رأي
هل اعتاد الناس الحوثي؟!

الأقسى من المأساة هو الاعتياد عليها، تراجع الحساسية للألم كلما اشتد؛ لأنك تفقد التعاطف مع الآخر، بل مع نفسك، الاعتياد هنا ليس بالأمر الفطري أبدا، لكنه حيلة نفسية، هروب واستسلام، رغبة في خدر ومسكن مؤقت.
سنقفز قليلا على الآخر أيا كان، ربما تطغى مأساتنا على مأساته، لكن ماذا عن مصائبنا نحن؟ ماذا عن ضياعنا؟ هل يمكن أن يصبح أمرا جانبيا! لا يعنينا!
"يوشك الأمر مع الأحداث الأخيرة في البلاد أن يصبح كذلك، بكوا في أول الأمر، ثم تعودوا، الإنسان يعتاد على كل شيء، يا له من كائن حقير"، قال بوكوفيسكي.
مرحلة فقدان التعاطف مع أنفسنا، الملل حد البحث عن شيء تافه لإحالته إلى دهشة، التجديد به واعتباره تفصيلا يستحق الاحتفال، أو طبيعيا في حياة طبيعية، وليس كذلك كما ليست كذلك.
تقف أمام أحدهم متناسيا سنوات وسنوات من الكوارث، جرائم تحدث إلى جواره إن لم تكن مسّته في صميمه، لا تعرف بأي لغة تخاطبه ببديهيات، هذي الجثة جثتك، الجرح جرحك والنزيف من أوردتك، ليست قصص أطفال مكررة، ولا نصوصا تراجيدية من التاريخ، إنه حاضرك ومستقبلك، إنها حياتك يا عزيزي.
أيصير دمك بين عينيك ماء، أتلبس فوق دمائك ثيابا مطرزة بالقصب؟ مع الاعتذار لدنقل عن التحوير.
تلازمني الحيرة هذي منذ أسبوع، حيرة أن لا تجد طريقة مفيدة لتذكيرهم بشيء مما يحدث، ربما يحتاجون إلى التعامل معهم كمرضى، كمخدرين، يجب أن يُصدموا، وبما أن الخراب حوّلهم فقد لونه، وبات كل شيء أخضر، تبدو الحاجة ملحة إلى جولة خارج الديار، إلينا هنا مثلا، في "فيصل" القاهرة، "الدقي" ومشافي العاصمة المصرية، ملامسة الدّم، طريا كما كان، جولة كافية لإعادة اليمني إلى الشعور من أوله.
مرور عابر أمام عشرات الجرحى، مشلولون، يجرون أحلامهم وبلادهم بعكاكيز وأطراف صناعية، ومن فعله بهم العدو ذاته، الحوثي بجريمة دفاعهم، دفاعي ودفاعك، عن قرانا وبيوتنا ووطننا.
يحتاج البعض إلى التركيز علينا، صغار من تهامة أكل الحوثي أقدامهم، شباب بلا إقامات في طوابير مكاتب الأمم المتحدة يشحتون أوطانا، طردوا دون رحمة، نُطرد كل يوم، نجوب شوارع غير المنكسي الرؤوس.
هنا يا رفاق، في تفاصيل أيامنا، في هذي المدينة المخنوقة، لم تتغير الأسماء أو تبهت، خارج وطنك لن تنسى أنك مظلوم مشرد، وأن ثمة من تسبب في طردك وسحق أحلامك بحياة على ثرى بلادك.
هنا لا يزال الدم دم، الضحايا ضحايا، السجن سجن، والحوثي هو ذاك الحوثي، مجرما ولو ألقى علينا التحية لقلنا لستَ مؤمنا.



