تقارير
تحسن العملة اليمنية يرفع التفاؤل وسط تحديات اقتصادية مستمرة
خلال الأيام الماضية، شهدت العملة الوطنية تحسناً ملحوظاً في قيمتها، بعد عدد من الإجراءات المالية والرقابية، وهو ما رفع منسوب التفاؤل بخصوص أداء السلطة الشرعية في الملف الاقتصادي.
لم ينعكس هذا التحسن في قيمة العملة الوطنية حتى اللحظة على الملف الاقتصادي بشكل عام، فهذا أمر يحتاج إلى الكثير، إلا أن البعض يرى أن الخطوات التي تتخذها الحكومة حالياً، وجديتها في تنفيذ رؤيتها، قد تقود فعلياً نحو تحسن واضح في الاقتصاد.
- مشروع وطني لمجابهة الانقلاب
يقول الصحفي الاقتصادي محمد الجماعي: "عوامل تراجع وتحسن العملة في ظل الظروف الموضوعية والواقعية التي أدت إلى تراجعها بشكل مفاجئ ربما عند كثير من الجهات ستحدث أيضاً. ربما قد توفرت كثير من العوامل المؤدية إلى إسقاط مشروع الحوثي، وانتصار وحسم المعركة لصالح المشروع الوطني".
وأضاف: "ربما تحدث بالطريقة نفسها، وتتوافر العوامل دون تقدير الجميع أنها جاهزة، لكنها مثلما حدث في العملة سيحدث في عملية الانتصار للمشروع".
وأشار: "الحقيقة تقول إن مشروع الشرعية مشروع وطني لمجابهة الانقلاب وهزيمة الحوثي واستعادة الدولة، وهو مستمر ولم يتوقف".
ولفت إلى أن "كل يوم ننتصر في مجال ما، وهذا ليس تفاؤلاً؛ فالجيش وصل في 2016 إلى أعالي جبال نهم. أما معركة الاقتصاد التي تقودها الشرعية، والتي يراها الكثيرون بطيئة وربما إصلاحات متقطعة ومجزأة، فقد شهدت في المرحلة الحالية تعاون الجميع؛ جميع مكونات الدولة وأدواتها العسكرية والمدنية".
وأكد أن ذلك "أفضل بكثير من مشروع الحوثي وسياساته التي كان كثير من الناس يمتدحونها؛ لأن سعر العملة ثابت ومحدد، لكنها سياسة نشاز قائمة على القوة لا على العوامل الاقتصادية والظروف الطبيعية للسوق والمستهلك، وهو ما أدى إلى انهيار كامل في المنظومة الاقتصادية الرسمية بصنعاء".
وأوضح: "أما منظومة الحوثي الاقتصادية وإمبراطوريته المالية، التي يحاول أن يسعى لتجهيزها لمواجهة فشله السياسي عبر منظومة اقتصادية وبصاعدين جدد وبيوت مالية تجارية جديدة، فهي تمضي على قدم وساق".
وبيّن: "نحن نعرف أن النفوذ الاقتصادي للمليشيات مدعوم بالأفكار والقوة والتعاون والشبكات المالية خارج حدود الدولة".
واعتبر أن "كل كلام جاء بعد تراجع العملات الأجنبية أمام الريال وتحسن قيمة العملة الوطنية أعتقد أنه ليس تحليلاً اقتصادياً بقدر ما هو أجندات وطرح من قِبل المتضررين من عودة الريال إلى وضعه الطبيعي".
واستدرك قائلاً: "لا أقصد هنا المتضررين في مناطق سيطرة الشرعية، فهم أيضاً شاركوا في تثبيت هذا الوضع المتحسن، وأقصد بذلك المجموعات التجارية الكبيرة، المستوردين، وحتى تجار الجملة والتجزئة".
ووجّه الشكر للقطاع الخاص؛ "لأنه لم يحدث أي اصطدام، ولم تسجل أي حوادث رفض أو منع أو مواجهة لهذا التحسن"، حسب تعبيره.
ونوّه: "دائماً - مليشيا الحوثي - تتهم الحكومة الشرعية، وتضفي على كل نجاحاتها الصبغة الأمريكية والإسرائيلية، وهذا الأمر بالتأكيد تدخل خارجي".
وأردف: "كنت قد تحدثت -منذ زمن طويل- أن الخزانة الأمريكية والمالية الأمريكية، التي وضعت قوانين غسيل الأموال ومكافحة الإرهاب وضغطت على العالم كله للدخول في هذه الاتفاقيات، كان يفترض أن تتحرك منذ فترة طويلة، وليس الآن".
وأضاف: "عندما بدأ الحوثي بالسحب على المكشوف والسيطرة على موارد الناس ووضع اليد على أرصدتهم وتشريع القوانين، كان من المفترض أن يتحرَّك المجتمع الدولي".
وأكد: "هذا أمر مُهم جداً، فالتصنيف والعقوبات والتحرّكات الأمريكية، إن صحت الرواية المتعلقة بالاجتماعات مع البنوك في المملكة العربية السعودية، يجب ألا تُنسي الناس نضالات اليمنيين من البنك المركزي والحكومة والجيش والضغوط الشعبية والإعلام والمحللين الاقتصاديين والخبراء".
وأشار إلى أن "هؤلاء جميعاً ساندوا الخطوات الحكومية ووضّحوا للناس تفاصيل كثيرة، لأن الإسناد الشعبي في العقود الأخيرة يُساهم بشكل كبير في دعم السياسات الحكومية"، موضحاً: "وهذا ما فعله الحوثي واستخدمه ضد الحكومة في الفترة الماضية، إذ جعل الشعب يقف ضد كل قراراتها، وظل لسنوات يقول إن نقل البنك المركزي هو سبب الفساد والانقسام والعجز المالي".
ورأى: "في الحقيقة إن التدخل الخارجي له دور فيما حصل، لكننا نشهد أن البنك المركزي كان يخوض معركته وحيداً".
وتابع: "وعندما التمت الجهود وبدأت الحكومة تعمل في جميع الجوانب، شعر المواطن أن الثبات حقيقي".
ولفت إلى أن "القول إن هذا التحسن وهمي غير صحيح، ولو كان ارتفاعاً وهمياً لما انهار الحوثيون بهذا الشكل الواضح اقتصادياً".
وأوضح: "على البنك المركزي والحكومة محاسبة شركات الصرافة المتورطة في المضاربة، وكشف أسمائها وفرض عقوبات تشمل رؤوس الأموال وأقارب المالكين من الدرجة الأولى، مع حرمانهم من ممارسة النشاط المصرفي لسنوات".
ورأى أن "أي تهاون أو شراكة في هذه المضاربات يمثل خللاً كبيراً في عمل البنك المركزي ويضعف الثقة بالسياسات النقدية".
وبيّن: "شركات الصرافة لعبت في البداية دوراً وطنياً مهماً، خاصة بعد 2015، حيث ساهمت في الإغاثة وتحويلات المغتربين، لكن مع مرور الوقت تغولت وأصبحت تتحدى قرارات البنك المركزي، بل قامت مقامه في الاستيراد والتصدير وفتح الاعتمادات".
وأشار إلى أن "أرباحها تجاوزت أرباح القطاعات الإنتاجية، ما حوّل العملة الصعبة من وسيلة مساعدة إلى سلعة للبيع، بينما عجزت الحكومة عن ضبطها، فانتشرت شركات الصرافة على نطاق واسع دون انهيار أي منها".
- قد تؤدي إلى نشوء سوق سوداء
بدوره، يقول الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور عبد الوهاب العوج: "ما قام به البنك المركزي في عدن كلها إجراءات وسياسات نقدية تتعلق بإغلاق الصرافات، وتجفيف الأموال لدى الصرافين والشركات من خلال مجموعة من العوامل، بعضها قد يؤدي إلى نشوء سوق سوداء"، موضحاً "نحن في اليمن اقتصادنا حر ومفتوح، ولا يمكن التحكم به".
وأضاف: "إذا لم يكن هناك تغيير في السياسة المالية والاقتصادية بشكل مشهود وملموس خلال أقرب وقت، فالخوف كل الخوف من ردة عكسية كالمرتدة في مباريات كرة القدم".
وتابع: "حدث ذلك في لبنان بعد أن قام البنك المركزي والدولة بإجراءات، ورغم أن النظام المصرفي هناك أقوى من اليمن، حصلت انتكاسة، وما حدث في سوريا أيام النظام السابق، أو في ليبيا بانقسام البنك بين الشرق والغرب، رغم أنه بلد نفطي، كلها شواهد خطيرة".
وأردف: "في اليمن، 70% من موارد البلد كانت تعتمد على تصدير النفط الخام والغاز، كان لدينا منشأة بلحاف لتصدير الغاز، وكميات نفط كانت تصدر عبر رأس عيسى في البحر الأحمر، لكن التصدير توقف، وكذلك الإنتاج في قطاعات المسيلة وسيئون وغيرها".
وبيّن: "انهارت هذه الموارد تدريجياً حتى الحرب في 2015، حيث غادرت الشركات وتوقف المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، وزاد الوضع سوءاً مع استهداف الحوثي منشآت مثل الضبة والنشيمة وبلحاف".
وأوضح: "الأخطر أن مصافي عدن، التي كان لها دور كبير جداً في إمداد السوق بالمشتقات النفطية، تحولت إلى أداة للإثراء غير المشروع عبر حيتان النفط الذين يستوردون ويستخدمون إمكانيات الدولة في وزارة النفط ومصافي عدن وميناء البريقة"، مؤكداً "حتى الدولة لم تستطع أن تستلم الضرائب من هذا القطاع".
وأشار: "يمكن أن يتحسن الأداء إذا بني على سياسات نقدية، وإغلاق الصرافات، وتجفيف المال لدى المضاربين، وإيراد عوائد المنافذ الإيرادية إلى البنك المركزي، حينها سيتحسن سعر العملة".
ولفت إلى أن "سيكون هناك تحسن في الدورة النقدية إذا جرى تجفيف منابع الفساد، ومنع شراء الصفقات عبر حيتان الفساد، وإعادة تشغيل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وتحريك إنتاج 25 ألف برميل من النفط المكرر كما أعلن محافظ حضرموت، كلها خطوات في الاتجاه الصحيح".
وأضاف: "لكننا بحاجة إلى ما هو أكثر؛ أي استقرار للعملة يتطلب وصول البنك المركزي إلى 12 مليار دولار سنوياً، وهو أمر صعب دون إعادة تشغيل المصافي، وتصدير النفط والغاز، والسيطرة على الكتلة النقدية في مناطق الحوثيين، والتحول إلى نظام مصرفي إلكتروني موحّد".
ورأى أن "كل هذه الإجراءات ما زالت في إطار السياسة النقدية، ولم ننتقل بعد إلى تحسين الوضع المالي والاقتصادي العام".
وقال: "الحكومة قادرة على دعم هذا التحسن من خلال مصفوفة إجراءات، لكن إذا لم يصاحب هذا التحسن دعم اقتصادي حقيقي، إما من المانحين كالسعودية والإمارات، أو عبر استعادة تصدير النفط والغاز وتشغيل المصافي وسحب فاتورة المشتقات النفطية من كبار الحيتان إلى وزارة النفط وشركة النفط اليمنية، فلن يكون هناك استدامة".
وتابع: "هناك مناطق مثل تعز ومأرب لم يستلم موظفوها رواتب منذ تسعة أشهر أو أكثر، بينما في عدن تُصرف الرواتب أولاً بأول".
واستطرد: "هذا خلل كبير، كما ما زال لدينا عملتان ونظامان مصرفيان، وما زال الحوثي يسيطر على إيرادات ضخمة مثل الاتصالات والضرائب، لذلك يظل الخطر قائماً، والتحسّن هشّاً".
وبيّن أن "المعركة الاقتصادية لا تنفصل عن المعركة النقدية"، مشيراً إلى أن "وزارة الخزانة الأمريكية لعبت دوراً في دعم الحكومة الشرعية عبر وقف استيراد النفط والمشتقات الإيرانية، ومحاصرة الحوثيين من خلال إعادة تفتيش السفن للحد من تهريب السلاح والمخدرات".
وأكد أن هذا "التحول انعكس على حركة الاستيراد، حيث انتقل نحو 70% من الواردات من ميناء عدن إلى ميناء الحديدة".
وأوضح أن "التحسن الاقتصادي يتطلب الإسراع في نقل البنوك والمنظمات الدولية إلى عدن، والسيطرة على موارد الاتصالات وضرائب كبار المكلفين، باعتبارها مصادر رئيسية للإيرادات".
لكنه انتقد استمرار صرف ملايين الدولارات لمجموعات تعيش خارج الوطن، معتبراً ذلك تناقضاً مع سياسات التحسن الاقتصادي والنقدي، داعياً إلى إدخال البنك المركزي في عملية حوكمة حقيقية ونظام مصرفي فعّال.