تقارير
استمرار جريمة الإخفاء القسري في اليمن.. الأسباب والآثار؟
تشكِّل ممارسة الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، بموجب الاتفاقية الدولية، لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري، وحين تُوصف ممارسة ما بأنها جريمة ضد الإنسانية فهذا يعني أنها جريمة "لا تسقط بالتقادم".
لا يمكن حل مشكلة مؤلمة بهذا القدر من الانتشار، دون ضغط دولي كافٍ على جميع الأطراف المتحاربة في اليمن، للكشف عن المخفيين قسراً وإطلاق سراحهم بصورة عاجلة.
يُعد توثيق جرائم الإخفاء القسري الخطوة الأولى لحفظ حقوق الضحايا وإثبات قضاياهم؛ تمهيدا لمحاسبة المسؤولين عن ارتكاب هذه الانتهاكات ومعاقبة المجرمين.
- آثار كارثية
يقول رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، توفيق الحميدي: "إن جريمة الإخفاء القسري تعد انتهاكا للقانون الدولي بشكل عام، وللقانون اليمني المحلي بشكل خاص".
وأوضح: "جرائم الإخفاء القسري أصبحت من الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، والتي أوجبت اتفاقية مناهضة الإخفاء القسري، على الدول الموقعة عليها، فتح تحقيق وتحريك قضايا ومحاكمة من يرتكبون هذه الجرائم، فوق أي أرض، وتحت أي سبب".
وأضاف: "جريمة الإخفاء القسري من الجرائم العالمية؛ لأن لها آثارا كارثية على الإنسان والمجتمع، لأنها انتهاك لحق الحياة وحجز للحرية، والحرمان من الدفاع، وتشريد الأسر، والقلق النفسي، والإصابات الجسدية وغير الجسدية".
وتابع: "نحن في اليمن -للأسف الشديد- لم توقع الحكومة اليمنية حتى هذه اللحظة لا على اتفاقية الإخفاء القسري، ولا على ميثاق روما، وهذا عيب كبير، جعل حملة أين هم؟، التي تتبناها منظمة سام، وتتبنى بدرجة أساسية دعوة الحكومة الشرعية إلى التوقيع على هذه الاتفاقيات".
وأشار إلى أن "الدستور اليمني يحرِّم الاحتجاز في غير الأماكن الخاضعة لقانون تنظيم السجون لعام 1998م، وأيضا هناك قانون للاختطاف وردت فيه عقوبات مشددة بالسجن تصل إلى 40 سنة لمن ثبت قيامه بالمشاركة في أعمال اختطاف".
وبيّن: "جرائم الاخفاء القسري، التي نحن اليوم بصددها، دائما ترتبط بقضايا صراع سياسي وصراع مسلّح، لذا تخرج من كونها جريمة في الإطار الفردي إلى جريمة مجتمعية، ويكون هنا من حق المجتمع أن يعرف لماذا أخفي هؤلاء الأشخاص، وأين أخفوا، وماذا تعرضوا له أثناء الإخفاء؟".
وأضاف: "نحن في اليمن لم تحدث مسامحات سياسية سابقة، وحتى اليوم لا تزال هناك نعاني من الإخفاء القسري، سواء الإخفاء الذي تم في 1979م، أو في 1986م، أو قبل ذلك في فترة الصراع السياسي، وكثير من الدول تجعل من أماكن الإخفاء القسري أشبه بمتاحف أو حفظ للذاكرة، تزورها الأجيال لتعرف حجم الجرائم التي ارتكبت في فترة سياسية معينة، وتسعى جاهدة لعدم تكرارها، وهذا ما يجب أن يحدث في اليمن".
وأفاد بأن "المؤسسة القضائية المحلية هي المعنية بالتحقيق في مثل هذه الجرائم، لكن -للأسف الشديد- لم تعد هناك أي مؤسسات قضائية أو قانونية محايدة يمكن الاعتماد عليها في مثل هذه الحالة، لأن جميع أطراف الصراع في اليمن متورِّطة في الإخفاءات القسرية، سواء مليشيا الحوثي، أو المجلس الانتقالي، أو المقاومة الوطنية في المخا، أو قوات الحكومة الشرعية في مأرب أو تعز، البعض منهم مخفي منذ ست سنوات".
- إخفاء وابتزاز
يقول الصحفي المدافع عن حقوق الإنسان، عصام بلغيث 'وهو مختطف سابق لدى مليشيا الحوثي-: "الاخفاء القسري، الذي تعرضت له أنا وزملائي في سجون مليشيا الحوثي، استمر لأكثر من سنتين متفرقتين، بين خمس سنوات ونصف من الاختطاف، وهناك من الزملاء من اختطفوا لسبع سنوات ونصف، وأخفوا لأكثر من ثلاث سنوات، وكانت فترة الإخفاء هي الأقسى والأمَر علينا داخل تلك السجون".
وأوضح: "المخفي قسرا يشعر داخل السجن بأن العالم تخلى عنه، ولم يعد يأبه لإنسانيته، ولا يراعي لأبسط حقوقه، وهي الحرية، التي خُلق كل إنسان في هذه الحياة يمارس حياته حرا".
وأضاف: "مليشيا الحوثي صادرت حرية الآلاف من المدنيين المختطفين، الذين يعيشون قصصا مأساوية، فهناك الآلاف ممن يعيشون في بدروم الأمن والمخابرات بصنعاء تحت الأرض، ما كان يسمى بسجن الأمن السياسي، ولا أحد يعلم أين هو".
وتابع: "كانوا يحاولون التعرف علينا لكن لا فائدة؛ بسبب الإجراءات المشددة التي تفرضها مليشيا الحوثي، في السجون الانفرادية، وعدم احتكاك أي سجين بآخر حتى لا تخرج أي معلومات عن وجود فلان داخل تلك المختطفات".
وأردف: "كنا شهودا على حالات الانتحار التي لجأ إليها بعض المختطفين؛ نظرا لسوء التعامل، وانسداد الأفق أمام عينيه في تلك المختطفات، وعلى جرائم ارتكبت بحق المختطفين المدنيين".
وزاد: "الإخفاء القسري عقوبة مؤلمة على الشخص المخفي، وعلى أسرته، فبعد خروجنا من السجون عرفنا من أسرنا حجم المعاناة التي كانت تعانيها أثناء البحث عنا، وعمليات الابتزاز التي كانت تتعرض لها مقابل الوصول إلى أي معلومة عن ابنها".
وأشار إلى أن "المختطف وأسرته يعيشون في فترة الإخفاء القسري رهن المجهول، والبحث عن الحقيقة، وتمارس المليشيا في تلك الفترة أبشع صور الابتزاز؛ سواء بحق المختطف أو بحق عائلته خارج السجون".
ولفت إلى إن "اليمن يمر في أسوأ مرحلة على مر التاريخ، وفي أسوأ حالة إنسانية على مستوى العالم، حيث لا تأبه مليشيا الحوثي بمعاناة المختطفين والمخفيين، وإن كانت هناك حالات اختطاف وإخفاء تمارسها بعض الأطراف إلا أن مليشيا الحوثي تظل هي الطرف الأبرز والأكثر انتهاكا لحقوق الإنسان، لا سيما في جرائم الاختطاف والإخفاء القسري".