تقارير
تساؤلات أثارها مجلس القضاء الأعلى.. ما وراء إحالة مدير البنك المركزي إلى التحقيق؟
وجّه رئيس مجلس القضاء الأعلى بإحالة محافظ البنك المركزي في عدن إلى التحقيق، ومنعه من السفر؛ بسبب التأخر في صرف مرتبات موظفي القضاء، الأمر الذي أثار موجة انتقادات وتساؤلات واسعة حول أهلية وقانونية الإجراء، خصوصا فيما يتعلق إذا كانت الاتهامات الموجهة للمحافظ مشروعة أم لا، لا سيما وأن عدن تشهد صراعات سياسية تؤثر على مؤسسات الدولة.
تساؤلات أثيرت حول ما إذا كان لمجلس القضاء الأعلى الحق في إحالة مدير البنك المركزي للتحقيق؟ وهل المشكلة في البنك المركزي أم في السياسات المالية للحكومة ذاتها؟ وهل يمكن ان يكون الأمر متعلقا بالصراعات والانقسامات السياسية، التي تشهدها العاصمة المؤقتة عدن؟
- تداعيات خطيرة
يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة صنعاء، الدكتور عبد الباقي شمسان: "ليس من صلاحية رئيس مجلس القضاء الأعلى إعطاء توجيه للنيابة العامة للتحقيق مع السلطة المالية، باعتبار أن هناك سلطة سيادية مالية منفصلة عن السلطة القضائية، والرجل بدرجة نائب رئيس وزراء، ومعيّن من رئيس الجمهورية، ولا يجوز إحالته للتحقيق إلا من قِبل رئيس المجلس الرئاسي، أو بتصويت ثلثي البرلمان".
وأضاف: "أعتقد أن هذا القرار في غاية الخطورة. ولا ندري إلى أين نذهب بهذا، بمثل هذه التصرفات، وقد تم تلافيه، وإيجاد مخارج له بشكل سريع؛ لأنه له دلالات عميقة".
وتابع: "أنا لا أتعامل مع هذا القرار باعتبار أنه موقف مرتبط بمرتبات القضاء، صحيح أنه طلب الرجل من البنك المركزي يعني دفع مرتبات القضاء، وإيجاد نوع من التمييز لهم، لكن كم هناك موظفون في الدولة؟ وموارد الدولة ضعيفة، لذا ينبغي أن يتم التوزيع وفقا لما يحقق الصالح العام، لا أن تقدم فئة على فئة أخرى".
وأردف: "الحالة الوحيد، التي يجوز لمجلس القضاء الأعلى التدخل فيها، أن يتم أخذ رأي المجلس عند وضع ميزانية لمجلس القضاء الأعلى، بمعنى أنه وضع يتفق مع كل الوزارات، التي تلتقي مع وزارة المالية، تحدد كم تحتاج، أما أن تتدخل في دفع المرتبات، هذا يتجاوز صلاحيات رئيس مجلس القضاء".
وزاد: "مهام مجلس القضاء الأعلى إدارية وفنية مرتبطة بالقضاء، ولا علاقة له بإحالة شخصيات خاصة من هذه الدرجة الوظيفية إلى التحقيق، فهناك مؤسسات مختصة بهذا الجانب".
وقال: "هذا التصرف له تداعيات خطيرة على مستوى صورة الدولة؛ لأن هناك استهدافا للدولة من الداخل، والمجلس الانتقالي هو من يتحرك نحو استهداف سلطة الدولة، وإضعاف مكانتها".
وأضاف: "الولايات المتحدة الأمريكية صنفت الحوثيين كجماعة إرهابية عالمية، وبالتالي سيتم مراقبة الحسابات، وهناك دعوة من الحكومة للمنظمات الدولية، قبل شهر، بنقل مقراتها إلى عدن، وعندما تأتي مثل هذه التصرفات، التي تعطي صورة للعالم أن هناك شخصيات قيادية ليس لديها خبرة في صناعة القرار الإداري والمالي، وأنها تتصرف مثل رجل لا يفقه أي شيء في عمل الإدارة، ولا بالتمييز بين السلطات".
وتابع: "هذا مضر للغاية، ويعزز ما تريده الولايات المتحدة والعالم أن اليمن لديه سلطة ضعيفة، وأنه ينبغي التدخل وفقا للبند السابع، ودخول جيش إلى الجمهورية اليمنية لدعم السلطة الشرعية".
وأردف: "هذا التصرف لا أعتقد أن له علاقة بالمرتبات، أعتقد أن له بُعدا إستراتيجيا، وهناك من وجّه الرجل؛ لأن الرجل عندما قرأت السيرة الذاتية له هو يعلم تماما، يعني عمل في القضاء، ولديه خبرة في المؤسسة القضائية، ويعرف تماما كيف تمر صناعة القرار".
- قرار لا شأن له بالقانون
يقول المحامي علي الصراري: "بطبيعة الحال، يجب أن نعرج أولا على تكوين مجلس القضاء الأعلى، الذي يتكون من وزير العدل ونائبه، النائب العام، ورئيس التفتيش القضائي، ورئيس المحكمة العليا ونائبه، أي ثلاثة من كبار القضاة، وهذه التشكيلة هي وفقا واستنادا للقانون بأن مجلس القضاء الأعلى هو السلطة الإدارية العليا المختص بالشؤون القضائية".
وأضاف: "مجلس القضاء الأعلى، يختص بندب القضاة، وتعيينهم، وإصدار قرارات متعلقة بالقضاة، ومعالجة قضايا تتعلق بالشؤون القضائية، ووفقا لهذه المعطيات فإن مجلس القضاء الأعلى مختص بالأعمال الإدارية".
وتابع: "ما صدر من قرار ضد محافظ البنك المركزي لا شأن له بالقانون، ولا يتعلق بالقانون، وهو خارج إطار القانون؛ كون مجلس القضاء الأعلى مختصا إداريا، وليس قضائيا".
وأردف: "في هذه الحالة، عندما يتحدث عن منع محافظ البنك من السفر، هذا التجاوز خطير، وهو جوهر التجاوز، فالمنع من السفر هو أمر قضائي، وأمر يصدر في حالات معينة من القضاء، أو من النيابة، لكن أن يصد مجلس القضاء الأعلى مثل هذه الأحكام، أو مثل هذه القرارات، فالأمر خارج اختصاصاته المعروفة والمحددة، التي وضحها القانون وقرأتها".
وزاد: "هذا القرار هو والعدم سواء، فإذا ناقشنا هذا القرار من الناحية الإجرائية هل تم التخاطب مثلا مع محافظ البنك المركزي اليمني؟ وما هي ردة الفعل من قبل محافظ البنك المركزي؟ وهل تم التخاطب من قبل مجلس القضاء الأعلى مع رئيس الجمهورية في هذا الشأن؟ أم أنه فقط لتحميل جهة معينة فشل مجلس القضاء الأعلى في تقديم الاستحقاقات المفروضة عليه تجاه أعضاء السلطة القضائية، والمطالبات القضائية المستمرة؟".
وقال: "إذا كان مجلس القضاء يصدر مثل هذه القرارات كان عليه أن يصدر قرارا بحق أولئك الذين قاموا باختطاف المحامي سامي ياسين الشرجبي، وهذا أمر يعرقل القضاء، ويعرقل السير في العدالة، ويمس العدالة، ويمس حقوق المظلومين".
وأضاف: "هذا التصرف يعد خدمة على طبق من ذهب لكل متربص بالشرعية، وكل متربص بمؤسسات الدولة، الأمر الذي يجب أن يقف أمامه الجميع، خاصة أن الأمر يتعلق بالقضاء، الذي يعتبره المواطن الملجأ الوحيد له لإنصافه، واسترداد حقوقه، لكن عندما نشاهد السلطة الإدارية العليا تقوم بمثل هذه المخالفات فالأمر خطير للغاية".
- قرار غير حصيف
تقول القائمة بأعمال رئيس نادي القضاة في اليمن، الدكتورة رواء المجاهد: "إن من حق مجلس القضاء الأعلى أن يدافع عن حقوق منتسبي السلطة القضائية، ومن حقه أن يضع السياسة العامة لتطوير القضاء، وأن يتخذ كل السبل والطرق القانونية في اقتضاء هذا الأمر".
وأضافت: "لكن متى ما كانت أعمال المجلس تصب في اتجاه آخر، هنا يجب أن نقف وقفة جادة أمام أي تجاوز؛ لأن القرار الصادر بحق محافظ البنك المركزي قرار غير قانوني إطلاقا، ولم يتخذ وفق آلية قانونية".
وتابعت: "إذا افترضنا جدلا، والجدل غير الحقيقة، أن محافظ البنك المركزي قد ارتكب جرائم تشكل انتهاكا أو مساسا بأعمال القضاء، أو عرقلته، فهناك آلية قانونية وضحها الدستور اليمني، ولا أعتقد إطلاقا أن جهابذة في القانون والقضاء، مثل قيادات مجلس القضاء الأعلى، تجهل هذا الأمر".
وأردفت: "الذي دعا لإصدار هذا الأمر كان منطقا استعلائيا، وأسلوبا فوقيا، لذا كان القرار غير حصيف؛ هز ثقة الشارع بالقضاء أكثر مما هي مهزوزة أصلا، وجعل من القضاء منتدى للتندر أمام العامة، وفي مواقع التواصل الاجتماعي".
وزادت: "المذكرة اللاحقة -مع الأسف الشديد- تدل على قمة الاستهتار، وانعدام العمل المؤسسي، فكيف لجهة لم تصدر قرارا أن تعمل على التصريح بأنه قد تمت تسوية الأمر؟ وإذا كان فعلا قد ارتكب جرائم عرقلة سير القضاء فهل تتم إحالة المواضيع بهذه الأهلية؟ وهذه الإشكالية".
وقالت: "لكن هذا هو أثر العنجهية، وأثر مخالفة القانون بعد أن ثار الشارع، وحاولوا أنهم يبحثون عن بديل يمتص الغضب، وهجوم الشارع العام عليهم".
وأضافت: "رسالتي لرئيس مجلس القضاء الأعلى، أنا في ظني أن هذا الرجل هو رجل يمتاز بالطيبة أكثر مما يمكن أن يأخذه أي اتجاه آخر، لذلك رسالتي بأن لا يستمع للأصوات الغوغائية، لا يستمع للأصوات المتعالية، وعليه أن يحافظ على هيبة واستقلالية القضاء، وألا يجعل القضاء مادة للتندر كما هو حاصل الآن، وفقا للقرار الصادر منه بهذه الأهلية غير القانونية".