مقالات
ماذا تملك الرياض إن اضطرت إلى مواجهة الحوثي؟
أقصى ما بلغه صاروخ حوثي منذ هدنة 2022 لم يكن هدفًا عسكريًا، بل منشآت «أرامكو» ومنافذ تصديرها. في أقل من أسبوع، أعلنت مليشيا الحوثي حصارًا بحريًا على السعودية، ثم تبنّت استهداف منشآت في جازان وينبع بصواريخها ومسيّراتها.
ويأتي هذا التصعيد في أسوأ توقيت ممكن للرياض؛ فاضطراب هرمز منح خط الأنابيب إلى ينبع والبحر الأحمر قيمة مضاعفة، وجعل الضغط على منفذي التصدير تهديدًا مباشرًا لمعادلة الطاقة السعودية.
والرياض التي انسحبت من القتال المباشر منذ تلك الهدنة لا تريد حربًا اليوم؛ فهي تدفع كلفة الابتزاز لتتجنب كلفة المواجهة. لكن الخيار قد يُنتزع من يدها، والسؤال الذي يستحق القياس: ماذا تملك المملكة فعلًا إن انسدّ طريق الاحتواء؟
تملك الرياض منظومات باتريوت وثاد، وسلاح جو قادرًا على ضرب منصات الإطلاق والمخازن، وعمقًا ماليًا واستخباراتيًا وشبكة شركاء. وتبقى الولايات المتحدة المزود الأهم للإنذار والاعتراض والذخائر، فيما يرتبط اتساع الدور الهجومي للحلفاء بمدى تهديد مصالحهم.
وتنقصها الحلقة التي أسقطت كل جولة سابقة: قوة يمنية موحدة تمسك الأرض وتحكمها. وهذا النقص مرتبط في الأساس بالطريقة التي أدارت بها الرياض الملف اليمني خلال العقد الماضي، وكان عنوانها الأبرز تفكيك الشرعية، وتأجيل أي معركة حقيقية مع الحوثيين أو منعها.
وللرياض في المقابل مصادر قوة تكفي لتغيير المعادلة في اليمن إن كانت جادة في تحجيم الحوثي وإنهاء الابتزاز الجاثم على بوابتها الجنوبية، ولعل أبرزها سيطرتها على الشرعية اليمنية صاحبة الولاية السيادية والتمثيل القانوني. ومن هنا يتحدد مصير أي انخراط سعودي: فما يظهر إسنادًا لمعركة يمنية يحتفظ بغطائه القانوني والمحلي، ويقطع الطريق على رواية «العدوان الخارجي» التي تروّجها مليشيا الحوثي.
والفارق بين الحالتين عملياتي: من صاحب الخطة، ومن يتقدم على الأرض، ثم — وهو الأهم — من يحكم ما يُستعاد من تحت سلطة المليشيا؟ وما لم تتوحد القيادة والقوات، تبقى الشرعية صفةً قانونية لا سلطةً عملياتية؛ وهو ما يعني أن على مجلس القيادة الرئاسي الإمساك بزمام الأمور ومغادرة الركون إلى التخطيط والفعل السعوديين.
قد لا يكون خوض معركة في اليمن أفضل خيارات الرياض، لكنها مدفوعة بحماية مصالحها الاقتصادية وموانئها وترميم صورة الردع التي فقدتها منذ موافقتها على تسوية مع الحوثيين بدافع احتوائهم، ثم بصيانة الاستقرار اللازم لرؤية 2030 ومنع إيران من امتلاك كماشة بين هرمز وباب المندب.
وقبل المضي في افتراض خيار العودة السعودية إلى المواجهة، ينبغي اختبار ما يناقضه. فسلوك الرياض المعلن منذ 2022 مضى في الاتجاه المعاكس: قناة تفاوض لم تنقطع عبر مسقط، وتجنّب لإعادة الدخول حتى حين قُصفت منشآتها، وفوق ذلك أولوية معلنة لبرنامج اقتصادي ينفر من الحروب المفتوحة أكثر مما ينفر من المليشيا نفسها.
ومن قرأ هذا السلوك رأى في الاحتواء خيارًا استراتيجيًا مقصودًا، تدفع المملكة ثمنه ابتزازًا متكررًا وتقبض مقابله تجنّب حرب لا تعرف نهايتها. وما يقلب هذه المعادلة قد يكون إصابة ناجحة في منشأة طاقة كبرى أو خسارة بشرية واسعة داخل المملكة؛ وعند هذا الحد وحده يصير سؤال الدخول في معركة كسر عظم اختبارًا عمليًا على طاولة القرار.
والامتناع لا يُفسَّر بالكلفة المالية وحدها، فالرياض تقرأ أي جولة جديدة بوصفها بابًا إلى استنزاف تديره طهران ولا تدفع ثمنه: مليشيا تقاتل بذخيرة تُعوَّض من الخارج وبجغرافيا جبلية تبتلع الحملات الجوية، ومملكة تدافع من منشآت مكشوفة ومن طمأنينة مستثمرين يراقبون ميزان الاستقرار. والحرب التي تبدأ ردعًا محدودًا قد تنتهي مواجهةً مع إيران لم تخترها الرياض ولا تختار توقيتها، في لحظة تتوزع فيها واشنطن بين جبهات عدة.
ويوسّع المعادل الإيراني الخريطة أصلًا؛ فقد وثّق فريق الخبراء المعني باليمن استمرار التسليح والتدريب الإيرانيين، ووردت معلومات عن وصول مكونات صاروخية إيرانية نفتها طهران والحوثيون. وسبق لجماعات عراقية إعلان عمليات مشتركة مع الحوثيين، مما يجعل تحييد بغداد جزءًا من أي خطة.
والعائق الثاني داخلي يمني. فالملعب الذي يُفترض أن تُخاض فيه المعركة لم تكتمل تهيئته: حلفاء الرياض منقسمون، ولكل تشكيل مموّل ومرجعية وحسابات لما بعد الحرب. ومن دون طرف يمني واحد يملك القرار ويقبض على الأرض، تصير أي حملة محكومة بالفشل وتحمُّل المسؤولية المباشرة.
وهي تجربة خاضتها المملكة بين 2015 وهدنة 2022 وتعرف ثمنها، إذ ذهبت وحليفتها الإمارات إلى تفتيت جبهة حلفائهما بما خدم عمليًا عدوّهما، وسيرًا خلف أطماع أبوظبي في السيطرة على الجزر والموانئ، وحربها على الإسلام السياسي — وبمعنى أدق استهداف حزب الإصلاح الذي وقف إلى جانب التحالف من دون اشتراطات مسبقة.
وحتى اللحظة تقوم الاستراتيجية السعودية على اعتراض الصواريخ والمسيّرات المتجهة إلى المملكة والممرات البحرية، ثم الرد السريع على مصادر النيران، وبالتوازي تحريك الجبهات اليمنية لإجبار المليشيا على توزيع قواتها.
وتستطيع الضربات الجوية إضعاف التحركات الحوثية واستهداف المنصات والمخازن، بينما يتوقف أثرها السياسي على دقة الاستخبارات وقدرة القوات الحكومية على التقدم والإمساك بالمناطق المستعادة وإدارتها. وذلك إن قررت الرياض الدخول بثقلها في دعم القوات على الأرض، وفق رؤية واضحة واتفاق مكتوب يحدد ما يجب وكيف يتحقق ضمن جدول زمني، ويضع المستقبل على طاولة النقاش مع جميع الأطراف اليمنية.
وتبقى الكلفة الإنسانية العائق الأثقل؛ فالحوثي يسوق البلاد إلى جولة جديدة واليمن مثقل بنظام صحي منهك وملايين المحتاجين إلى الغذاء والدواء.
وهنا تحضر الحديدة عقدةَ الاختبار الأصعب. تضم المدينة منشآت تستخدمها المليشيا عسكريًا ويجوز استهدافها ضمن شروط التمييز والتناسب والاحتياطات، غير أن الميناء ذاته يبقى شريانًا مدنيًا يدخل منه غذاء ملايين اليمنيين ودواؤهم، ولا تحوّله سيطرة المليشيا وجباياتها إلى هدف عسكري مفتوح. ويجب أن تعمل الشرعية ومن خلفها الرياض على فتح مسارات بديلة عاجلة لإيصال الغذاء والدواء من منافذ أخرى — في عدن أو حضرموت أو أي منفذ آمن — بما يضمن استمرار تدفق المساعدات.
وتملك الصين والدول الآسيوية المستفيدة من النفط السعودي مصلحة كبيرة في أمن الطريق، ويتجه موقفها إلى حماية التجارة والضغط الدبلوماسي من دون إعلان استعداد للقتال في اليمن. وتمتلك بكين أدوات اقتصادية وسياسية للتأثير في طهران لكن استعدادها لاستخدامها لمصلحة السعودية لم يتضح بعد، وقد بدأت تحركًا تفاوضيًا عبر باكستان. أما الهند واليابان وكوريا الجنوبية، فيرجح أن ينحصر إسهامها في أمن السفن والمعلومات والمخزونات وترتيبات الطاقة.
ويصعب استعادة التحالف بصيغته التي عُرفت عام 2015، والأقرب شبكة أدوار دفاعية وسياسية متفاوتة تقودها السعودية. تستطيع باكستان تقديم دعم دفاعي بحكم اتفاقها مع المملكة مع حرصها على تجنب مواجهة إيران، وتتمحور مصلحة مصر حول أمن البحر الأحمر وقناة السويس بما يرجح دورًا في المراقبة البحرية واللوجستيات والغطاء السياسي، ويمكن لتركيا الإسهام بالتعاون الدفاعي وتقنيات المسيّرات.
وفي الخليج يرجح اتساع تبادل الإنذار والمعلومات والدفاع الجوي، فيما تظل مشاركة الإمارات مرتبطة بتسوية خلافات النفوذ اليمنية، وتملك عُمان وقطر قنوات أنسب للوساطة.
هنا تصبح الشرعية اليمنية أهم أوراق الرياض وأشدها ضعفًا. ومصدر الضعف في بنية القرار قبل الإرادة: فمجلس القيادة الرئاسي، منذ 2022، مجلس مكوّنات لا رئاسة موحدة، ولكل عضو فيه قوة تتبعه ومموّل يُصغي إليه. لذلك تعثر توحيد القرار أربع سنوات، لأن كل مكوّن يخشى أن يكون نصيبه من التوحيد هو الذوبان. ومن يرهن خطة عسكرية بتوحيد لم يتحقق في زمن الهدوء، مطالبٌ بأن يقول ما الذي سيجعله ممكنًا في زمن الحرب.
والخطوات التي أعلنتها وزارة الدفاع لتوحيد الفصائل لم تتجاوز إطارها المعلن؛ فما تزال كل قوة محتفظة بمسمياتها وتراتبية القرار فيها وتبعيتها، ولها مواردها وتمويلها وأسلحتها وغرفة عملياتها الخاصة. والهيكلة تبدأ بدمج القوات وإعادة توزيعها على المحاور القتالية وتوحيد القرار والرواتب والإيرادات والخدمات، ثم قيادة عمليات واحدة وخطة لحكم المناطق المستعادة.
وقد أعلنت الحكومة إعادة تفعيل بعض مقاتلاتها وتنفيذ عمليات ضد الحوثيين، وهو تطور إن صحّ يمنح المعركة طابعًا سياديًا ويضيف إسنادًا محدودًا، بينما تظل جاهزية هذه القوة وحجمها بحاجة إلى تحقق مستقل.
استعادة الدولة هي الغاية السياسية البعيدة، أما السقف العملياتي لجولة أولى فيشمل وقف الهجمات على السعودية والملاحة، وتدمير جزء معتبر من قدرات الإطلاق، واستعادة صادرات الحكومة النفطية، وفتح جبهات تجبر الحوثي على توزيع قوته، ثم تثبيت ما يُستعاد بسلطة يمنية. فإشغال الحوثي من دون نهاية سياسية يحوّل الحرب إلى استنزاف يتجدد بالإمداد الإيراني.
ويحتاج الانتقال من هذه الجولة إلى استعادة الدولة مراحل قابلة للقياس، تبدأ بتأمين مأرب والسواحل ومناطق الطاقة، واستعادة الموانئ والصادرات، وتوحيد الإيرادات والقيادة العسكرية، ثم فرض مسار تفاوضي من موقع أقوى. وتسبق كلَّ تقدم خطةٌ جاهزة للإدارة والخدمات والأمن في المناطق المستعادة، وإلا عادت الفجوة القديمة بين ما يُسيطر عليه وما يُحكم فعلًا.
تكسب السعودية حين تضع تفوقها في خدمة قرار يمني موحد تحت مظلة الشرعية، وتساعد الحكومة على الإمساك بالأرض والتفاوض من موقع أقوى. وتخسر إذا أصبحت هي صاحبة الحرب، فيما تعيد المليشيا تقديم المواجهة بوصفها عدوانًا خارجيًا وتنقل كلفتها إلى المدن والسكان.
ويبدأ الحسم بتعريف النهاية ووضع وسائل حماية اليمنيين قبل إطلاق الحملة؛ فالقدرة متوفرة والقرار مؤجّل، ومتى انتهى وقت التأجيل فلن يكون السؤال ماذا تملك الرياض من سلاح، بل أي نصر تريده — وجوابه عند من سيحكم ما يُستعاد، قبل أي ترسانة.