مقالات
سقوط المخا... أسئلة تبحث عن إجابة
هل تكفي صدمة سقوط المخا لإيقاظ مختلف القوى اليمنية، شمالًا وجنوبًا، من إصلاحيين وسلفيين وانفصاليين وغيرهم، وإدراك حجم المخاطر المحيطة بهم؟
سقوط المخا ليس مجرد سقوط مدينة؛ فالمخا تحولت إلى كتلة عسكرية استثنائية منذ 2018، وكان لدى القوات الوقت الكافي لبناء التحصينات اللازمة، وإنشاء منظومة عسكرية متكاملة ومتنوعة. ومع ذلك سقطت.
يجب تسمية الأشياء بأسمائها وبشكل بسيط، لأن ذلك يمنحها المصداقية اللازمة. حقق الحوثي انتصارًا، وتعرضت القوى المناهضة له لهزيمة في هذه المنطقة، ولهذا يجب أن يُدرس الانتصار بشكل موضوعي، كما يجب أن تُدرس الهزيمة بشكل موضوعي.
لماذا انتصر الحوثي؟ هل كان السبب قدرته على فتح جبهات متعددة وتشكيل ضغط في كل مكان؟ هل كان بسبب اعادة ترويع قواته في ظل خمول بعض الجبهات ؟ وهل كان لتجارب المواجهات السابقة أثر كبير في تحديد قدراته العسكرية وقدرات القوى المناهضة له؟ وهل استفاد من نقاط الضعف الموجودة لدى خصومه؟ هل لخروج الإمارات تأثير؟
وهل كان لاستخدام الدعاية ووسائل الاتصال التي يملكها أو يهيمن عليها دور في تحقيق هذا الانتصار؟ وهل استطاع من خلالها التأثير على معنويات الخصوم والسكان وتوجيه صورة المعركة لصالحه؟
هذه الأسئلة وغيرها يجب أن تُدرس بهدوء وموضوعية، بعيدًا عن التبرير أو التشفي، لأن فهم أسباب الانتصار والهزيمة هو الطريق الوحيد لاستخلاص الدروس الحقيقية.
البعض من مختلف تكوينات الحكومة يرى أنه أكثر تحصينًا، وأنه الأقوى، أو يرى أنه بعيد عن الخطر وأنه غير معني بما حدث. لكنه لا يستوعب أن فهم هذا السقوط المدوي لا يحتاج إلى لغة التبرير، وإنما يحتاج إلى لغة الأرقام، لأنها الوحيدة القادرة على تفسير ما جرى، حتى تأخذ القوى المختلفة عِبرتها وتستعد للمرحلة القادمة، التي لن تستثني أحدًا.
كان هناك عتاد هائل، وقوة بشرية كبيرة، وجنود مدربون خلال سنوات، ومنظومات اتصالات عسكرية خاصة بها، وربما كانت من أوائل القوات التي استخدمت الطائرات المسيّرة، كما استخدمت المدفعية الحديثة بشكل مكثف، وأبدت شراسة كبيرة. وقدمت تضحيات كبيرة. ومع ذلك سقطت المخا.
لماذا حدث ذلك؟ هذا هو السؤال الأهم.
يجب البحث في كل تفصيل تقني لهذه الصدمة، حتى يمكن إعادة بناء منظومة عسكرية حقيقية قادرة على الانتقال من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم.
لا تكفي العزاءات ولا التشفي.
التقرير التقني الدقيق هو ما نحتاج إليه في هذه اللحظة؛ سواء في طريقة توزيع القوات والأعداد، أو طريقة بناء المتارس الدفاعية، أو استخدام أدوات الاتصالات العسكرية، أو طبيعة التواصل بين الجنود في الخطوط الأمامية وارتباطهم بشبكات التواصل، أو في توزيع الغذاء والسلاح وتخزينهما، أو توزيع المواد الطبية والإسعاف.
كذلك يجب دراسة طريقة رسم الخطط العسكرية: ما الجهات التي كانت أقوى؟ وما الجهات التي كانت أضعف؟ ولماذا؟ هل كان السبب نقص الكفاءة؟ وهل كان للعامل الديمغرافي دور؟ وهل كان للصراعات البينية دور؟ وماذا عن تماسك الوحدة العسكرية؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن يبحث فيها أي تقرير تقني جاد، حتى يمكن استخلاص الدروس والاستفادة منها.
حتى الاختراقات والخيانة لها تفسير منطقي: طريقة التجنيد، عدم فحص دوري للجنود، مناطق الاستقدام، توزيع الجنود داخل الوحدات، ارتباط الجنود بمصالح داخل مناطق الحوثي.
وقبل كل ذلك، يجب أن تخضع هذه التجربة لتحليل عسكري واجتماعي وسياسي صارم؛ يبدأ من بنية السلطة وهرميتها في المخا ، وتوزيع المناصب الحساسة، وتوزيع مراكز القوة الحقيقية داخل المنطقة العسكرية.
يجب أن نعرف: لمن كانت هذه المراكز؟ هل وكيف حدث الاستحواذ أو الاحتكار؟ وما أثر ذلك على الجنود القادمين من مناطق متعددة؟ وكيف تشكلت الأجنحة داخل المؤسسة العسكرية، وما حجم التباين بينها؟ وكيف قادت الصراعات الأولية والتكوينات المختلفة إلى ما حدث في هذه اللحظة؟
من هي الجماعة التي ظلت تشعر بالتهميش أو المظلومية؟ ومن هي الجهة التي حصلت على أكبر قدر من النفوذ والسيطرة؟
يجب البحث عن كل ذلك بشفافية مطلقة، بما في ذلك طريقة تعامل المنظومة العسكرية والأمنية مع مواطني المنطقة، ومدى التزامها بالقانون، وما إذا كانت هناك مخالفات أو انتهاكات للحقوق، وما أثر هذه الممارسات على العلاقة بين السكان والقوات الموجودة على الأرض.
فلا يمكن فهم أسباب السقوط من خلال الجانب العسكري وحده؛ بل يجب فهم البنية السياسية والاجتماعية والأمنية التي سبقت ذلك، وكيف تراكمت الاختلالات حتى وصلت المنظومة إلى هذه النتيجة.
نقلا عن صفحة الكاتب في الفيسبوك