مقالات
لماذا تبدو الحرب في تعز مختلفة؟
يلاحظ المتابع أن للحرب التي تشنها مليشيا الحوثي على تعز خصوصية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية. فقد شهدت اليمن جبهات عديدة، فُتحت بعضها وأُغلقت أخرى، وتفاوتت فيها دوافع القتال وحساباته، لكن المواجهة في تعز ظلت تحتفظ بطابع مختلف، سواء في طبيعة الاستهداف أو في قدرة المدينة على الصمود رغم اختلال موازين القوة لمصلحة الحوثيين. فما الذي يجعل هذه الحرب مختلفة؟ ولماذا عجز التفوق العسكري عن تحقيق الحسم الذي كان يُفترض أن يفضي إليه؟
لفهم ذلك، لا بد من النظر إلى ما تمثله تعز في الوعي الاجتماعي اليمني، وإلى جملة من الثنائيات التي تشكلت عبر التاريخ والثقافة والسياسة، واختزلت تعقيدات المجتمع اليمني في صور متقابلة، لكل طرف منها دلالاته وقيمه المفترضة.
إحدى هذه الثنائيات هي ثنائية «المطلع والمنزل»، وهي في أصلها تعبير مناطقي يتسع ليشمل مناطق ومحافظات متعددة، لكنه في المخيال الجمعي اليمني كثيرًا ما يُختزل في ثنائية صنعاء وتعز. وعلى الرغم من التنوع داخل كل من المنطقتين، فقد اكتسبت كل منهما دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ إذ ارتبطت صنعاء، في بعض التصورات المذهبية والسياسية، بالزيدية، فيما ارتبطت تعز بالشافعية. ومع أن هذا الاختزال لا يعكس التنوع الحقيقي في المجتمع اليمني، فإنه يكشف عن تصورات راسخة أسهمت في تشكيل الحدود الرمزية بين المنطقتين، وجعلت العلاقة بينهما تتجاوز التنافس المناطقي إلى اختلافات أعمق في الهوية والانتماء.
وثمة ثنائية أخرى تتمثل في المدنية والقبلية. فقد ترسخت صورة تعز بوصفها مركزًا للمدنية والتعليم والثقافة والعمل الفردي، في مقابل الصورة التي تُلصق بمناطق شمال الشمال باعتبارها معاقل للقبيلة والأعراف التقليدية. وهذه أيضًا صورة نمطية لا تستوعب التعدد داخل المجتمع اليمني، لكنها تظل مؤثرة في الطريقة التي يُنظر بها إلى تعز وإلى محيطها، وفي المعاني التي يُحمّلها الناس لكل منهما.
ومن هذه الثنائية تنبثق ثنائية ثالثة، هي السلم والحرب، أو المدنية والشكيمة القتالية. فقد ارتبطت تعز في المخيال الاجتماعي بمدينة مسالمة، منشغلة بالتعليم والتجارة والثقافة وتدبير شؤون الحياة، بينما ارتبطت مناطق قبلية أخرى بصورة المجتمع الذي يمتلك الشجاعة والبأس والقدرة على خوض الحروب. ووصلت هذه التصورات أحيانًا إلى افتراضات أكثر تطرفًا، كأن القدرة على القتال صفة متوارثة أو استعداد فطري، وكأن المجتمع المدني أقل تأهلًا للمواجهة من المجتمع الذي تشكلت حياته حول القبيلة والسلاح.
وتبرز هنا ثنائية الفرد والقبيلة. ففي الصورة الشائعة عن تعز، يعتمد الفرد والأسرة على التعليم والعمل والمبادرة الشخصية في بناء المستقبل، فيما تظل القبيلة، في مناطق قبلية أخرى، إطارًا مؤثرًا في تنظيم العلاقات الاجتماعية وتحديد الولاءات وتسوية النزاعات. والفارق هنا ليس بين مجتمع يمتلك الروابط الاجتماعية وآخر يفتقر إليها، بل بين نمطين مختلفين من تنظيم المجتمع: أحدهما يمنح الفرد مساحة أوسع للاعتماد على ذاته، والآخر يمنح الجماعة القبلية دورًا أكبر في تشكيل خياراته وحدود حركته.
هذه الثنائيات، على ما تنطوي عليه من تعميمات لا يجوز التعامل معها بوصفها حقائق مطلقة، تساعد على فهم الصورة التي تشكلت عن تعز: مدينة مدنية، متعلمة، مسالمة، منفتحة، يعتمد أبناؤها على أنفسهم، ولا تستند قوتها إلى البنية القبلية أو التقاليد العسكرية. وفي المقابل، ارتبطت القوة في التصورات السائدة بالعصبية القبلية، والخبرة القتالية، والقدرة على الحشد، والاستعداد للعنف.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
خصوصية الحرب في تعز أن المواجهة فيها تتجاوز الصراع على الأرض إلى صراع بين نموذجين متناقضين للجمهورية والمجتمع والسلطة. فتعز لا تختزل في موقع جغرافي أو مكسب عسكري، كما لا تكفي الموارد الطبيعية أو الأهمية الاستراتيجية لتفسير حجم الإصرار الحوثي على إخضاعها، أو تفسير استعصائها على الحسم. ففي حين يمكن تفسير جانب من القتال في مأرب بالتنافس على موارد النفط والغاز، وفي الحديدة بأهمية الميناء والمنفذ البحري، وفي جبهات أخرى بالسعي إلى توسيع النفوذ والسيطرة على مناطق جديدة، فإن هذه الاعتبارات لا تقدم وحدها تفسيرًا كافيًا لطبيعة الحرب في تعز.
إن ما يجعل تعز ذات دلالة خاصة هو ما ترمز إليه في الوعي الجمهوري اليمني: مجتمع مدني، ومكانة للتعليم والمعرفة، ومساحة أوسع للفرد، وقيم للمواطنة تتعارض مع منطق الامتياز السلالي والتراتبية الاجتماعية. ومن هذه الزاوية، تصبح الحرب مواجهة بين مفهومين للسلطة والمجتمع؛ مفهوم يستمد شرعيته من المواطنة والمساواة وحق الناس في اختيار من يحكمهم، ومفهوم يقوم على ادعاء الاصطفاء السلالي وتكريس التفاوت في المكانة والحقوق.
وتتضح هذه المفارقة أكثر في ثنائية العلم والجهل. فقد دخلت مليشيا الحوثي الحرب وهي تستند إلى السلاح والتنظيم والتخطيط والحشد الإعلامي، بينما لم تكن تعز، في حياتها اليومية، مجتمعًا مهيأً لحرب بهذا الحجم. كان الناس منشغلين بأعمالهم وأرزاقهم، وكانت المدارس تواصل أداء دورها، فيما استغرقت مكونات السلطة المحلية والقوى السياسية في صراعاتها الداخلية، على الرغم من أن المدينة كانت تواجه خطرًا متصاعدًا وحصارًا مستمرًا.
لم تكن تعز قد أعدت نفسها، بالقدر نفسه، لمواجهة عسكرية طويلة؛ لكنها حين وجدت نفسها أمام خطر الإخضاع، قاومت بما توافر لها من سلاح وإمكانات محدودة. وهنا سقطت إحدى المسلمات التي حكمت التصورات المسبقة: أن التفوق في السلاح والتخطيط والتنظيم يكفي لضمان النصر، وأن المجتمع الذي لم يتشكل على إيقاع الحرب لا يستطيع مقاومتها.
غير أن الأمر لا يتعلق بمجرد مواجهة بين طرف يمتلك المعرفة وآخر يفتقر إليها، فذلك اختزال لا يفسر وحده مسار الحروب ونتائجها. المقصود أن تعز تمثل، في هذا الصراع، قيمة العلم والمعرفة والحياة المدنية في مواجهة مشروع يستثمر في التعبئة المغلقة، ويضع الولاء للتصور السلالي فوق مبدأ المساواة، ويعامل المعرفة المستقلة بوصفها منافسًا لسلطته. ومن هنا يكتسب الصمود معنى يتجاوز القدرة على القتال: إنه دفاع عن نمط من الحياة وعن حق المجتمع في أن يبني مستقبله بعيدًا عن الوصاية والإخضاع.
وتظهر ثنائية أخرى لا تقل أهمية: التسامح والاستعلاء. فقد ارتبطت تعز، في صورتها المدنية، بالتعايش والانفتاح والتعدد، فيما يقوم المشروع الحوثي على ادعاء الاصطفاء والحق المميز في السلطة، بما يحمله ذلك من تراتبية تضع فئة في منزلة أعلى من سائر المجتمع. والتناقض هنا ليس بين التسامح والشجاعة، كما قد توحي بعض التصورات، بل بين التسامح بوصفه اعترافًا متبادلًا بالكرامة والحقوق، والاستعلاء بوصفه مطالبة الآخرين بالخضوع لمكانة مفترضة سلفًا.
لقد كشفت الحرب أن التسامح لا يعني الاستسلام، وأن الانفتاح لا يعني التفريط في الهوية، وأن المجتمع المدني ليس بالضرورة أقل قدرة على المقاومة من المجتمع الذي تمنحه العصبية القبلية أدوات للحشد والقتال. كما كشفت أن الفرد الذي اعتاد بناء حياته بجهده الخاص يستطيع أن يدافع عن حريته حين تصبح مهددة، وأن ضعف الإمكانات لا يعني بالضرورة ضعف الإرادة.
وهكذا تتهاوى الثنائيات التي بدت محسومة في المخيال الاجتماعي: المدنية ليست نقيض المقاومة، والتسامح ليس نقيض الشجاعة، والفردية لا تعني التفكك، ومحدودية السلاح لا تعني حتمية الهزيمة. وفي المقابل، لا يضمن الانغلاق تماسك المجتمع، ولا تمنح العصبية وحدها صاحبها حقًا في إخضاع الآخرين، ولا يتحول التفوق العسكري تلقائيًا إلى قدرة على كسر إرادة مجتمع يقاتل دفاعًا عن وجوده وكرامته.
ولعل الأهم أن هذه المعاني لا يشترط أن تكون حاضرة في وعي كل من يقاتل أو يقاوم بصياغاتها الفكرية الواضحة. فالمجتمعات لا تتحرك دائمًا وفق نظريات مكتملة، ولا يحتاج الناس إلى تسمية القيم التي يدافعون عنها حتى يقاتلوا من أجلها. قد لا يرى أبناء تعز في مقاومتهم سوى دفاع عن مدينتهم وبيوتهم وحريتهم، لكن هذا الدفاع يحمل، في مستواه الأعمق، دلالات تتصل بطبيعة المجتمع الذي يريدون العيش فيه، وبنوع السلطة التي يرفضون الخضوع لها.
من هنا، لا تكمن خصوصية الحرب في تعز في أن المدينة أقوى عسكريًا من خصمها، ولا في أنها تمتلك من الموارد ما يجعل السيطرة عليها مستحيلة، بل في أن حسابات القوة اصطدمت بعوامل لا تستطيع قياسها بالسلاح وحده. لقد راهن الحوثيون على اختلال موازين القوة، وعلى تصورات ترى في المدنية لينًا، وفي التسامح ضعفًا، وفي غياب العصبية القبلية نقصًا في القدرة على القتال. لكن تعز، بصمودها، كشفت أن هذه التصورات ليست قوانين تحكم المجتمعات، وأن ما يبدو ضعفًا وفق معيار القوة المادية قد يتحول إلى مصدر صلابة حين يتعلق الأمر بالدفاع عن الحرية والمساواة وحق الناس في تقرير مصيرهم.
إن الحرب في تعز، بهذا المعنى، ليست مجرد معركة بين طرفين على مدينة، بل مواجهة بين منطقين للحياة والسلطة: منطق المواطنة في مواجهة الامتياز السلالي، والعلم في مواجهة توظيف الجهل، والتسامح في مواجهة الاستعلاء، وحرية الفرد في مواجهة الوصاية. وهذه هي الدلالة التي تمنح صمود تعز خصوصيته، وتفسر لماذا لم يكن التفوق العسكري وحده كافيًا لإخضاعها.
نقلا عن صفحة الكاتب على 'فيسبوك'