تقارير

المكفوفون في اليمن.. تحديات قاسية ونماذج ملهمة

17/08/2026, 10:02:38
المصدر : رويترز ـ ريام محمد مخشف

تخيم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في اليمن بظلالها على مختلف فئات المجتمع في ظل حرب لا تنتهي وتصاعد الصراعات الإقليمية لكن ثمة فئات هشة تكابد مصاعب أكبر لكسب الرزق والحفاظ على حياة كريمة من بينهم ذوو الاحتياجات الخاصة الذين يسلك بعضهم طرقا غير تقليدية للتغلب على إعاقتهم.

من بين هذه النماذج، فني إصلاح الأجهزة الكهربائية الكفيف لطفي عبد الرحمن (52 عاما) الذي يعيش في مديرية المنصورة ​بمحافظة عدن في جنوب اليمن وبرع منذ سنوات في إصلاح الغسالات والأجهزة المنزلية، مستخدما حاستي اللمس والسمع لاكتشاف الأعطال بدقة شديدة تضاهي المبصرين، حتى أنه حول جزءا من منزله إلى ‌ورشة عمل صغيرة لتوفير مصدر دخل له ولشقيقيه المكفوفين أيضا.

وداخل ورشته، يجلس عبد الرحمن وقد طوى قدميه تحته وأمامه غسالة معطوبة أزيل عنها الغطاء الخلفي، لتبدأ أصابعه في التحرك وسط أسلاكها بسرعة وسلاسة، فيمسك سلكا، يقربه من أذنه، يهز رأسه ثم يتركه ويمد يده نحو سلك آخر، ثم يقول بنبرة واثقة "هذا سلك أحمر، وهذا أزرق، وهذا الأرضي"، وحين تسقط منه قطعة معدنية يمرر مغناطيسا صغيرا على الأرض حتى يلتقطها ثم يبتسم منتصرا.

وحكى عبد الرحمن لرويترز أنه بدأ تعلم مهارات الإصلاح من والده الذي توفي ​مبكرا، وكانت البداية في تعلم السباكة وإصلاح الغسالات الكهربائية ومولدات المياه، ثم في مرحلة لاحقة، انتقل للعمل في ورشة يملكها شخص آخر، وهناك ذاع صيته، ومنذئذ وهو يعمل في هذا المجال.

فقد عبد ​الرحمن بصره بسبب ضمور في شبكية العين، وكذلك شقيقته الكبرى نجوى (54 عاما)، أما شقيقه محمد (53 عاما) فقد توقف عن العمل بعد أن أقعدته جلطة دماغية عن الحركة، ⁠وجميعهم فقدوا البصر في سن مبكرة نتيجة لعوامل وراثية.

وقال إنه سعى من قبل للحصول على عمل حكومي منتظم لضمان دخل ثابت لكن طلبه قوبل بالرفض بسبب إعاقته، مؤكدا رضاه عن حاله "أشعر بطيبة الجميع ممن التقي بهم، ​حتى أصبح الناس يعرفونني، ويأتون إلى ورشتي من مناطق بعيدة"، مشيرا إلى أنه أحيانا يذهب إلى حيث الأجهزة المعطلة لإصلاحها عندما تقتضي الحاجة.

 تعاضد المكفوفين

تشير أحدث التقديرات والبيانات الحكومية وتلك الصادرة عن المنظمات التابعة للأمم المتحدة ​إلى أن عدد ذوي الاحتياجات الخاصة في اليمن ما بين 4.5 مليون إلى خمسة ملايين شخص، أي ما يعادل نحو 15 إلى 16.6 بالمئة من إجمالي السكان البالغ عددهم 40 مليونا، بينهم مصابون بإعاقات خلقية، وآخرون نتيجة الحرب.

ويُقدر عدد المكفوفين وفاقدي البصر كليا في اليمن وفق أحدث التقارير والمؤشرات الدولية لعام 2026 نحو 125237 كفيفا وكفيفة، أي بنسبة تقارب 0.9 بالمئة من السكان، عشرة آلاف منهم فقط يستفيدون من خدمات المراكز الخاصة بتعليم وتأهيل المكفوفين، وفق تصريح سابق لرئيسة جمعية الأمان لرعاية الكفيفات ​بصنعاء، فيما تشير التقديرات المحلية والجمعيات وإحصاءات غير رسمية من الجمعية اليمنية لرعاية وتأهيل المكفوفين إلى أن عددهم ربما يصل إلى نصف مليون، بينما يتجاوز عدد من يعانون من ضعف البصر الحاد الجزئي حاجز المليون.

ورغم تباين ​الأرقام وصعوبة الأوضاع فإن بعض المكفوفين في اليمن لم ينجحوا فحسب في النجاة بأنفسهم ومن يعولون، بل استطاعوا مد يد العون إلى نظرائهم ممن يبحثون عن فرصة لحياة أفضل.

تروي الأخصائية النفسية عبير علي منصر محسن (35 عاما) كيف انهارت عندما ‌فقدت بصرها فجأة ⁠أثناء ممارسة عملها، قبل أن تخضع لجلسات تأهيل ساعدتها على تجاوز الصدمة والعودة للعمل بمنصب إداري، ما دفعها إلى تأسيس كيان مستقل لمساعدة الفتيات الكفيفات.

وقالت لرويترز إنها واجهت صعوبات عند إنشاء (جمعية الوفاء لرعاية وتأهيل الكفيفات) عام 2024، لكنها أكملت مشروعها حتى وصل عدد المستفيدات من خدمات الجمعية من 60 إلى 130 كفيفة.

وبينما تبدي سعادتها بمساعدة الأخريات على تجاوز حاجز الإعاقة، بل وحصول بعض المنتسبات للجمعية على درجات علمية مرموقة، تشكو عبير من ضعف الموارد وغياب ضمانات الاستمرارية قائلة "الجمعية بمقر ثابت، لكن بلا ميزانية تشغيلية، بلا عقود عمل رسمية".

أما محمد خالد العماري (39 عاما) فهو كفيف يعمل في ثلاث جهات، صندوق المعاقين في المركز الرئيسي بعدن، وجمعية المكفوفين، ومصلحة الهجرة والجوازات والجنسية ​الحكومية لكن يدرك ضرورة تعاضد المكفوفين فأسس عام 2023 "منصة ​عدن الإعلامية لذوي الإعاقة".

وقال العماري لرويترز إن الفكرة ⁠جاءته بعد ملاحظة أن مجلة خليجية كانت تغطي أخبار المعاقين اليمنيين تراجعت تغطيتها بشدة بعد 2015، فسأل نفسه "لماذا لا تكون هناك منصة يمنية خاصة بهم؟".

ويدير العماري المنصة ويكتب موادها عبر برامج سمعية يشغلها على هاتفه الجوال، بأصابع تتنقل على الشاشة وآذان تمسك بالتفاصيل، بلا أي مساعدة بصرية بل بتطبيقات خاصة.

ورغم نجاح المنصة في توصيل صوت ​المعاقين للجهات الحكومية، يبدي العماري غضبه من غياب التمثيل الرسمي قائلا "مؤتمرات الإعاقة تعقد وتنفق عليها مبالغ كبيرة، لكن المعاق اليمني لا يحضر، بل يحضر المسؤول ​غير المعني غير المعاق".

 حق ⁠في الوظائف

في مواجهة شكاوى من غياب الدعم الحكومي، قال وزير الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا مختار اليافعي لرويترز إن صندوق رعاية وتأهيل المعاقين التابع للوزارة يقدم موازنات تشغيلية لنحو 57 جمعية ومؤسسة بمحافظات عدة في جنوب وشرق البلاد، بينها الجهات المعنية بالمكفوفين.

وأوضح أنه في ظل الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد تدرك الوزارة أوجه القصور وتعمل على تحديث اللوائح وقواعد البيانات، وتعزيز الرقابة، مشيرا إلى أن تطبيق النسبة المقررة قانونا لتوظيف الأشخاص ذوي ⁠الإعاقة سيسهم في ​تحويل الالتزامات القانونية والدولية إلى إجراءات عملية.

وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أصدرت تعميما في مارس آذار يُلزم كافة الجهات الحكومية وشركات القطاعين ​العام والخاص بتفعيل نسبة توظيف أصحاب الاحتياجات الخاصة التي تمثل خمسة بالمئة من إجمالي الوظائف الشاغرة في القطاعين العام والمختلط للحاصلين على شهادات التأهيل، في أول إجراء حكومي تنفيذي من نوعه منذ سنوات يهدف إلى دمج هذه الشريحة في سوق العمل.

وأكد اليافعي أن قضايا ​ذوي الإعاقة بمن فيهم المكفوفون تحظى باهتمام خاص ضمن برامج وخطط الوزارة، مشيرا إلى أن عددا من قصص النجاح الملهمة التي تزخر بها بعض جمعيات المكفوفين في البلاد جديرة بأن تُدرس.

 

تقارير

هل تستطيع السعودية تجنب حرب شاملة مع الحوثيين؟

لا تقدم سياسة التهدئة مخرجًا أسهل؛ ففي مواجهة أزمة مالية تركت رواتب القطاع العام دون صرف لسنوات، يضغط الحوثيون لدفع الأجور وإنهاء الحصار والتوصّل إلى اعتراف دولي. غير أن أي تنازل رئيسي من الرياض، مثل رفع القيود عن المجال الجوي والموانئ اليمنية، ينطوي على خطر منح الجماعة قوة سياسية وعسكرية أكبر. فالوصول غير المشروط إلى مواقع مثل مطار صنعاء من شأنه أن يسهل على إيران استمرار تسليح الحوثيين.

تقارير

بلومبرغ: السعودية توازن بين الدبلوماسية والخيار العسكري لاحتواء هجمات الحوثيين

وكالة بلومبرغ تقول إن المملكة العربية السعودية تسعى إلى احتواء الصراع المتجدد مع جماعة الحوثيين عبر كواليس الدبلوماسية، في محاولة لمنع الاشتباكات مع الجماعة المدعومة من إيران من الإضرار بقطاعها النفطي واقتصادها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.