحزاب التاريخية، وصولاً بالسلطات المحلية وتعدد مراكز النفوذ في كل منطقة ووادي.
هذه الحقيقة لا ينبغي أن تُدار بلغة الإنكار أو التأجيل أو القفز، بل بلغة المكاشفة السياسية. فالمشكلة ليست في وجود التعدد، بل في عجز هذا التعدد عن التحول إلى إدارة موحدة للقرار، لذلك فإن أول شرط لأي مشروع وطني جاد هو الانتقال من “دعوة التوحد” إلى هندسة التوحد، أي بناء آلية سياسية وعسكرية وأمنية تضبط التباينات داخل إطار واضح، وتمنعها من التحول إلى شلل استراتيجي.
وهنا تبرز الحاجة إلى قيادة عملياتية مشتركة أو على الأقل غرفة تنسيق سيادي ذات صلاحيات محددة وواضحة وقيادة حازمة صارمة تمتلك ما يكفي من الخيال الاستراتيجي. تدار فيها الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية بما يحد من الازدواجية ويمنع تضارب القرار السياسي بين مسميات ما أقر بها الوطن ولا وضع لها سلطان. فالمعركة ضد الانقلاب لا يمكن كسبها بتراكم التصريحات وبلاغة الخطاب، بل بإعادة تنظيم الدولة نفسها من الداخل في عدن وحضرموت ومأرب والمخا وتعز، بحيث تصبح قادرة على اتخاذ قرار موحد وتنفيذه ومراجعة أثره بجدية ومسؤولية.
 
 -الخصم ليس كتلة صلبة 

كما أن معسكر الشرعية ليس متماسكًا بالكامل فإن الطرف الآخر ليس أقوى مما يبدو في خطابه التعبوي، فالمشروع الحوثي رغم ما يبدو عليه من انضباط أمني وقدرة على فرض الإيقاع ظاهرياً وأمام الشاشات يعاني هو الآخر من انكشافات عميقة على كل المستويات، فهو يواجه انكشاف اقتصادي واحتقان اجتماعي واعتمادية سياسية على الخارج، وتآكل متدرج في شرعيته داخل البيئة التي يسيطر عليها والأنصار أو الاتباع الذين يؤمنون به.
هذه النقطة جوهرية، لأن أي استراتيجية وطنية ناجحة لا تكتفي بوصف الخصم بأنه “انقلابي” أو “مهدد” فحسب، بل تفهم مكامن ضعفه وتحوّلها إلى فرصة سياسية، فالأزمات الاقتصادية الطاحنة في مناطق سيطرته وضغط الجبايات وتضخم القبضة الأمنية وعتوها، وتراجع قدرتها على الإقناع الأيديولوجي كما كان في ٢٠١٣ حتى 2017، تعد عناصر يمكن توظيفها لبناء خطاب وطني مضاد أكثر تأثيرا يربط بين استعادة الدولة وبين إنقاذ المجتمع من منظومة الاستنزاف المستمر يُوجه إلى اليمنيين في مناطق الحوثيين.
فالخصم في نهاية المطاف لا يواجه الدولة فقط، بل يواجه أيضا حاجات الناس اليومية، ووعيهم المتنامي بكلفة الحرب وعبثتيها، ووهن مبرراتها، وتعبهم من القهر وقلقهم من المستقبل. وبالتالي فإن بناء كتلة شعبية حيوية حول مشروع الدولة لن ينجح بالوعظ السياسي، بل بإظهار أن الدولة رغم ضعفها ما تزال الأفق الأكثر عقلانية للخلاص من الانهيار، وإن كانت رماد.
 
 -الاقتصاد ساحة حسم

إن أكثر ما يحتاج إلى تصحيح في الخطاب العام للشرعية هو التعامل مع الاقتصاد كملف خدمي أو واجب أخلاقي لتخفيف المعاناة، بينما الحقيقة أنه أحد أهم ميادين الصراع الاستراتيجي. فالحرب في بلادنا ليست فقط حرب سلاح، بل حرب موارد وحرب شرعية مالية وحرب على القدرة على تمويل السلطة وإدامة النفوذ.

لهذا فإن أي حديث جدي عن استعادة الدولة يجب أن يضع في مركزه سؤالا واضحا مفاده كيف تتحول الموارد الوطنية إلى طريقة لاستعادة التوازن، لا مجرد بند إداري؟ وكيف تُستخدم عوائد النفط والموانئ والمنافذ والضرائب والبنك المركزي من أجل خلق استقرار نقدي في المناطق المحررة وتحسين الثقة بالعملة وتخفيف العبء عن المواطنين وفي الوقت نفسه تقليص قدرة الخصم على تمويل بنيته العسكرية والإدارية؟
هذه ليست مسألة تقنية. إنها خيار سياسي، فحين تنجح الدولة في إحكام إدارة مواردها، فإنها لا تحسّن فقط أوضاع الناس، بل تبني في نفس الوقت معناها السيادي في الوعي العام وأمام نفسها. فعندما يشعر المواطن في المناطق المحررة أن رواتبه وخدماته وحركته المالية أكثر، فإن ذلك لا يمنحه فائدة معيشية فحسب، بل يرسل رسالة سياسية تقول إن الدولة حين تمتلك أدواتها قادرة على أن تكون أكثر كفاءة من الفوضى.


يعد الاقتصاد سلاحا ناعما لكنه حاسم، ومن الخطأ التعامل معه بوصفه معطى هامشي على مجريات الحرب. إنه في الحقيقة أحد شروط الحسم، لأن التجارب علمتنا أن الدول المنهارة لأي سبب لا تستعيد حضورها السياسي من دون قاعدة مالية مستقرة، ولا أن تكسب ولاء المجتمع من دون أثر اقتصادي ملموس وسريع.
 
-من متلقٍ إلى شريك ضرورة

في البعد الإقليمي والدولي، ينبغي على الرئيس العليمي وحكومته إعادة صوغ موقع الشرعية نفسها، فالمشكلة ليست فقط في أن العالم يدعم اليمن، بل في أن هذا الدعم غالباً ما يُنظر إليه كمساعدة لدولة ضعيفة، لا استثماراً في بلد يعد شريكا أمنيا ضروريا، وهذا هو مربط الفرص في هذه النقطة بالتحديد، وبه يبدأ التحول الاستراتيجي الحقيقي في نظرة العالم لنا ونظرتنا له. فاليمن بحكم موقعه ليس هامشاً جغرافياً، إنه في حقيقته عقدة أمنية تمس البحر الأحمر وباب المندب والممرات التجارية وتوازنات مكافحة الإرهاب واستقرار الإقليم كله. ومعنى ذلك أن استعادة الدولة اليمنية ليست مطلباً لليمنين فقط، كما انه ليس يخصهم وحدهم، بل مصلحة مباشرة للفاعلين والدوليين، وفي مقدمتهم السعودية، وقطر ومصر، والولايات المتحدة، وتركيا، والصين. لكن لتحويل هذه الحقيقة إلى نفوذ سياسي تحتاج الشرعية إلى خطاب مختلف يقدّم الشرعية شريكا أمنيا موثوقا قادر على حماية المصالح المشتركة لا مجرد طرف يحتاج إلى الدعم والمساندة على خلاف ما كان عليه سياسات نظام علي عبد الله صالح قبل ٢٠١١ الانتهازية، وتوظيف التهديدات الامنية العابرة للحدود لملف ابتزاز ذهبي.


هذا بالضرورة يعني أن أدوات الضغط الدبلوماسي لا يجب أن تقتصر على طلب الدعم العام من الشركاء الدوليين والاقليميين والمنظمات الأممية والعربية، بل على طلب دعم نوعي ومحدد، كطلب دعم عسكري أكثر فاعلية من حيث التدريب والتخطيط والسلاح النوعي، والحصول على منظومة طيران مقاتل ومسير، وأنظمة دفاع جوي فعالة، وقوات مدرعة حديثة، ودعم معلوماتي واستخباراتي موثوق ودقيق، ودعم اقتصادي مشروط ببناء المؤسسات ومكافحة الفساد، ودعم فني لتعزيز إدارة الموارد لتصب في وعاء واحد، وكذا دعم سياسي يربط أي تسوية بمبدأ استعادة الدولة لا بمبدأ إدارة الانقسام أو إدارة الحرب، فالدبلوماسية الناجحة ليست تلك التي تطلب التعاطف، بل التي تجعل الآخرين يدركون أن استقرار اليمن جزء من استقرارهم بدرجة رئيسة. 
 
 -ما الذي ينبغي فعله 

المعركة الوجودية كمعركتنا هذه، لا تُخاض بجرعة واحدة ثم تعود إلى بيات طويل، كما أنها لا تُدار بالأمنيات والأحلام من الاسرة المريحة والقاعات الفخمة، لذا فإن أفضل طريقة لقراءة الوضع - من وجهة نظري- هي تقسيمه إلى ثلاث مراحل: ففي المرحلة العاجلة التي تستغرق ستة أشهر، تكون الأولوية لتوحيد الإيرادات، وضبط القرار الأمني والعسكري، وتقليل الازدواجية المؤسسية، وخلق مؤشرات أولية على جدية الدولة في إدارة مواردها وحضورها. في هذه المرحلة تحديداً وخاصة بعد خطاب الرئيس رشاد العليمي لا ينبغي الاكتفاء بالقول إن الدولة موجودة؛ يجب أن يراها الناس وهي تمارس حضورها من خلال الراتب والخدمة والانضباط والقرار الموحد.

وفي المرحلة المتوسطة التي تمتد لمدة عام، تبدأ ببناء التوافق الوطني الأوسع عبر مؤتمر أو مجلس استشاري أو إطار حوار مؤسسي يجمّع الفاعلين الوطنيين رجالا ونساءً وشباب حول رؤية مشتركة، لا حول مجاملة سياسية اعتدناها. وفي هذه المرحلة يكون المطلوب أو المتوقع إحداث فرق ملموس في الخدمات والمعيشة والبيئة النقدية لأن أي تعبئة سياسية لا تسندها نتائج يومية ستظل محدودة الأثر.

أما المرحلة الاستراتيجية "إن جاز التعبير"، فهي تلك التي تنتقل فيها الدولة من مجرد إدارة التوازنات إلى فرض السلام على أساس قوة مكتسبة أو حسم المعركة وفق شروط سياسية وعسكرية أكثر نضجا. وفي هذه المرحلة يصبح العامل الحاسم هو مدى قدرة الدولة على أن تُقنع الداخل والخارج بشكل عام بأنها ليست حالة مؤقتة، أو حالة شعورية تنتهي بعد فترة قصيرة من الزمن، بل مشروع استعادة قابل للحياة.

وبناءً على ما ورد آنفاً، فإن اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من العبارات التي تؤكد أنه يمر بأزمة. فذلك بات معلوما ومكروراً، فما يحتاجه فعلاً هو تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة تعريف الدولة نفسها، كيف تُدار؟ ومن يملك القرار؟ وكيف تُجمع الموارد؟ كيف يُبنى التحالف؟ وكيف يُترجم الصمود إلى سيادة؟ وما هي صلاحيات الرئيس؟

وبالتالي، فإن الرسالة الأعمق في اللحظة اليمنية ليست أن الحرب طويلة، بل إن الدولة إذا لم تُهندس من الداخل وتُدعم من الخارج وتفعَّل اقتصاديا ومجتمعيا، ستبقى عرضة للاستنزاف كما سبق على مدى ١٣ سنة. أما إذا أُحسن بناء القرار وتنظيم التعدد واستثمار نقاط ضعف الخصم، وتوظيف الاقتصاد كرافعة وتثبيت البعد الإقليمي كعنصر قوة فإن استعادة الدولة ستتحول من فكرة دفاعية إلى مشروع حسم استراتيجي.
وعندها فقط يمكن لليمن أن ينتقل من سؤال “كيف ننجو” إلى سؤال أكبر وأصعب وأجمل “كيف نبني دولة تستحق البقاء".

مقالات

هل هي رسائل ردع أم بداية حرب؟

أحيانًا لا يكون الحدث هو ما يستحق القراءة، بل ما يكشفه من تحولات كانت تنمو بصمت منذ سنوات. فالتاريخ لا يتغير دائمًا بالانفجارات الكبرى، بل قد يتغير بضربة محدودة، تكشف أن مرحلة كاملة قد انتهت، وأن مرحلة أخرى بدأت تتشكل.

مقالات

الحكومة وفضيحة الابتعاث

تفجرت منذ أيام قنبلة فضيحة مالية وإدارية ما تزال شظاياها تتناثر في المجتمع اليمني، وأحدثت ضجة وتفاعلًا كبيرين، لا يقلان عما أثاره استعداد حماس للمعركة إثر التصعيد الأخير. وما زالت تفاعلات هذه الفضيحة تتوسع، وتغطي صفحات فيسبوك، مع وعود بنشر وثائق جديدة، ومع هذا لا يوجد أي تعليق واحد من هذه الحكومة.

مقالات

الخليج تحت الضغط: كيف حوّلت إيران فجوات الإقليم إلى طوق حول السعودية؟

كشفت حرب 2026 قدرة طهران على إحداث أذى واسع بأدوات محدودة الكلفة، مستفيدة من تركز المصالح والمنشآت الحيوية الخليجية في نطاقات ضيقة، واعتماد اقتصادات المنطقة على استمرار الطاقة والملاحة والتجارة من دون اضطراب. ويمثل الأمن والاستقرار رأسمالًا رئيسيًا لدول الخليج؛ فأي اهتزاز في صورتهما ينعكس سريعًا على الأسواق والتأمين والاستثمار والعمالة الأجنبية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.