مقالات
سلطة في الغياب.. المجلس الرئاسي.. أربع سنوات من فراغ القيادة
بعد أربع سنوات على تأسيسه، لم ينجز مجلس القيادة الرئاسي ما قام لأجله. لم تكن مهمته أن يجلس على طاولة التفاوض مع جماعةٍ انقلبت على الدولة بالسلاح، بل أن يستعيد الدولة التي انقلبت عليها: سلطةً تفرض الأمن، وتوحّد السلاح والقرار في يدٍ واحدة، وتُنهي الانقسام السياسي وفوضى المرجعيات، وتعيد بناء جيشٍ وطني وأجهزة أمنٍ تدين للدولة لا للأشخاص، وتستعيد هيبة القضاء وسيادة القانون. هذه هي المهمة التي أعلنها رشاد العليمي نفسه عند التأسيس: استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، والتعاطي الجاد مع جهود السلام جنبًا إلى جنب مع خيار الردع. أما التسوية التي يتذرّع بها كثيرون لتبرير العجز، فلا تُنتزع من جماعةٍ انقلابية إلا بدولةٍ قائمة تفرض شروطها؛ فمن لا يملك قوة الدولة لا يفاوض من موقع الشرعية، بل يُفاوَض على مصيره.
غير أن ما أُريد للمجلس أن يكونه شيءٌ آخر تمامًا. فالرياض وأبوظبي لم تدفعا لتأسيسه كي يستعيد الدولة، بل لإزاحة هادي وإزالة أي صوتٍ مُمانع في رأس الهرم يعترض خططهما ومصالحهما في اليمن. وأرادتا منه، إلى ذلك، إعادة دمج المليشيات التابعة لهما — وفي مقدّمتها قوات طارق صالح والمجلس الانتقالي الجنوبي — في جسد الدولة، وغسل سمعتها بإلباسها ثوب الشرعية. لم يكن الهدف استعادة الدولة، بل إدارة تفكّكها وتقاسم ما تبقّى منها؛ وهو ما عمل عليه الانتقالي وطارق صالح بدعمٍ إماراتي، سعيًا إلى تجزئة اليمن لا إلى لمّ شمله. هكذا وُلد المجلس محكومًا بتناقضٍ في غرضه: مهمةٌ معلنة هي استعادة الدولة، وغرضٌ خفيٌّ هو تذويبها.
وعلى الأرض، سار المجلس في الاتجاه المعاكس. تعدّدت مراكز القرار بدل أن تتوحّد، وبقي السلاح موزّعًا على مكوّناتٍ متنافسة، وتحوّلت مؤسسات الدولة إلى حصصٍ تُقتسم لا إلى أدواتٍ تُدار. ولم يقدّم نموذج الدولة الذي يقنع اليمني بأن العيش تحت سلطته أجدر من العيش تحت سلطة المليشيا، فبقي العجز عن الحكم — لا الحرب وحدها — هو ما يأكل شرعيته يومًا بعد يوم.
ولد المجلس في أبريل 2022 بضغطٍ سعودي إماراتي أزاح الرئيس الراحل عبد ربه منصور هادي وسلبه صلاحياته، فجُمعت فيه ثماني شخصيات متنازعة لتتقاسم ما تبقّى من شرعية الدولة تحت رعايةٍ خارجية محكومة بتناقض الأهداف والمصالح. ومنذ ذلك اليوم أدار خلافاته أكثر مما أدار البلاد: فوّض أخطر صلاحياته إلى الخارج، وبقي في الظل لا يمثّل الناس ولا يحكم باسمهم، وانشغل بترتيب أوضاع أعضائه وأقاربهم وتوزيع الحصص بينهم.
الفارق بين مجلس العليمي وهادي أنه استبدل عجز الفرد بعجز الجماعة. هادي كان رئاسةً واحدة بصلاحياتٍ واضحة وسيادةٍ اسمية؛ أما المجلس فوزّع تلك السيادة على مكوّناتٍ مسلّحة متنازعة، فصار رأس الدولة صورةً مصغّرة لتفكّكها — يحمل اسم القيادة من دون أدواتها.
مجلسٌ يدير خلافاته
جُمع في المجلس من يملكون السلاح — في مأرب وتعز والساحل الغربي وألوية العمالقة والمجلس الانتقالي الجنوبي والكتلة السلفية — على تنافرٍ لم يسبقه تمهيدٌ ولا قاعدة تحالفٍ صلبة. والأخطر أن التركيبة سوّت بين من قاوم الانقلاب الحوثي منذ يومه الأول في مأرب وتعز ودفع ثمن ذلك، وبين من تواطأ مع الانقلاب، ومن انقلب على الشرعية نفسها في عدن. مقعدٌ واحد للجميع، بصرف النظر عن الموقف من الدولة التي يُفترض أنهم يمثّلونها. راهن واضعو التركيبة على أن إدخال أصحاب القوة إلى رأس السلطة يضمن انضباطهم وأدوارهم، ويغلق باب تكرار تجربة هادي في التمسك بما تبقّى له من صلاحيات. لكنّ التنافر الذي قام عليه المجلس صار هو نفسه ثغرته: نفذت منه أبوظبي إلى داخله، واقتسمت مع الرياض أعضاءه على ما يقارب المناصفة، فصار الصراع السعودي الإماراتي يدور بالوكالة داخل قلب السلطة، قبل أن يخرج إلى العلن مباشرةً مطلع 2026. ومن يومها رأى كل عضوٍ في مقعده حصةً يحرسها لا مسؤوليةً يحملها، واحتفظ من يملك قوةً مستقلة بقوته خارج أي قيادة موحدة.
انفجر هذا في مطلع 2026. بعد أن بسطت قوات المجلس الانتقالي سيطرتها على حضرموت والمهرة أواخر 2025، تدخّلت السعودية ميدانيًا، ثم وجّهت الرياض دعواتٍ لأقطاب الأزمة لزيارتها. أذعن طارق صالح والمحرمي، أما الزبيدي فوافق على الحضور ثم تراجع وغادر عدن إلى جهة مجهولة. وعلى إثر ذلك صدر قرارٌ بإسقاط عضويته وإحالته إلى النيابة العامة بتهمة الخيانة العظمى، تلاه إسقاط عضوية البحسني بتهمة التمرد والإخلال بالمسؤولية الجماعية، وتعيين محمود الصبيحي وسالم الخنبشي بدلًا منهما، فيما أعلن أعضاء المجلس الانتقالي من الرياض حلّ مجلسهم.
غير أن إعلان نقل السلطة الذي وُلد منه المجلس — القرار رقم 9 لسنة 2022 المستند إلى الدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية — ركّز صلاحياتٍ حصرية في يد رئيس المجلس، وجمع الثمانية بالتوافق تحت الرعاية الإقليمية، لكنه لم يرسم آليةً لإسقاط عضوٍ قائم أو إحالته إلى القضاء. لذلك استند قرارا الإسقاط إلى ما هو خارج النص المؤسِّس: قوانين جزائية وعسكرية سابقة، وقرارٌ للمجلس من 2023 — حتى وصف البحسني القرار بأنه باطلٌ دستوريًا وانقلابٌ على الأسس التوافقية التي قام عليها المجلس. لم تكن تلك إعادة بناءٍ لمؤسسةٍ متماسكة، بل إعادة ترتيبٍ لموازين القوى، كشفت أن عضوية المجلس نفسها رهنٌ بما يقرّره الراعي لا بما ينصّ عليه تأسيسه.
والحقيقة أن المجلس لم يواجه عيدروس الزبيدي بوصفه جسمًا واحدًا في مواجهة عضوٍ متمرّد. فالعليمي وغالبية الأعضاء تواطؤوا بدرجاتٍ متفاوتة مع ما جرى في حضرموت، تحت ذريعة «إعادة التموضع» كما سمّاها طارق صالح، أو ذريعة إخراج قوات حزب الإصلاح كما قالت رواية عيدروس المسنودة بالمسيّرات الإماراتية. القرار الحاسم بالإقالة والموقف من عيدروس ومن خلفه الإمارات جاء سعوديًا، حسم الأمر من فوق المجلس بعد أن عجز أعضاؤه عن حسمه — أو تواطؤوا في تأجيله.
ثم عاد العليمي إلى صمته في الرياض، متّكلًا على اللجنة السعودية في تسيير عدن وإدارة المواجهة مع الانتقالي ومن خلفه الإمارات. انتهت المواجهة إلى حلّ الانتقالي دون أن تُمكّن الرئاسي، ولم تفتح بابًا لعملٍ مؤسّسي أو سياسي جاد. والخلل أعمق من أن يعالج نفسه، أو يُترك لرغبةٍ سعودية لا يسندها فعلٌ ميداني من الرئاسي أو الحكومة — هذا إن لم تكن تلك الرغبة نفسها فعلًا سعوديًا مقصودًا لتعطيل الشرعية، تمهيدًا لإدخالها في مسارٍ تفاوضي مع مليشيا الحوثي يضمن للحوثيين موقع الأقوى.
الوصاية وتفويض الصلاحيات
لم يبقَ سفير السعودية محمد آل جابر ممثلًا دبلوماسيًا، بل صار الحَكَم في خلافات السلطة الشرعية، يتحكم بمجلس القيادة والحكومة والتعيينات: فيقرر من يبقى في منصبه ومن يرحل، ويتدخل في الأزمات بين الأعضاء، ويفاوض الحوثيين في صنعاء. وتمتد يده إلى المال أيضًا: يوجّه أين تذهب المساعدات وكيف تُصرف المخصصات. يتعامل معه مجلس القيادة وقيادات الشرعية بوصفه وصيًّا لا سفيرًا، حتى قدّم نفسه مهندس التسوية في اليمن وصاحب القرار الأول.
ليست هذه مبالغةً في وصف نفوذ رجل، بل كشفٌ لهشاشة الشرعية نفسها. فقد منحه التفويض السعودي صلاحياتٍ مالية وسياسية واسعة، استخدمها لتطويع النخب السياسية، حتى صار الولاء للسفير أحد مبادئ العمل داخل الشرعية. وحين يصبح ممثل دولةٍ أجنبية مرجعًا للولاء بدل الدولة التي يُفترض أن تمثّلها هذه النخب، فتلك علامة الخواء والاستلاب الذي بلغته مكونات الشرعية جميعها.
وفي مطلع 2026 بلغ هذا الدور حدّه الأوضح. أعلن التحالف أنه أمهل الزبيدي للحضور إلى الرياض، وخرج آل جابر — في تصريحاتٍ لقناة «العربية» في 2 يناير 2026 — يحمّله مسؤولية التصعيد قبل أن يصدر أي قرارٍ يمني. وفي الوقت ذاته أُعلن إنهاء الوجود العسكري الإماراتي «بالتنسيق مع قيادة التحالف»، فاكتمل ترتيبٌ يُخرج القطب الإماراتي ويثبّت اليد السعودية.
ثم جاءت الخطوة الأبعد دلالة. في خطابٍ إلى اليمنيين يوم 10 يناير 2026، أعلن العليمي نجاح عملية «استلام المعسكرات» في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المناطق المحررة، ثم تشكيل لجنةٍ عسكرية عليا «تحت قيادة قوات تحالف دعم الشرعية» تتولى «إعداد وتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات العسكرية»، استعدادًا للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيين الحلول السلمية. لم يكن هذا إعلانًا على الورق، بل تُوّج باستلام المعسكرات في المناطق المحررة ووضعها تحت قيادةٍ بقيادة الرياض. والمفارقة أن إعلان التأسيس نفسه — القرار رقم 9 — جعل القيادة العليا للقوات المسلحة من صلاحيات رئيس المجلس حصرًا؛ فإذا برئيس المجلس يتنازل بنفسه عن أخطر صلاحياته لجهةٍ أجنبية، ويسمّي ذلك إنجازًا.
والأخطر من التفويض طبيعة القوة التي تُبنى تحته. فالطرفان الراعيان لم يدعما جيشًا وطنيًا محايدًا، بل قواتٍ سلفية عقائدية يدين ولاؤها للخارج قبل الجمهورية. أنشأت الإمارات ألوية العمالقة وعيّنت على رأسها السلفي عبد الرحمن المحرمي عام 2020، وردّت السعودية بإنشاء «درع الوطن» في 2023 بقيادة السلفي بشير الصبيحي، ثم «قوات الطوارئ» التي يقود فرقتها الرابعة الشيخ السلفي رداد الهاشمي على الحدود الشمالية. وليس صدفةً أن الصبيحي والهاشمي كليهما خرّيجا معهد «دماج» السلفي في صعدة.
ويكشف مثال الهاشمي حقيقة المعيار. فالرجل ليس قائدًا عسكريًا محترفًا ولا يحمل تأهيلًا عسكريًا، بل شيخٌ سلفي خرج إلى الجبهة «مجاهدًا». وفي معركة وادي آل أبو جبارة بكتاف عام 2019، دفع لواء الفتح إلى توغّلٍ بلا تأمينٍ ولا خط إمداد، فطوّقه الحوثيون وأسروا قرابة ألفين من جنوده وضباطه، بل وقعوا على عسكريين سعوديين بين الأسرى، بينما فرّ هو وأقاربه — ولا يُعقل أن يُؤسر اللواء كاملًا ويسلم قائده وحده. ثم عاد، فأُسندت إليه ألوية جديدة وترقياتٌ ومناصب لا تتناسب مع هزيمةٍ مخزية بهذا الحجم، آخرها قيادة محور البقع. القيادات تُختار بالولاء العقائدي لا بالكفاءة، وتُستبعد القيادات الوطنية الأخرى، وتُغرس في هذه القوات عقيدةٌ عسكرية سلفية لا عقيدة وطنية جمهورية. هكذا لا يُنزع من الدولة قرارها العسكري فحسب، بل يُعاد بناء قوّتها على أساسٍ عقائدي وولاءٍ خارجي، فتغدو أداةً بيد الرعاة لا مؤسسةً للجمهورية.
يقول المدافعون عن المجلس إن السعودية تدعم الشرعية بطلبٍ منها، وتدفع كلفةً مالية وأمنية حقيقية لمواجهة الحوثيين وتثبيت مؤسسات الدولة، وهذا صحيح في جانبٍ منه. لكن الدعم حين لا يخضع لشروطٍ معلنة ولا لرقابةٍ يمنية ولا لسقفٍ زمني يتحوّل من مساعدةٍ إلى قرار، ومن سندٍ إلى وصاية. وحين يصل الأمر إلى إعادة بناء الجيش على عقيدةٍ سلفية وولاءٍ للرياض، لا يعود الحديث عن دعمٍ يُسند سلطةً قائمة، بل عن سلطةٍ تتنازل عن آخر ما يجعلها دولة.
دولةٌ بلا مؤسسات
المحاصصة لا تتوقف عند توزيع المقاعد؛ هي التي تحدّد من يُعيَّن في الوظيفة العليا ومن يبقى في منصبه، بحجّةٍ مناطقية أو سياسية أو قرابةٍ عائلية، خارج شروط الكفاءة وقانون الخدمة المدنية. وقد تفاقم ذلك حين جفّ المورد السيادي: فمنذ أوقفت هجمات الحوثيين تصدير النفط في 2022، تحوّلت الحكومة — بحسب تقارير صندوق النقد والبنك الدولي — من سلطةٍ تملك موردًا سياديًا إلى سلطةٍ تتسوّل المنح. وحين جفّ المورد صار المنصب غنيمة، فلا يُسأل المرشح عن كفاءته بل عمّن يقف خلفه.
لكنّ هذا وجهها السطحي. المحاصصة في عمقها تحويل المقعد إلى سلطةٍ شخصية مسلّحة باقتصادها الخاص، وأوضح صورها عبد الرحمن أبو زرعة المحرمي، الذي يحكم في الميدان قائدَ مليشيا لا عضوًا في الرئاسي؛ فهو لم يظهر يومًا بالزي الرسمي ولا تحت العلم الجمهوري، ويدير جماعاتٍ مسلحة سلفية كان ولاؤها موزّعًا بين الرياض وأبوظبي. انتقل من تبعية أبوظبي إلى الرياض بعد ترويضٍ قصير، وتحوّل إلى أحد أباطرة المال والأعمال: يملك شركات صرافة وبنوكًا وشركة طيران، ويمسك بالقبضة الأمنية والعسكرية في عدن، فيمارس صلاحياتٍ تتجاوز موقعه وتقتطع من صلاحيات العليمي نفسه. وليس استثناءً؛ فبقية الأعضاء احتفظوا بتشكيلاتهم ومناطق نفوذهم وإيراداتهم، وأضافوا إلى أسمائهم ألقابًا ورتبًا عسكرية بلا سند.
تسير التعيينات بالولاء والحصص لا بالكفاءة، حتى صارت الوظيفة العامة حكرًا يُحتجَز. سفراء تجاوزت فترات تعيينهم المدة القانونية أضعافًا دون تغيير، حتى رئيس الحكومة شائع الزنداني ما زال يحتفظ — إلى جانب رئاسته للحكومة — بمنصبَي سفير البلاد لدى الرياض ووزير الخارجية، فتتكدّس ثلاثة مواقع سيادية في شخصٍ واحد. وفي المقابل تتضخّم الحكومة بعددٍ فلكي من الوزراء بلا مهامّ حقيقية ولا إنجاز، يحيط بهم جيشٌ من الوكلاء ونواب الوزراء والمستشارين — ترهّلٌ في العدد يقابله فراغٌ في الوظيفة. وتعاقُب رؤساء الحكومات — من معين عبد الملك إلى أحمد بن مبارك إلى سالم بن بريك ثم الزنداني — يعكس عجزًا عن الاستقرار لا قدرةً على الإصلاح.
ولا تختلف الخارجية عن سواها، بل لعلّها أوضح المرايا. يحدّد قانون السلك الدبلوماسي اليمني (رقم 13 لسنة 2005) الحدّ الأقصى لعمل الدبلوماسي في دولةٍ واحدة بأربع سنوات، تُمدّد سنةً واحدة عند الضرورة؛ لكن سفراء بقوا في مواقعهم أضعاف هذه المدة دون تقييمٍ ولا تدوير. تجري التعيينات بالمحاباة والمجاملة وموازنات المكوّنات لا بالكفاءة، وتغيب آليات الرقابة التي تقيس نتائج البعثات وتحاسب على التقصير. تحوّلت السفارات إلى مواقع امتيازٍ وإقامةٍ خارج البلاد، فغابت عن أهمّ ما يلزم دولةً في حرب: شرح قضيتها، وحشد الدعم لها، ومواجهة خطاب خصمها في المحافل الدولية.
والمسألة لا تقف عند المورد الذي توقّف، بل عند الموارد التي لم تُنمَّ. لم يقدّم المجلس خطةً جادة لإعادة تصدير النفط، ولا لتأمين منشآته وموانئه من تهديد الحوثيين. وبقيت موانئ البلاد دون تشغيلٍ يليق بموقعها: ميناء عدن يعمل بأقل من طاقته في حين تتفوّق عليه موانئ الجوار، وموانئ شبوة وحضرموت والمهرة وتعز لم تتحوّل إلى رافعةٍ اقتصادية تموّل الدولة وتثبّت العملة. والموارد التي تملكها البلاد فعلًا — منافذُ وجباياتٌ ومرافق — ظلّت موزّعةً على مراكز نفوذٍ تقتطع منها، لا مجموعةً في خزينةٍ واحدة تُدار بشفافية.
وبدل تنمية المورد، رسّخ المجلس الاعتماد على الهبات والمنح الخارجية، فصارت الرواتب والخدمات رهنًا بودائع الرياض ومساعداتها. ومع ذلك تُبدَّد أموالٌ طائلة على السفريات والإقامات الخارجية والنثريات وامتيازات المسؤولين، في وقتٍ يعجز فيه عن صرف راتب الموظف. والأخطر أنه فشل، طوال أربع سنوات، في إقرار موازنةٍ عامة للدولة — والموازنة ليست إجراءً محاسبيًا، بل عقدٌ يضبط الإيراد والإنفاق ويُخضع المال العام للرقابة. غيابها يعني أن المال يُجبى ويُصرف خارج أي حساب، وأن الدولة تُدار بلا ميزانٍ ولا رقيب.
في المناطق التي يُفترض أنها تحت سلطته، يغيب المجلس عن أبسط وظائف الدولة. والانهيار لا يطال الجميع سواء: تتقاضى القيادات العليا مخصصاتها بالعملة الصعبة، فيما يُترك موظف الدولة لراتبٍ بالريال فقد قيمته، إن وصله أصلًا. رصدت تقارير محلية هذه الفجوة، وتكرّرت توجيهاتٌ رئاسية بعودة المسؤولين إلى الداخل وصرف مستحقاتهم بالريال — في 2021 و2023 وأوائل 2026 — دون أن تُنفَّذ، فبقي الإصلاح شعارًا يُدار من الرياض لا قرارًا يُطبَّق في عدن.
حتى أجهزة السيادة لا تعمل من الداخل. ظلّ جهازا الأمن القومي والأمن السياسي معطّلين تحت ازدواجيةٍ في القرار، إلى أن أقرّ المجلس أواخر 2025 دمجهما في «جهازٍ مركزي لأمن الدولة» لإعادة بنائهما — اعترافًا بتعطّلهما. وبقيت قيادتاهما خارج البلاد، في الرياض والقاهرة، تتقاضيان مستحقاتهما بلا عملٍ فعلي. والوكالة الرسمية والقناة الفضائية والصحف الحكومية تعمل من خارج البلاد منذ 2014. سلطةٌ تقيم خارج حدودها، وتترك من في الداخل يدفع كلفة قراراتها.
أُعلن حلّ المجلس الانتقالي، لكن شبكاته في عدن ولحج والضالع وشبوة وحضرموت لم تتفكّك، ففشل الإدارة يمنح خصومه وقودًا جاهزًا. وفي الخلفية يدفع الناس الثمن: برنامج الغذاء العالمي خفّض المستفيدين من مساعداته في مناطق الحكومة من 3.4 مليون إلى 1.7 مليون بسبب نقص التمويل، حتى صار انقطاع الكهرباء في عدن عشرين ساعة يوميًا لا عطلًا فنيًا، بل آخر حلقةٍ في سلسلة تبدأ من سلطةٍ لا تملك قرارها ولا مواردها.
وفوق هذا كله، يعمل المجلس بلا قواعد تحكمه أصلًا. القواعد المنظمة لأعماله لم تُقرّ قط؛ سلّم الفريق القانوني مسودتها في مايو 2022 وفق ما نصّ عليه إعلان نقل السلطة، لكنها رُفضت ولم يُتوافق عليها، فبقي أربع سنوات بلا لائحةٍ تضبط اختصاصاته أو آلية قراراته. وحتى البرلمان، الجهة التي يُفترض أن تُقرّها وتراقب، بلا صلاحياتٍ ولا قدرةٍ على تفعيل دوره، يديره سلطان البركاني كأنه ملكيةٌ خاصة. هكذا تكتمل صورة سلطةٍ بلا مؤسسات: لا موارد تُدار، ولا مال يُراقب، ولا قواعد تُلزم، ولا برلمان يُحاسب.
القرار المُصادَر
قد يبدو الحوثيون، في مقابل شرعيةٍ مكبّلة بالحصص والوصاية، طرفًا يتحرك بحرية. وهم بالفعل أكثر استقلالًا في قرارهم مما يُظنّ؛ فعلاقتهم بإيران علاقة تحالفٍ ومصلحةٍ وعقيدة لا ارتهانٍ كامل، ولهم في شبكة ميليشيات المنطقة، من العراق ولبنان إلى الصومال، شركاءُ لا أولياءُ أمر. وعلى هذا الأساس يديرون أولوياتهم بأنفسهم، ويقدّمون أنفسهم طرفًا إقليميًا مؤثرًا ومفاوضًا في ملفات المنطقة، من البحر الأحمر إلى مسارات التسوية. غير أن هذه الحرية لا تُبنى عليها دولة، لأنها حرية مليشيا انقلابية لا حرية سلطةٍ مسؤولة.
ولأن للجماعة مشروعها الخاص، فهي لا تكتفي بالسلاح، بل تبني دولة الإمامة على مقياسٍ طبقي. والإمامة هنا ليست خلافًا سياسيًا على السلطة، بل نقيضٌ للمواطنة: فكرة تقوم على اصطفاءٍ سلالي يجعل الحكم حقًا حصريًا في بطنٍ بعينه، وتُفرض على الناس بالقهر والإجبار لا بالرضا والاختيار. ولأنها كذلك، يبقى الرهان على التعايش معها خارج السقف الجمهوري وهمًا؛ فلا لقاء بين دولةٍ تقوم على تساوي اليمنيين، ومشروعٍ يقسّمهم طبقاتٍ على نمط الإمامة أو ولاية الفقيه، إذ تظل المساواة خط التماس الذي لا يُساوَم عليه.
ومع ذلك تتنصّل الجماعة، في حكمها، من كل التزامٍ تجاه المدنيين في مناطق سيطرتها. فهي لا تصرف رواتب، وترى السلطة من منظور الأمن والجباية لا الخدمة، وتستخدم شكل الدولة غطاءً بينما تفرّغه من مضمونه؛ إذ تعزّز سلطة «المشرفين» على حساب مؤسسات الدولة، فتقيم سلطةً موازية بلا مساءلةٍ ولا عقد. هكذا يجتمع في الحوثي استقلالُ القرار وانعدامُ المسؤولية معًا، فيتحرك بحرية الفاعل، ويتهرّب من كلفة الحاكم.
وإذا كان القرار في صنعاء مُصادَرًا لمصلحة طهران، فإن القرار في مناطق الشرعية موزّعٌ بدوره بين عاصمتين، تبدّلت أدوارهما بعد عام 2026. أما أبوظبي، فلم تعد شريكًا في إدارة الشرعية بعد أن أُخرجت من معادلة القرار مطلع 2026، وانتقل ولاء حليفيها الأبرزين، طارق صالح والمحرمي، إلى الرياض. تحوّلت من راعٍ منافس إلى أداة تعطيلٍ وإدارة فوضى، تستهدف النفوذ السعودي عبر بقايا شبكات الانتقالي الذي حُلّ شكليًا وظلّت أذرعه قائمة. لم يعد الصراع إذن سعوديًا إماراتيًا داخل المجلس، بل صار صراعًا على اليمن من خارجه: الرياض تمسك بالشرعية ومؤسساتها، وأبوظبي تموّل ما يقوّضها.
وكل يومٍ يمرّ بغياب الشرعية وتخلّيها عن مسؤولياتها الدستورية والأخلاقية يصبّ في رصيد المليشيا. فمع طول الأمد تعتاد شريحةٌ واسعة من اليمنيين العيش تحت سلطة الحوثي، وتبدأ بعقد مقارنةٍ عاطفية مختلّة بين حياتها هناك وحياتها في مناطق الشرعية — مقارنةٍ لا تنصف أحدًا، لكنها تنبت في فراغ الدولة الغائبة. وفي هذا الغياب وحده، تكسب الإمامة شرعيةً لم تكسبها بمشروعها، بل بعجز خصمها. وتبقى الدولة اليمنية هي الغائب الأكبر.
إلى أين؟
أمام المجلس مخرجٌ واحد، يبدأ بالاعتراف بأنه ليس دولةً دائمة بل ترتيبٌ انتقالي مؤقت، مهمته الوحيدة تهيئة الطريق لاستعادة الوضع الدستوري لرأس الدولة، لا تأبيد ذاته. وهذا يقتضي أولًا سقفًا زمنيًا مُعلنًا ينتهي عنده، فلا تبقى السلطة مفتوحةً بلا أجلٍ ولا مساءلة. ويقتضي إعادة النظر في قوامه نفسه: هيئةٌ من ثمانية رؤوس متنازعة لا تُنتج قرارًا، وتقليصها إلى رئيسٍ ونائبٍ يعملان وفق لوائح وضوابط دستورية وقانونية واضحة أجدى من تعدّدٍ يحوّل الرئاسة إلى ساحة حصص.
ويقتضي ثانيًا الفصل بين وظيفة المجلس ووظيفة الحكومة، فلا يبتلع المجلس التنفيذ ولا تتحوّل الوزارات إلى ملحقٍ بمكوّناته، مع إعادة تفعيل الأجهزة الرقابية والمحاسبية والقضائية التي تكشف الاختلالات وتوقف الاستهتار وتضارب المصالح والأجندات. وثالثًا، إنهاء حالة الاغتراب الفندقي التي يعيشها المجلس والحكومة والوزراء والوكلاء، بسقفٍ زمني لعودتهم إلى الداخل، يصبح بعده الوجود على الأرض اليمنية شرطًا لاستلام المستحقات ولشغل المناصب، لا امتيازًا يُمنح لمن يديرون البلاد من بعيد.
هذه ليست شروطًا تعجيزية، بل الحدّ الأدنى الذي يفصل بين سلطةٍ تُهيّئ لقيام الدولة وأخرى تكرّس غيابها. وكلّها تصطدم بالبنية التي وُلد منها المجلس: فكل خطوةٍ نحو الدولة تسلب مكوّناته امتيازات ما قبلها — السلاح المستقل، والإيراد الخاص، والتعيين الزبائني، والإقامة المريحة في الخارج. والسؤال الذي يقرّر مصير المجلس ليس ما إذا كان يعرف هذا الطريق، بل ما إذا كان يملك إرادة السير فيه، أو إرادة من يدفعه إليه.
الشرعية التي لا تحكم تصبح عبئًا على من يحملها قبل خصومها. وما يجري ليس أزمة مجلسٍ يمرّ بمرحلة صعبة، بل نمط سلوكٍ راسخ يقوم على غياب المسؤولية والثمن والحساب، حيث يُصنع القرار في مكانٍ آخر، وتقع الكلفة على الناس، ويبقى المقعد محفوظًا لصاحبه.
هذا النمط لا ينتهي من تلقاء نفسه. الرعاة يتبدّلون وتتبدّل أولوياتهم، وما كان أداةً مفيدة يصبح عبئًا يُتخلّص منه. وما لم تتغيّر الشرعية — في تفكيرها وسلوكها وأدائها — وتتخلَّ عن منطق اللامسؤولية والاتكال على الجارة، فسينتهي بها المطاف أداةً وظيفية تفقد آخر ما يربطها باليمن واليمنيين، وتتحوّل إلى لعنةٍ في تاريخ البلد لا إلى فصلٍ في بناء دولته. وما سيبقى حينها ليس أنها فشلت في حربٍ صعبة، بل أنها أمضت سنواتٍ تدير غيابها وتسمّيه حكمًا، وتدير تبعيتها وتسمّيها شرعية.
الدولة لا تُستعاد بالاعتراف الدولي ولا بالرعاية الإقليمية، بل حين يقرر أصحابها أن يحكموا من الداخل ويتحمّلوا ثمن ذلك. وهذا القرار، حتى الآن، لم يُتّخذ.