تقارير
مضيق باب المندب على المحك: هل سيغلقه الحوثيون؟
أطلقت إيران موجات من الصواريخ على إسرائيل يوم الاثنين، بينما نفّذ الحوثيون المدعومون من طهران في اليمن هجومهم الثاني منذ بدء التصعيد، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض طائرتين مسيّرتين أُطلقتا من اليمن صباح 30 مارس.
دخل الحوثيون الصراع قبل يومين فقط بإطلاق صواريخ على إسرائيل يوم السبت، في تصعيد أثار مخاوف من احتمال تحركهم لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، التي زادت بالفعل بأكثر من 50% خلال شهر واحد.
وبعد تهديدات إيران المتكررة باستهداف مضيق هرمز في الخليج العربي، حذّرت طهران مراراً من إمكانية استهداف مضيق باب المندب في خليج عدن، جنوب البحر الأحمر.
وقال مصدر عسكري إيراني لوكالة "تسنيم" الإخبارية في 21 مارس: "عدم الاستقرار في مضائق أخرى، بما في ذلك مضيق باب المندب والبحر الأحمر، هو أحد الخيارات لمواجهة التهديدات الأمريكية".
- ردّاً على التهديدات الأمريكية
أفادت "تسنيم" بأن إيران ستوسّع إجراءاتها الانتقامية إذا شنت الولايات المتحدة أو إسرائيل هجوماً برياً في المنطقة. ويظل الخيار العسكري مطروحاً، رغم دعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإجراء مفاوضات سلام، في وقت لا تظهر فيه واشنطن مؤشرات على تقليل تعزيزاتها العسكرية في الشرق الأوسط.
يوم الاثنين، هدّد ترامب بتدمير المرفأ الرئيسي لتصدير النفط الإيراني في جزيرة خارك وغيرها من البنى التحتية للطاقة إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق.
وكتب ترامب على شبكة "تروث سوشيال": "نحن في مناقشات جادة مع نظام أكثر عقلانية في طهران، ولكن إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريباً... سننهي وجودنا في إيران بتفجير وتدمير جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خارك بالكامل (وربما جميع محطات تحلية المياه) التي لم نلمسها بعد".
وفي مقابلة سابقة مع صحيفة "فاينانشال تايمز"، ألمح ترامب إلى إمكانية الاستيلاء على الجزيرة، موضحاً أن تفضيله هو "السيطرة على النفط في إيران"، وقارن الوضع بفنزويلا، حيث تسعى واشنطن للسيطرة على صناعة النفط.
- مضيق حيوي للتجارة العالمية
تدرس إيران تصعيداً قد يشمل إغلاق مضيق باب المندب بمشاركة الحوثيين، الذين وصفهم خبراء بأنهم "هادئون بشكل مدهش" حتى الآن.
وقال جوليان باولاك، مختص الأمن البحري في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية: "الموقع الجغرافي الفريد للحوثيين يوفر أرضية مناسبة للتحرك في البحر الأحمر، وخاصة عند مضيق باب المندب".
يلعب مضيق باب المندب دوراً محورياً في التجارة العالمية ونقل النفط والغاز إلى أوروبا.
وقال جاسبر فيرشور، أستاذ هندسة النظم وأمن البنية التحتية في جامعة ديلفت الهولندية: "في الأوقات العادية، يمر عبره نحو 15% من قيمة التجارة البحرية العالمية".
ويُعد المضيق مساراً أساسياً لنقل النفط والغاز من دول الخليج إلى أوروبا، إذ تمر الناقلات عبر مضيق هرمز ثم باب المندب صعوداً إلى البحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس. كما تستخدمه بكثافة سفن الحاويات لنقل البضائع الآسيوية إلى الأسواق الأوروبية.
وأوضح ديدييه ليروي، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية: "تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يؤثر أساساً على آسيا، بينما إغلاق خليج عدن من المرجح أن يضر بأوروبا".
وقد حاولت السعودية إعادة توجيه بعض صادراتها النفطية للاعتماد أكثر على البحر الأحمر عبر خط أنابيب الشرق–الغرب وميناء ينبع، مروراً بمضيق باب المندب.
وأشار كريستيان بيوغر، مختص الأمن البحري في جامعة كوبنهاغن، إلى أنه إذا أصبح هذا الطريق غير آمن، فقد تتجه الشحنات عبر طرق أطول، ما يزيد زمن التسليم ويرفع الأسعار.
- انخفاض حركة الملاحة
انخفضت حركة الملاحة في مضيق باب المندب بشكل حاد قبل التصعيد الحالي، بعد هجمات 7 أكتوبر 2023 التي شنتها حماس على إسرائيل وبداية الحرب في غزة، حيث استهدف الحوثيون السفن في البحر الأحمر بشكل متكرر.
وقال فيرشور: "قبل 2023، كانت تمر نحو 60 إلى 70 سفينة شحن يومياً، أما الآن فنحو نصف هذا العدد". وأضاف أن العديد من شركات الشحن اتخذت طرقاً بديلة، أبرزها الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
وأكد باولاك أن أي تصعيد متزامن في مضيقي هرمز وباب المندب سيخلق تحديات كبيرة في تدفق البضائع.
وحذّر فيرشور من تداعيات إنسانية محتملة، إذ إن طول مسارات الشحن قد يقلل عدد الرحلات ويرفع التكاليف، ما قد يؤثر سلباً على بعض الدول.
وأوضح بيوغر أن الشحنات الأرخص غالباً ما تشمل السلع الأساسية مثل الحبوب المتجهة إلى الدول الفقيرة، ما قد يؤدي إلى اضطرابات في التجارة الإقليمية ويؤثر على الأمن الغذائي في القرن الأفريقي.
- الحوثيون كـ"احتياطي استراتيجي"
يبقى السؤال ما إذا كان الحوثيون سيتجهون لإغلاق المضيق نيابة عن إيران. وقد نفذوا هجومين على إسرائيل في 28 و30 مارس.
وقال تيم إبكنهانز، المختص في شؤون إيران: "إذا فعلوا ذلك، فسيكون بشكل محدود".
وأشار ليروي إلى أن الحذر الذي أبداه الحوثيون يخدم مصالحهم ومصالح إيران، خاصة بعد استهداف قادة من صفوفهم.
كما يخشون أن يؤدي تدخلهم إلى إطالة أمد الصراع، وهو ما قد لا يتوافق مع مصالح قوى دولية تفضل الاستقرار.
وقالت ناتاشا ليندستادت: "الحوثيون يمثلون لإيران احتياطياً استراتيجياً، أي خياراً أخيراً".
وأضاف فينسنت دوراك: "الهجمات الصاروخية قد تكون لإظهار التضامن، دون الانخراط الكامل في التصعيد".
وأشار إلى أن التوقيت يعكس أيضاً رغبة الحوثيين في تعزيز مكانتهم الإقليمية.
كما أن إغلاق المضيق قد يضر بالاقتصاد اليمني الذي يعتمد على الواردات.
- صعوبة الاستمرار في الإغلاق
يمكن للحوثيين تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب في المدى القصير، إذ لا يتجاوز عرضه 30 كيلومتراً في أضيق نقطة.
لكن الحفاظ على إغلاقه لفترة طويلة سيكون أكثر صعوبة، ويتطلب قدرات عسكرية ولوجستية كبيرة.
ومع أهمية المضيق، فإن أي محاولة لإغلاقه ستواجه ضغوطاً عسكرية ودبلوماسية كبيرة، في ظل غموض قدرة الحوثيين على الاستمرار في مثل هذا التصعيد على المدى الطويل.