مقالات
"سيأتيك يوم أسود".. نبوءة طالب سجين تحققت بعد ثورة سبتمبر
قبل أشهر قليلة من قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر1962، كانت صنعاء تعيش على وقع حملة اعتقالات واسعة استهدفت طلاب المدرسة المتوسطة، بعد تصاعد حالة التذمر من حكم الإمامة.
يتذكر اللواء الناصري حاتم أبو حاتم تلك اللحظات وكأنها حدثت بالأمس. يقول إنه وصل إلى جوار قبة المتوكل حين اعترضه أحد الجنود، وكان يعرف والده وينتمي إلى بني حشيش.
أمسك به سريعاً وهمس له: "أنت اهرب... سيحبسونهم".
كانت تلك الكلمات كافية لتغيّر مصيره.
نجا أبو حاتم من الاعتقال، بينما اقتيد زملاؤه إلى السجون.
توزعت المجموعات بين حجة وصعدة وخَمِر وقلعة حجة، فيما أُودع العدد الأكبر في سجن الرادع بصنعاء، وهو السجن المخصص آنذاك لمرتكبي الجرائم الجسيمة.
داخل الزنازين بدأت التحقيقات، كان زيد عقبات، عامل الإمام على صنعاء، يتولى استجواب الطلاب بأسلوب قاسٍ ومتعالٍ.
يروي أبو حاتم أن من كان يُعرف بأنه من السادة الهاشميين كان يتلقى صفعة ثم يُطلب منه المغادرة، أما الآخرين فكان نصيبهم الضرب والتنكيل.
ومن بين أولئك الطلاب كان اثنان من أقرب أصدقائه: عبد القدوس المضواحي ومحمد حزام النديش، اللذان سيصبحان لاحقاً من أبرز الأطباء اليمنيين بعد دراستهما الطب والجراحة في الاتحاد السوفيتي.
يتوقف أبو حاتم عند حادثة لم تغب عن ذاكرته.
نادى المحقق على عبد القدوس المضواحي، وما إن علم أنه من السادة حتى صفعه وأمره بالخروج.
كان محمد حزام النديش يراقب المشهد، وحين رأى زميله يغادر، قال ساخراً: "من فضلك... السيد محمد حزام النديش".
استفزت العبارة زيد عقبات، فسأله بغضب: "ومن أعطى أباك هذه السيادة؟" جاء الرد سريعاً وحاداً: "وأنت... من أعطى أباك هذه؟"، في لحظة تحولت القاعة إلى ساحة عقاب، أمر عقبات الجنود بضرب النديش، انهالوا عليه حتى فقد وعيه وسقط أرضاً.
وبعد أن أفاقوه بالماء، رفع رأسه بصعوبة ونظر إلى جلاده قائلاً: "يا سيدي زيد، سيأتيك يوم أسود"، ضحك عقبات ورد باستهزاء: "والله ما تخرج من هنا إلا يوم يجي ذلك اليوم الأسود."
لكن الأيام كانت تخبئ ما لم يتوقعه أحد، مرّت الشهور، ثم اندلعت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وفي صباح السابع والعشرين من سبتمبر خرج محمد حزام النديش من السجن حراً.
كان أول سؤال طرحه بعد خروجه: "أين زيد؟"، قيل له إنه مكبل في القلعة.
ذهب إليه مباشرة، وحين رآه أسيراً بعد أن كان آمراً ناداه قائلاً: "جاء اليوم الأسود يا سيدي"، ولم يجد زيد عقبات ما يقوله سوى جملة قصيرة: "الدنيا حق الله"، فأجابه النديش بمرارة المنتصر بعد طول معاناة: "أما ذاك اليوم، فكانت الدنيا حق أبيك".
بعد سنوات، حمل أولئك الطلاب دفاترهم التي صادرتها السجون إلى قاعات الدراسة في الاتحاد السوفيتي.
درس عبد القدوس المضواحي ومحمد حزام النديش الطب وتخصصا في الجراحة بتفوق لافت، فيما درس حاتم أبو حاتم الطيران العسكري وتخرج مهندساً طياراً.
وحين عادوا إلى اليمن مطلع السبعينيات، لم يحملوا معهم روح الانتقام، بل حملوا ما هو أبقى.
أسس المضواحي في الحديدة مركزاً طبياً مع زملائه، وخصص يومين أسبوعياً لعلاج الفقراء مجاناً.
وفعل النديش الأمر ذاته في ذمار، حيث ساهم في إنشاء مركز طبي متعدد التخصصات وجعل جزءاً من وقته لخدمة المحتاجين.
هكذا تحوّلت رحلة بدأت بمطاردة وسجن وتعذيب إلى سيرة جيل آمن بأن المعرفة والخدمة العامة هما أفضل انتصار على القهر الذي عرفه في شبابه.