تقارير
جبايات غير رسمية ورسوم مزدوجة على طول طريق عدن - مأرب تفاقم أسعار الغذاء قبل شهر رمضان
مع اقتراب شهر رمضان، وازدياد الضغوط الاقتصادية على المواطن، تتصاعد أسعار المواد الغذائية في محافظة مأرب، ممَّا يجعل تكلفة الغذاء عبئًا إضافيًا على الأسر ذات الدَّخل المحدود والأُسر النازحة المعدَمة.
يعود الغلاء المعيشي المتصاعد في مأرب إلى نظام الجبايات والرّسوم المزدوجة غير الرسمية، التي تُفرض على شاحنات نقل المواد الغذائية، على طول طريق عبورها إلى المحافظة، في سياق أزمة داخلية يُعاني منها قطاع النقل وتُجار الجملة، الذين يرمون بثقلها على المستهلك.
تُفرض هذه الرسوم في نقاط التفتيش العسكرية والأمنية على طول الطريق من ميناء عدن حتى وصولها مأرب، مما يحوِّل عملية النَّقل إلى معركة يومية تثقل كاهل السائقين والتُّجار على حدٍ سواء، وتُسهم في رفع تكلفة السلع الأساسية التي يدفع ثمنها النازحون.
يحمِل صالح سبيت (سائق شاحنة نقل بالإيجار) بين يديه عشرات السندات ليقدِّمها للتاجر الذي أوصل له حمولة القمح من أجل دفع المبلغ المدفوع على طول الطريق.
يقول سبيت (ينحدر من محافظة شبوة)، لموقع "بلقيس"، إنه دفع على طول الطريق البديل من عدن إلى مأرب (حوالي 1000 كم) أكثر من مليون و200 ألف ريال يمني بين إتاوات ورسوم تفرضها السلطات الأمنية والعسكرية في كل محافظة يمر بها.
- خريطة الإتاوات
يضيف سبيت أنه والسائقين الآخرين يواجهون رسوما متكررة في كل محافظة يمرون بها، مشيرا إلى أنه يبدأ الطريق من عدن حيث تفرض نقاط التفتيش هناك عند الخروج مبالغ ثابتة، ثم تستمر الرسوم في محافظة أبين، التي قال إنها من أكثر المناطق انتشارا لنقاط الجبايات السائبة وغير الرسمية.
ففي محافظة أبين، تُجبر الشاحنات على دفع مبالغ تصل إلى مئات الآلاف من الريالات عبر ثماني نقاط، وتفصل بين نقطة وأخرى مسافات قصيرة، ما يؤدي إلى تراكم التكاليف بشكل كبير.
وفي محافظة شبوة، تُفرض رسوم إضافية؛ تشمل سند مرور خاص بالمواد الغذائية، وقد تصل في بعض الحالات إلى مبالغ تفوق المبالغ التقليدية؛ إذا زادت حمولة الشاحنة عن الحد القانوني المقرر، مما يزيد من العبء المالي على النقل وأسعار الغذاء.
يوضح سبيت أن نظام الجبايات، الذي تشعب حديثا، يعد مثالا صارخا على استغلال ضعف وجود الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، قائلا: "نحن كسائقين لا نجد مجالا للتساؤل عن أسباب هذه المبالغ، أو كيفية احتسابها، بل نُجبر على الدَّفع دون اعتراض، حيث يعوِّضنا نحن التجار؛ بدوره يعوِّض التاجر خسائره عند بيع السلع للمواطنين".
ولفت إلى أن رحلته الأخيرة لنقل حمولة القمح من عدن إلى مأرب استغرقت خمسة أيام، دفع خلالها مبالغ تجاوزت مليونا و200 ألف ريال، دون أي مقابل، ولا سبب وجيه.
يروي سبيت أنه واجه نقاط تفتيش متكررة في محافظة أبين، حيث دفع 40 ألف ريال عند أول نقطة، وتراكمت الرسوم حتى بلغت 580 ألف ريال في أبين وحدها، تلاها رسوم إضافية في شبوة.
وفي محافظة مأرب دفع سبيت مبالغ باهظة أيضا مقابل رسوم تحسين، ورسوم تفتيش أخرى؛ دون توضيح مسبق للأسباب، حسب قوله.
-التجار والإتاوات
يقول التاجر سلمان أمين لموقع "بلقيس" إن سعر كيس القمح (50 كيلوغرامًا) في مأرب ارتفع من 35 ألف ريال إلى 50 ألفا و600 ريال؛ بسبب الرسوم المتراكمة أثناء عملية النقل الداخلي، فيما تُساهم الإتاوات غير الرّسمية، المدفوعة في النقاط، في رفع قيمة القمح؛ حيث تصل إلى أكثر من 8%.
وهذه الزيادة تؤثِّر بشكل كبير على قدرة المواطن على تحمّل أسعار الغذاء، خاصة في شهر رمضان، حيث يزداد الطلب على المواد الأساسية بالتزامن مع انهيار غير مسبوق للرِّيال اليمني بشكل متسارع.
-تأخير وزيادة تكلفة
من جهة أخرى، يقول نصر العولقي (سائق شاحنة)، لموقع "بلقيس"، إن نقاط التفتيش والإتاوات على طول الطُرق الرابطة بين المحافظات تؤدي إلى تأخير الشاحنات عن مواعيدها المعتادة.
يضيف العولقي: "كانت الرحلة من عدن إلى مأرب تستغرق ثلاثة أيام فقط، أما الآن فأصبحت تستغرق خمسة إلى ستة أيام؛ بسبب التوقفات المتكررة عند نقاط التفتيش".
ويوكد أن "كل هذه النقاط والميازين المنتشرة اليوم لم تكن موجودة قبل الحرب، إنما استحدثت أغلبها بعد 2017م".
ويتابع حديثه: "كُنا نقطع الطريق من عدن إلى مأرب، خلال ثلاثة أيام، ندفع خلالها جبايات تصل إلى 25 ألف ريال فقط".
هذا التأخير لا يؤثِّر فقط على وقت التسليم، بل يزيد من استهلاك الوقود وتكاليف الصيانة، ما يُساهم في ارتفاع الأسعار بشكل عام؛ إذا لم تتلفُ المواد الغذائية في الطريق؛ بسبب حر الشمس الشديد، أو تعطّل المبردات، أو تعطل الشاحنات لأيام طويلة، بحسب العولقي.
- أدوات ابتزاز
يقول مدير مكتب الصناعة والتجارة في محافظة مأرب، ياسر الحاشدي، لموقع "بلقيس": "الجبايات غير الرسمية أصبحت بمثابة أدوات ابتزاز ونهب للتُّجار والسائقين".
يضيف: "تستغل نقاط التفتيش المنتشرة ضعف الرقابة الحكومية، فيما تخضع لتوجيهات بعض النافذين المحليين، والجهات السياسية التي تستغل الأزمة لتحقيق مكاسب شخصية، دون الاهتمام بنتائجها على المواطن والاقتصاد بشكل عام".
ويوضح: "الرسوم المتراكمة، التي تُفرض في كل مرحلة من مراحل الرِّحلة، تؤدي إلى تحويل تكاليف النَّقل إلى مبالغ إضافية، يتحمَّلها المستهلك، ما يزيد من معاناة المواطن".
ويدعو الحاشدي إلى ضرورة تفعيل آليات رقابية شفافة، وإعادة النظر في نظام الرسوم؛ لتخفيف العبء المالي عن السائقين والتّجار، وضمان وصول المواد الغذائية إلى الأسواق بأسعار معقولة قبل حلول شهر رمضان المبارك؛ من أجل توفير الاحتياجات الموسمية، وعدم توفير مساحة مراوغة للابتزاز من قِبل بعض التُّجار، من خلال شح أو قِلة المعروض من بعض السلع الرمضانية في فترة يتزايد فيها الطلب والضغوط الاقتصادية.