تقارير
رمضان بطعم المعاناة.. اليمنيون بين الغلاء والأمل
“كل عام كنا نحسبها، لكن هذا العام الحسابات اختلت تمامًا!” هكذا بدأ عبد الكريم، وهو أب لأربعة أطفال يعمل سائق أجرة في صنعاء، حديثه عن رمضان هذا العام.
وقف أمام بقالة صغيرة يتفحص الأسعار ثم خرج خالي الوفاض، مضيفًا: “زيت الطهي تضاعف سعره، والدقيق صار رفاهية، حتى التمر الذي كنا نعتبره بركة رمضان، صار غاليًا.”
عبد الكريم ليس وحده، فالمشهد يتكرر في كل مكان. الأسواق مكتظة بالمتسوقين لكن الأكياس في أيديهم أصغر من المعتاد.
تدهور قيمة الريال وارتفاع أسعار المواد الغذائية جعل من شهر الصيام اختبارًا قاسيًا لقدرة الناس على التكيف مع الأوضاع المعيشية المتردية.
ومع استمرار الأزمة الاقتصادية، بات كثيرون يكتفون بالأساسيات فقط، فيما يعتمد آخرون على السلال الغذائية التي توزعها الجهات الخيرية.
في جولة بين الأسواق الرئيسية يلاحظ المارة تغيرًا كبيرًا في حركة البيع والشراء مقارنة بالسنوات الماضية، كان رمضان في السابق موسمًا للنشاط التجاري، أما اليوم فأغلب الباعة يشتكون من ركود حاد.
يقول سعيد، وهو صاحب متجر صغير في سوق باب اليمن بصنعاء: “نبيع أقل من نصف الكمية التي كنا نبيعها قبل سنوات. الناس يدخلون يسألون عن الأسعار ثم يخرجون دون شراء، وكأنهم في متحف وليس في سوق.”
شبح العوز
في أحد الأحياء بصنعاء، أقامت إحدى الجهات الخيرية مائدة إفطار جماعية، مع أول أيام شهر رمضان وكانت أم محمد، وهي أرملة تعيش مع أبنائها الثلاثة، من بين الحاضرين.
بنبرة يملؤها الامتنان والخذلان معًا، تقول أم أحمد: “لم نكن نحتاج لمساعدات من قبل، لكن الحرب غيرت كل شيء. زوجي كان يعمل في البناء، ومع توقف المشاريع لم يعد هناك دخل ثابت لنا. كنت أحاول تدبير أمورنا، لكن الأسعار جعلت الحياة مستحيلة.”
رغم المبادرات الخيرية، إلا أن الاحتياجات تفوق بكثير ما هو متاح. الكثير من الأسر، خاصة النازحة منها، تعاني من غياب أدنى مقومات الحياة. في تعز، لجأت بعض العائلات إلى استبدال وجباتها الرئيسية بالماء والخبز، بينما في عدن اضطر بعض الصيادين لبيع أسماكهم بأسعار زهيدة حتى يتمكنوا من شراء القليل من الأرز.
وبحسب تقارير المنظمات الإنسانية، فإن أكثر من 17 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينما يعيش الملايين على المساعدات الإغاثية التي تقلصت بسبب نقص التمويل الدولي.
يوسف، أحد المتطوعين في منظمة إنسانية تعمل في لحج، يقول: “نحاول إيصال المواد الغذائية للعائلات الأكثر احتياجًا، لكن الحقيقة أن الجميع بحاجة، ونحن لا نستطيع تغطية إلا جزء بسيط منهم.”
في سوق القات بصنعاء، يتناقض المشهد مع الأسواق الغذائية، فالإقبال على القات ما زال مستمرًا رغم الغلاء. هذا التناقض يفسره أمين، وهو موظف حكومي يعاني من تأخر راتبه، قائلاً: “الأمر ليس رفاهية، بل هروب من الواقع. الناس لم يعودوا قادرين على تحمل الضغوط، فيلجأون للقات لينسوا مشاكلهم ولو لساعات.”
التقاليد في مواجهة الظروف
رغم الغلاء وضيق الحال، لا يزال اليمنيون يتمسكون ببعض عاداتهم الرمضانية، ولو بشكل أبسط من السابق. في صنعاء، لا تزال بعض العائلات تحرص على تحضير الشفوت (طبق مصنوع من اللحوح واللبن) والفتة، لكن بكميات أقل.
وكما هو الحال في صنعاء تراجع الإقبال على الحلويات الرمضانية مثل الرواني والكنافة بسبب ارتفاع أسعار السكر والبيض والدقيق.
أبو ياسر، صاحب متجر ، يلخص الأمر بقوله: “صحيح أن رمضان هذا العام صعب، لكننا عشنا ظروفًا أصعب وتجاوزناها. لا نملك إلا الصبر والدعاء بأن تحمل الأيام القادمة خيرًا لنا جميعًا.”
في بعض الأحياء بعدن يحاول السكان التخفيف من المعاناة عبر مبادرات تكافلية، يجتمع بعض الشباب كل يوم لتحضير وجبات إفطار توزع على الأسر المحتاجة.
يقول أحمد، وهو أحد المشاركين في هذه المبادرة: “نحن لسنا أغنياء، لكننا نعرف أن هناك من أوضاعهم أسوأ، وإذا لم نتعاون، فمن سيفعل؟”
أما الأطفال، فهم الفئة الأكثر تضررًا في هذا المشهد. لم تعد هناك ملابس جديدة لمعظمهم، وحتى الألعاب الرمضانية التي كانت تملأ الحارات لم تعد كما كانت.
ولا يبدو أن رمضان وحده هو من سيترك اليمنيون يواجهون أقدارهم ولكن مع اقتراب العيد، تزداد المخاوف لدى الأسر الفقيرة حيث يجد الكثيرون أنفسهم أمام معضلة جديدة: كيف سيشترون ملابس العيد لأطفالهم؟
أم سليم، وهي أم لخمسة أطفال، تقول: “أولادي لم يطلبوا ملابس العيد هذا العام لأنهم يعرفون وضعي. هذا أكثر ما يحزنني، أن يصل بهم الأمر إلى أن يتخلوا عن فرحة كانوا ينتظرونها دائمًا.”
ورغم هذا الواقع الصعب، لا يزال الأمل موجودًا. فعلى الرغم من كل الأزمات، يتمسك اليمنيون بحب الحياة، ويراهنون على صبرهم وقدرتهم على التكيف. لكن إلى متى؟ هذا هو السؤال الذي لا يزال بلا إجابة.