تقارير
جائعون في صنعاء.. يبحثون عن وجبة الإفطار في براميل 'القمامة'
عندما يحين وقت الإفطار في العاصمة صنعاء، يتوجّه معظم المواطنين صوب منازلهم لتناول طعامهم، في ذلك الوقت تخلو الشوارع من المارّة، ويغدو أكثر ملاءمة لانتشار الجائعين حول براميل 'القمامة' ووسط أكوام من المخلّفات، يبحثون عن كسرات الخبز وبقايا الأطعمة، التي تخرج من بعض المنازل كنفايات، حتى يستطيع أولئك المعوزون سد رمق جوعهم وجوع أطفالهم، وهم الذين يخشون أن ينكشفوا أمام الآخرين.
في أحد الشوارع الخلفية، ثمة مواطن خمسيني طلب عدم تصويره وهو يحاول إخفاء نصف وجهه بالشماغ، الذي كان نصفه يُغطّي رأسه، خشية أن يعرفه أحد، وهو ينبش الأكياس الممتلئة بالمخلّفات داخل برميل 'القمامة'، وكذلك المنتشرة بجواره، قال لبلقيس: "أبحث عن الخبز المتبقّي داخل هذه الأكياس، ما معي ما أكل أنا وجهالي، حالتي صعبة".
وبسرعة خاطفة -قبل أن تعود حركة الناس إلى المكان بعد أن يكونوا قد تناولوا وجبة الإفطار- غادر الرجل برميل 'القمامة' متجها إلى بيته، وقد جمع لأطفاله خبزاً وبقايا أكل، من بين أكوام المخلّفات.
واقع مليء بالتناقضات
تسود حالة من التراحم بين الناس، خلال شهر رمضان المبارك، وتتلّقى معظم الأسر الفقيرة مساعدات غذائية من فاعلي الخير، بينما ازدادت أعداد الجائعين بنسبة كبيرة، خصوصاً في السنوات الأخيرة، تحديداً منذ بدأت الحرب في اليمن التي لم تتوقف حتى اللحظة، إذ خلقت وضعاً معيشياً مأساوياً لكثير من اليمنيين، فقدوا خلالها مصادر دخلهم، وانقطعت رواتبهم، وغيّرت مجرى حياتهم نحو الأسوأ.
أحد فاعلي الخير قال لبلقيس: "نصرف مساعدات لأسر فقيرة، لكن ما نقدر نغطّي جميع الحالات، الفقراء يتزايدون بشكل كبير من سنة لأخرى".
تمضي أيام الجائعين خلسة من شعور الآخرين بهم، نتيجة التزايد المستمر لأعدادهم، ليبقى عالمهم طيّ الكتمان، إذ يخفونه خلف عزّة النفس الممزوجة بالحياء الزائد، باحثين عن ما يسدّ رمق جوعهم من بقايا الخبز وسط براميل 'القمامة'، وأكياس النفايات.
محسن الدربي البالغ من العمر "38 عاماً"، شاهد عيان على كثير من الذين يبحثون عن بقايا الأكل في براميل 'القمامة'، خاصةً في الليل كي لا يعرفهم أحد، يقول لبلقيس: "أبصر حالات كثيرة في الليل، وهم يدوروا عن أكل في 'القمامة'، طبعاً هؤلاء ناس يستحوا أن يطلبوا الآخرين، ولو طلبوا ما أحد بيردهم".
يبدو الواقع مليئا بالتناقضات في شهر الرحمة، إذ شهدت أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفاعا مُخيفاً، ضاعف معاناة شريحة الجائعين.
ذات نهار رمضاني مُشمس كانت الأربعينية "مريم" تبحث عند برميل 'القمامة' عن بقايا طعام لأطفالها الخمسة في أكياس تمتلئ بالمخلّفات، تقول لبلقيس: "ما نقدر نشتري، كل شيء غالي، زوجي بلا عمل، وأدور لعيالي أكل من هنا، إحنا فقراء، أسأل الله يخارجني".
"لا يسألون الناس إلحافا"
رغم أوضاعهم المعيشية الأشدّ قسوة، يتغطّى الجائعون من الناس، ويختفون خلف مأساة الجوع مع أطفالهم، محافظين على شيء من الكرامة التي سرقتها الحرب من وجوههم منذ أن بدأت.
المواطن الخمسيني -المذكور سلفاً- يقول لبلقيس: "نخاف أن نمدّ أيدينا للآخرين عشان نأكل، ما أقدر أقول لأحد هات لي أكل. حيث يكون وقع الطلب من الآخرين ثقيلا، لتذهب عن البحث عن ما تسد جوعك أنت وأطفالك من هنا.. (في إشارةً لأكياس المخلفات وسط برميل القمامة)".
تأتي مسألة الكرامة، وكذلك جزء من ثقافة العيب في البلاد، لدى بعض الرجال في عدم طلب الآخرين إشباع جوعهم، أمراً بالغ الحساسية، خصوصاً لدى البعض في حالاتهم الراهنة وهم القادرون على العمل، لكن الظروف أفقدتهم كافة مصادر الدخل المعيشي، لتُلقي بهم في خانات الجائعين الذين تتضاعف أعدادهم يوماً بعد آخر.
التحذيرات من زيادة أعداد الجائعين لم يُلتفت لها. فبالرغم من إحساس جميع الصائمين بالجوع خلال شهر رمضان المبارك، إلا أن هناك شيئا مفقودا، وأعداد الجائعين في تزايد مستمر، بسبب الأزمة الإنسانية ذات الأوجه المتعددة، التي خلقتها الحرب.
جميع السلطات، التي تتقاسم النفوذ في اليمن، تخلت عن دورها في إيجاد الحلول الممكنة للجائعين.. أيضا كثير من رجال المال والأعمال فقدوا أحاسيسهم تجاه جائعي بلدهم.
تقارير دولية سابقة حذّرت من خطر المجاعة، التي سيتعرض لها نحو 16 مليون يمني، نظراً لاستمرار أعمال العنف والاقتتال المستمر في البلاد، وأفادت بأن اليمن يمر اليوم ب"أسوأ كارثة إنسانية في العالم".