مقالات

علــي حـــيرو

13/12/2021, 09:08:48
المصدر : غرفة الأخبار

عُرفتْ ظاهرة الفُتوَّة في عديد من البلاد العربية منذ زمن قديم بعيد. 

وقد صوَّرتها الرواية والقصة والقصيدة والمقامة والسينما والإذاعة والتلفزة والدراسة الاجتماعية والجنائية وغيرها، بمساحة كبيرة وأشكال كثيرة وتلاوين مثيرة. 

ولم يكن عدد من المدن اليمنية (ومدينة عدن تحديداً) بمنأى عن التأثيرات المختلفة لهذه الظاهرة التي كانت لسردياتها وشخصياتها ووقائعها حضور واضح، بل بارز، في التاريخ - الشفاهي والمكتوب - لمدينة عدن بالذات.

وإذا ما رُحتَ تنبش في ذاكرة هذه الظاهرة في مدينة عدن، سيظهر لك بالضرورة اسم مُحدَّد بعينه، يكاد يُشكِّل صورة مُجسَّمة وفكرة حاسمة لظاهرة الفُتوَّة في عدن التي عرفت شكلين أساسيين، لها: الفتوة الروبنهودية (نسبةً إلى البطل الفولكلوري الانكليزي القروسطي روبن هود)، أي الفتوة التي يتَّسم أبطالها بالنُبل ونجدة المظلوم ونصرة الضعيف، والفتوة البلطجية التي كان رموزها حفنة من القتلة واللصوص والعرابيد وقاطعي الطريق والخارجين عن القوانين والشرائع والأخلاق والقِيَم.

هذا الاسم  هو بلا أدنى شك "علي حيرو"، واسمه الحقيقي علي صالح ورِح، وقد ارتبطت به تسمية "حيرو" من المفردة الانكليزية Hero، ومعناها: البطل، حيث اكتسب هذه التسمية - الصفة من المميزات التي كان يتحلى بها كأيِّ بطل شعبي روبنهودي: الشجاعة والوقوف إلى صف المضطهدين اجتماعياً ضد من يعصف بهم وينهبهم من الفُتوات البلاطجة والأشرار. 

وهذا ما أجمع عليه كل ساردي سيرة هذا الرجل. وهو من أبناء مدينة عدن ذوي الأصول الصومالية الذين كانوا - ولازالوا - يُشكّلون نسبة غير محدودة من سكان هذه المدينة، إلى جانب ذوي الأصول اليمنية والعربية والهندية وغيرها.

 وكان يُقيم في "صندقة" في حي الخُساف بمدينة كريتر، منذ زمن غير معلوم من القرن الماضي، غير أن نجمه في عالم الفتوات لمع خلال الخمسينات والستينات. 

وكان في بادئ الأمر لاعب كرة قدم محدود القدرات، أومتواضع المهارات في بعض أندية 'كريتر'، كالاتحاد المحمدي والحسيني، لكنه اشتهر بعدها باعتباره كبير مشجعي نادي الحسيني.

كانت الصورة البرَّاقة اجتماعياً لعلي حيرو ملتصقة به كما وجدتُها لدى كل المصادر التي روت عنه مشاهد الفتوة التي اشتهر بها، حين كانت عدن تعرف القتال بين الفتوات بواسطة سلاح وحيد هو العصا الغليظة التي تعددت أسماؤها بين الهراوة والباكورة والبامبو وغيرها. 

ولم يعرف قتال الفتوات حينها الأسلحة الحادة أو البيضاء إلاَّ في وقت لاحق منذ منتصف القرن الماضي. 

وقال لي أحد فتوات عدن في تلك الفترة (أ . س . بيضاني) بمرارة شديدة إن الفتوة فقدت معنى البطولة والرجولة يوم تركت العصا ولجأت إلى السكين والخنجر والساطور وغيرها من الأسلحة والأدوات الحادة.

كما كان بعض الفتوات يتقاتلون يومها بالأيدي من دون أي عُصِي حتى، بما يُعرف بالمُدارَجة والمقاتل يسمى مُدارِج. 

وكان هؤلاء أشهر وأمهر الفتوات في أحياء كريتر والشيخ عثمان، ويُعرفون بالعدد لمحدوديتهم. 

ويحكي بعض الرواة المخضرمين أن علي صالح حيرو لم يُهزَم قط من أيّ مُدارِج آخر سوى شخص واحد، فقط كان يقيم في كريتر أيضاً يدعى علي الضيئاني اليافعي.

اشتغل علي حيرو خلال حياته بمهن وأعمال شتى، جميعها كانت متواضعة وموقتة، غير أن آخرها كان سائقاً لدى إدارة مياه عدن، التي ظل يُزاولها حتى مات فجأة في العام 1965م.

وقد أشعلت حكايات علي حيرو حماسة المِخيال الشعبي الذي أضاف إليها وحوَّر وجمَّل وطوَّر. 

ولم تقتصر هذه الحماسة على أهل السرد - لاسيما الشفاهي منه - بل طالت أيضاً ناظِمي ما يسمى بالشعر 'الحلمنتيشي'، الذين راح أحدهم يتخيَّل وجود علاقة حُب بين علي حيرو وامرأة من نساء منطقته تدعى نور الهدى، فأجرى على لسانَي العاشقين مقاطع طريفة يتغزَّلان عبرها ببعضهما باللهجة العدنية القُحَّة.

 فيقول - مثالاً - على لسان نور الهدى:

"علي حيرو ... حبيبي ما معي غيرو

أشوفه تيس في الحافة.. وباقي الناس كُدَّافة

يزاوِط بي .. يشاوِع بي..

 يمرمِط بالهوى دربي.. 

ويتْقَمْبَر على قلبي

أني اْفدى نخرتو ولقفو واسنانو واظافيرو

علي حيرو إذا قال يوم باشوفِك

وباتفرَّج على كُفوفِك

شخَطْت لقفي بحاموره.. 

ربطت الشعر عمبوره

عشان تفرح عماصيرو ... 

علي حيرو".

 

ثم أجرى الشاعر على لسان العاشق حيرو:

"نور الهدى يا كُمْبُلي .. يا فُوفلي وتُمبُلي

امشي على قلبي دلا..

 أخاف عليك تتحنجلي 

تتذكري أول لقا؟ .. بالحافة جنب الصندقه

دقدقتي قلبي دقدقه .. 

بطبعك الحلو السلي 

لما أجيتي المخدره .. 

مُمكْيَجه ومُحمَّره

ورحتي تجلسي ورا .. 

تغطرفي وتطبّلي 

بساعتِه قلبي استرق .. 

جنَّن بُه حقِك الفَنَق

ودرعِك الزَرَق بَرَق .. والشمبلات البصلي

والمقرمة السكريمي .. 

عليها صورة ريمي

شكلِه زَرَب لي ديمي .. 

خلّى فؤادي يقتلي".

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

مقالات

في رحيل الرئيس عبد ربه منصور هادي.. رجل حمل اليمن فوق أكتاف مرحلة مستحيلة

برحيل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، يطوى فصل بالغ الثقل والتعقيد من تاريخ اليمن المعاصر؛ فصل اختلطت فيه الآمال الكبرى بالانكسارات القاسية وتشابكت داخله حسابات الداخل والخارج حتى بدا اليمن وكأنه يخوض معركة مفتوحة مع تاريخه وجغرافيته وموروثه السياسي في آن واحد.

مقالات

"آنستنا يا عيد" والتكامل بين الشاعر عباس المطاع وفنان الشعب علي بن علي الآنسي

القصيدة الكاملة لأيقونة العيد الخالدة " آنستنا يا عيد" تظهر بوضوح أن الشاعر الكبير عباس المطاع، تحت دفق الومضة العفوية وضغط الرغبة في قول كل شيء في ليلة العيد أفلت من يده الزمام ، فتحول من روح العيد وبهجته الدفاقة ليضيف لها كل ما خطر في باله عن المغالاة في المهور ، وهموم المستأجرين، وجشع التجار، والتحذير من تهور السائقين والسرعة، والنظافة وكنس الشوارع، والصحة وتجنب مرض القرحة والسل والكحة.. راجع القصيدة كاملة في نهاية المنشور.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.