مقالات
من النوائحية إلى الاستبسال : فجوة الوعي المحلي في مجابهة الحوثية
عندما تتوقف النخب السياسية والثقافية اليمنية عن النظر إلى الحوثية/الحوثنة بوصفها فكرة سيئة طارئة (يمكن غض الطرف عنها أو تجاوزها بالتجاهل والصمت العقابي) أو قضية ميتافيزيقية (عصية على العقلنة والإدراك والأرخنة)، وتنظر إليها بوصفها بنية وأيديولوجيا تاريخيتين، فإنها ستدرك، أولًا:
- أن جوهر الخلاف بين الحوثية وخصومها ليس مجرد تباين في الفهم والتأويل، أو درجات متفاوتة من التقدير تجاه الشأن العام وتوزيع المصالح، وإنما هو، كما تفصح عنه الأيديولوجيا الحوثية، نتيجة تصورات فوقية يترتب عليها بناء اجتماعي وثقافي وروحي يقوم على مراتب: أعلى وأدنى، كفؤ وبلا معنى، طاهر ومدنس، ولي وولاية، متبوع وتابع، وصاحب حق مطلق إلهي وآخر مجرد منه محكوم بالتبعية والاستسلام. وهذه الفوقية تقتضي ألا يكون وجودها إلا بسحق الآخر.
- عندها فقط يمكن، ثانيًا، إدراك الصراع خارج إكراهات المواقف والتكتيكات الآنية، وفهم طبيعته وامتداداته، وتقدير كلفة تماديه والثمن اللازم لمجابهته، ومن ثم توفير التعبئة المادية والمعنوية اللازمة لحسمه وتسويته على نحو يؤسس لسلام قابل للاستمرار.
المشكلة الآن تكمن في أن الوعي العام قائم على تداخل إدراكين متباينين لطبيعة الصراع:
الأول محلي، وهو مشتت ومتنوع المراجع إلى درجة أنها لا تتقاطع تاريخيًا، بسبب انغلاقها على تاريخها الضيق، ومن التشرذم الهوياتي العاجز عن العبور إلى الهوية الجمعية وتحدياتها، وهو في أحسن أحواله وأفضل نسخة تشكلت عبر عقد من الصراع، وبواقعية، يرى حتمية الصراع انطلاقًا من نتائج وجودية تتصل بطبيعة الدولة والمجتمع ومستقبلهما؛
والثاني خارجي، (اقليمي ودولي) يرى حتمية الصراع من زاوية صفقاتية، تحكمها حسابات المصالح والتوازنات وإمكانات التسوية.
وهذان الإدراكان لا يختلفان فقط في تفسير الصراع، بل إنهما يحددان، بدرجات كبيرة، مستويات إمكانات السلام، وأفق انتهاء الحرب، والأسس التي يمكن أن تُبنى عليها دولة ومجتمع في اليمن.
عجز النخب المحلية عن بناء سردية يمنية متماسكة تفسر طبيعة الصراع وأسبابه ومآلاته، وتقرأه من داخله وفي سياقه، ومقتدره على تصدير سردية مقنعة تخاطب الاخر من داخل مرجعيته السياسية والفكرية والقانونية يجعلها عرضة لغلبة الإدراك القادم من الخارج، بما يحمله من اختزال للصراع في ترتيبات وصفقات، بدل النظر إليه بوصفه صراعًا على طبيعة الدولة والمجتمع ومصادر الشرعية فيهما.
تشكلت خلال الفترة الماضية عناصر لرواية ما دون سردية، واكتنفتها عيوب كثيرة، منها المفارقة بين الخطاب المُصدَّر ووقائع المعارك البينية بين مكونات المعسكر المناهض للحوثية. وبذلك، كانت أولوية القضاء على الخصم ـ الرفيق أعلى من أولوية إدراك المخاطر الحوثية.
ومنها أيضًا أنها كانت رواية نوائحية، ارتكزت على تعظيم المخاوف، ولم تقدم خطابًا مقاومًا وثابتًا؛ فأصبحت مستضعفة لا يُعوَّل عليها، وبدت هشة وغير خليقة بخوض الصراع.