تقارير

"الخانات السلطانية" .. أقدم منشآت فندقية تروي تاريخ التجارة

11/01/2021, 18:51:31

قناة بلقيس – حسان محمد

في قلب المدينة القديمة، ما تزال سمسرة "وردة" فاتحة أبوابها لاستقبال زوّرها الذين يأتون لتنفس عبق التاريخ، والاستمتاع بجلسات الأصدقاء، والخدمات التي اعتادت على تقديمها للضيوف من مئات السنين. 

وعلى الرغم من توقف خدمات الإيواء، التي ارتبطت بالمكان، ما يزال أحفاد مؤسسها الأول يستقبلون الوافدين في "البهو" بالابتسامة والترحاب، ويعدون لهم أكواب الشاي والقهوة، ووجبات الطعام.

سمسرة "وردة" واحدة من 30 سمسرة شُيّدت في صنعاء القديمة، أحد مواقع التراث العالمي، كما صنّفتها منظمة "اليونسكو" في العام 1968، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من 2500 سنة، لتقدّم خدمات تصبّ، في مجملها، في خدمة السوق.

 خدمات فندقية

مع التطوّر الحضاري، وظهور الإنتاج الحرَفي، ونمو التجارة وتبادل السلع، كان لا بد للمدينة العريقة أن تأخذ مكانتها، وتواكب هذا التحوّل، وبدافع الحاجة ظهرت "السماسر" أو ما كان يطلق عليها بـ"الخانات السلطانية"، كأول منشآت تقوم بوظائف اجتماعية واقتصادية من نوعها.

وزادت أعداد "السماسر" بمرور الوقت، وتوسعت خدمات الإيواء للمسافرين والتجّار، وحفظ المتاع والبضائع والراحة، والتزويد بالمؤن لمواصلة السفر والترحال.

وبحسب المركز الوطني للمعلومات، فقد توزّعت مهام "السماسر" على أربع وظائف رئيسية، وفقاً للخدمة التي تؤديها، فمنها: مخازن للبضائع الموجودة في سوق صنعاء والوافدة من خارج المدينة، مثل سمسرة "العقود"، التي يقع في محيطها اليوم سوق "المنجارة"، وسوق "المنقالة".

وقامت "السماسر" بدور المصارف والبنوك حالياً، في تبادل العُملات الفضيّة والذهبية والنقود، مثل: سمسرة "محمد بن الحسن"، وكان بعضها مأوًى للمسافرين والتجار، واستقبال الزوّار وهو ما يشبه وظيفة الفندق، مثل سمسرة "سمينة". 

وتخصصت بعض "السماسر" بتجارة أصناف معيّنة من السلع، مثل: سمسرة "الشامي"، التي خُصصت لبيع البن اليمني ذي الشهرة العالمية، وسمسرة "الزبيب" (جمرك الزبيب)، والتي ما تزال حتى اليوم تبيع أغلب أنواع الزبيب اليمني المعروف بجودته.         

تناسق الفن المعماري

تتفاوت "السماسر" في البناء، ما بين الطابق إلى الخمسة طوابق، إلا أن الفن المعماري لا يختلف فيما بينها، أو عن عمارة صنعاء القديمة، وإن اختلفت في الغرض التجاري، وتراعي جميعاً في تصميمها أن تكون محاطة بفناء يسمح بتقديم خدمات للزوّار،  بحسب المهندس خالد عيسى، مدير "إدارة التدريب" في مركز التدريب المعماري التابع لهيئة "الحفاظ على المدن التاريخية".

وبُنيت معظم "السماسر" من الأحجار الترابية، واستُعملت مادة "الياجور" لزخرفتها، وتزيين الطوابق العلوية، فيما تستمد الضوء من خلال فتحات صغيرة في السقف أو في الجوانب، وصُممت بهذه الطريقة تلافيا للبرد الشديد الذي تشهده المدينة.

ويُخصص كل دور من الأدوار لغرض أو لأكثر، قد يصل عدد الغرف في الدور الواحد إلى  أكثر من 16 غرفة، وعادة تكون السمسرة ذات مدخل واحد، ليتسنّى مراقبة ومعرفة الداخل والخارج.

وتقسم دراسة، للمهندس محمود قحطان، "السماسر"، من حيث الحجم والتخطيط المعماري، إلى "سماسر' كبيرة، وتظهر في منطقة السوق واضحة لكُبر وارتفاع مبانيها، مثل سمسرة "محمد بن الحسن" و"النُحاس"، أو "سماسر" صغيرة مثل: "سمسرة الحوايج، ويحيى بن قاسم"، وغير مرتفعة، ولكنها متسعة المساحة، وتقوم بعمليات الضبط والوزن للبضائع مثل: سمسرتي "الميزان" و"الزبيب".

وشُيدت "السماسر" بالقرب من الأسواق، كونها تهدف إلى خدمة التجارة، وتسهيل أعمال التجار، ومن أهم منشآتها سمسرة "محمد بن الحسن"، التي تنسب إلى بانيها الأمير محمد بن الحسن عام 1656م، وتعد أكبر "سماسر" المدينة، حيث تتكون من خمسة طوابق، وتطل واجهتها الرئيسية على مركز السوق شمال المدينة، ولها فناء وسطي مفتوح يعد الأكبر مقارنة ببقية "السماسر" الأخرى.

واشتهرت السمسرة حينها بالرقيّ الفني والمعماري، وقدمت خدمة الإيواء للتجار والمسافرين، وصممت لتكون أيضا: مستودعاً للتجار، وخزانة الأموال، والبضائع الثمينة، والمدخرات النفيسة من الذهب والفضة، كما يقول المهندس عيسى  لـ"بلقيس".

وظائف مندثرة

عند الدخول إلى سمسرة "الميزان"، لا ترى سوى الفوضى، والأشياء المتناثرة تسود المكان، وبقايا سلسلة ميزان صغيرة متدلية من سطح غرفة صغيرة متصلة بالبهو. 

وبألم وحسرة، يقول محمد على دحروج (حفيد وابن آخر القائمين على السمسرة والوزن) لـ"بلقيس": "انتهت وظيفة السمسرة بظهور الميزان الحديث، ولم يعد فيها إلا طاحونة وبضعة عاملين فيها".

 هذه "السماسر" مثلت حينها حلقة أساسية من حلقات حركة التجارة والقوافل، وصارت مقاصد سياحية وتعليمية، وازدهرت مع مرور السنوات، لكنها -في الوقت الحاضر- لم تعد تؤدي وظائف الخزن والإيواء، وأصبح بعضها مراكز لتطوير الحرَف اليدوية، ومدارس لتعلم فن صناعة "العقيق"، والفضة والنسيج، ونحت الأخشاب ودباغة الجلود.

ومن "سماسر" الإيواء الكبيرة، التي تمثل أنموذجا للتحول، سمسرة "النُحاس" الواقعة جنوب سوق صنعاء، بالقرب من "باب اليمن"، والمكوّنة من أربعة طوابق، ويرجع تاريخها إلى 1752م، والتي باتت تُعرف - بعد ترميمها- بـ"المركز الوطني للحرَف التقليدية اليمنية"، وتحولت إلى محال تجارية تباع فيها المشغولات التي يتم إنتاجها من قبل المتدربين، وسمسرة "المنصور" التي تسمى حاليا "المركز الوطني للفنون"ً.

المصدر : غرفة الأخبار
تقارير

حرب ثقافية بنفَس طائفي.. كيف تتشكل هُوية جيل جديد في مناطق سيطرة الحوثيين؟

تشتمل الحرب الثقافية على العديد من الإجراءات منها: التدمير الممنهج للتعليم ونهب رواتب المعلمين وإجراء تغييرات على المناهج وإلزام المدارس الأهلية والجامعات الحكومية والأهلية بتدريس مواد جديدة تركز على تدريس الفكر الطائفي الذي ينشر الكراهية داخل المجتمع ويحرّض على القتل وتمجيد ما تسمى "السلالة الهاشمية" ورموزها وقتلاها

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.