تقارير
"اللجنة الخاصة".. قصة اختراق السعودية للسيادة اليمنية
مثلت ما تسمى "اللجنة الخاصة" ذراعا للسعودية في التحكم بشكل المشهد السياسي في اليمن، منذ ما بعد ثورة سبتمبر، في ستينيات القرن الماضي، وأصبح نفوذ "اللجنة الخاصة" وضخ المال السياسي في اليمن أداة لتوجيه السياسات والنّخب السياسية والاجتماعية.
الوثائق، التي حصلت عليها قناة "بلقيس"، كشفت جزءا من هذا الدور الذي تقوم به "اللجنة الخاصة" في اليمن، في سلوك يتجاهل سيادة البلد ويدوس القوانين والأعراف بين الدول، وبالمقابل يكشف عن ضحالة النّخبة اليمنية وتهافتها على المال الخارجي.
إلى ما قبل 2011، كان مخطط السعودية يمضي في اليمن بشكل مستقر، حيث كانت تدفع "اللجنة الخاصة" أموالا شهرية لآلاف السياسيين ومشايخ القبائل والفاعلين في مختلف المجالات، ابتداء من رئيس الجمهورية وحتى أصغر شيخ قبلي.
"السعودية وثورة الشباب"
وعن كيفية تعاطي السعودية مع "ثورة الشباب"، يفيد الكاتب والناشط السياسي، محمد المقبلي، أن ملف ثورة 2011، ومن خلال هذه الوثائق، يعد ملفا حساسا لا يقل أهمية عن ملفات كثيرة في البلد؛ كونه يرتبط بثورة الشباب السلمية أو "ثورة الاستقلال"، والتي لا تقل أهميتها عن مواجهة الانقلاب الإمامي الهاشمي، على حد قوله.
وأضاف المقبلي، خلال حديثه لبرنامج "المساء اليمني" على قناة "بلقيس"، مساء أمس، "كنت متابعا لثورة 2011، وكتبت حينها مقالا بعنوان 'حمالة الحطب'، وقلت فيه إنه يجب تغيير السياسة السعودية تجاه اليمن، وذلك بتحويل اللجنة الخاصة إلى لجنة عامة تهتم بوجود دولة يمنية وطنية".
ويفيد المقبلي أنه تلقى اتصالا من السفارة السعودية بعد كتابته للمقال، وأنهم أكدوا له أنهم مع التغيير، كما وعدوه بتحويل الدعم للشباب والقوى المدنية.
ويشير المقبلي إلى أن "السعودية، ونتيجة لإيمانها بالتغيير في البلد، قدمت المبادرة الخليجية، وكان من المصلحة حينها أن يكون التغيير منسجما مع الجوار الإقليمي".
وبخصوص ما إذا كانت الوثائق تبين الهيمنة السعودية وتسييرها لكل الشؤون اليمنية، يقول المقبلي: إن "الحقيقة المُرة هي أن السعودية هي من تدير الوضع في اليمن بشكل عام".
ويضيف: " قرأت في عام 2005 وثيقة نُشرت في جريدة القدس اللندنية، أن هناك ثلاثة وأربعين ألفا من عملاء اللجنة الخاصة، وهذا يعد أكبر طابور عملاء في العالم".
ويوضح أن "الإشكالية الخاصة أنه يتم التعامل مع رئيس اللجنة الخاصة كرئيس فعلي لليمن في الملفات الحساسة، التي تضر بالبلد، والتي كان يجب أن تتولاها الدولة اليمنية، كالتوغل الإيراني في الشمال والجنوب".
وحول الدور الذي مثلته المبادرة الخليجية لليمنيين، يقول الكاتب والمحلل السياسي، ياسين التميمي: "إن المبادرة الخليجية مثلت مخرجا سياسيا لكل الأطراف؛ كون القوى السياسية التي تحولت إلى حامل سياسي لثورة التغيير تدرك مدى قوة الخصم (صالح) في جيشه وولاءاته، كما أنها كانت تدرك أن ثمن الانتقال السياسي بدون المبادرة الخليجية سيكون باهظا".
ويضيف التميمي موضحا: "جميع الأطراف السياسية اندفعت للقبول بهذه المبادرة، كونها مثلت إنقاذا لكل الأطراف، كما أن هذه النخب السياسية كانت منقادة للإرادة السعودية وإملاءاتها كذلك".
ويوضح التميمي أن "ثورة الشباب كانت قد بلغت مداها، وخاضت جولات من الصراع، وبعضها مسلحة أحيانا مع نظام صالح، إلا أنه ورغم ذلك اندفع القادة السياسيون بشكل كبير نحو تسوية سياسية تنجز تغييرا بنصف ثورة، كما أنها تنجز تغييرا بنصف إرادة سياسية كذلك".
"ترهل وانقسام"
وتطرق التميمي إلى تعامل السعودية مع الملف اليمني خلال المراحل السابقة، مشيرا إلى أنها كانت تتعامل مع اليمن كدولة تابعة لها وليست دولة جارة لها قرارها السياسي.
ويفيد التميمي أن "هذه الوثائق تثبت أن الكل كان يرفع التقارير ضد الكل، وأن السعودية نظرت باستعلاء للذين تتعامل معهم، أيضا شبكة الولاءات التي بنتها بان فشلها بنسبة 100٪".
ويوضح التميمي حجم الترهل الذي وصلت إليه السعودية في التعامل مع الشأن اليمني، والذي ضاعت معه الصرامة المعتادة في عهد الأمير سلطان، حد قوله.
ويشير التميمي إلى حجم انقسام الرؤى داخل الأسرة السعودية بخصوص الشأن اليمني، والذي نتج عنه تشتيت الموقف السعودي من الساحة اليمنية.
ويلفت التميمي إلى أن السعودية في 2011 لم تكن لديها أية استراتيجية واضحة للتعامل مع بلد مهم لها، والانفتاح على تغيرات كبيرة، وفي ظل توغل إيراني كذلك.
ويتابع: "كانت ميزانية الدولة اليمنية منذ الستينات تدعم من قبل السعودية وإلى الآن، كما أن المشايخ اليمنيين كانوا يستسهلون مسألة الحصول على اعتماد خاص من "اللجنة الخاصة"، كون الرئيس اليمني كان ملحقا بالإرادة السعودية قبلهم" .
ويزيد: "الدولة اليمنية كانت خاضعة للإرادة السعودية منذ فترة طويلة، كما أنه يمكن وصف هؤلاء الحكام والمعارضة وكذلك المشايخ وغيرهم بأنهم 'عملاء'، كون اليمن فقدت كرامتها وسيادتها، كما تفقد اليوم وحدتها ووجودها بسبب أدوار هؤلاء، من جميع أطياف الأطياف اليمنية".
ويؤكد التميمي أن "الموقف السعودي الثابت هو أن تبقى اليمن في حالة من الضعف، وكذلك أقل شأنا من السعودية دائما".