تقارير
فايننشال تايمز: تقارب سعودي إماراتي مع تصاعد هجمات الحوثيين
تسعى المملكة العربية السعودية إلى إصلاح علاقاتها مع شريكتها الخليجية الرئيسية ومنافستها في بعض الأحيان، دولة الإمارات العربية المتحدة، للمساعدة في التصدي للهجمات العنيفة التي يشنها المتمردون الحوثيون المتمركزون في اليمن.
ويأتي التقارب الناشئ بين القوتين الخليجيتين في وقت تعمل فيه الرياض على تعزيز الدعم من شركائها الدوليين، بمن فيهم فرنسا والمملكة المتحدة وتركيا وباكستان ومصر، لمواجهة أحدث حملة من الهجمات التي يشنها الحوثيون، في ظل إحجام الحليف التقليدي، الولايات المتحدة، عن الانضمام إلى جهود الرد.
والتقى الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي وشقيق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبوظبي يوم 18 أكتوبر، في أحدث اتصال رفيع المستوى بين السعودية والإمارات.
كما سافر الأمير خالد، برفقة مسؤولين رفيعي المستوى من تركيا وباكستان، إلى إيران لإجراء محادثات يوم الاثنين، في أحدث مسعى دبلوماسي لاحتواء التوترات في المنطقة.
وجاءت هذه الخطوة بعد أن التقى نائب رئيس دولة الإمارات، الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، شقيق الشيخ محمد، بالأمير محمد بن سلمان في الرياض الشهر الماضي، في أول لقاء رسمي بين العائلتين الحاكمتين الخليجيتين منذ نشوب الخلاف بينهما على خلفية اليمن في ديسمبر الماضي.
وقال عبد الخالق عبد الله، الأكاديمي الإماراتي: 'يدرك البلدان أن الحوثيين يمثلون خطراً وشيكاً على أمن المملكة العربية السعودية، وكذلك على أمن الدول الخليجية'.
وكان وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، قد أجرى اتصالاً بنظيره الإماراتي الأسبوع الماضي، لمناقشة أفضل السبل التي يمكن من خلالها 'الإسهام في خفض التصعيد' و'منع اتساع نطاق التوترات'، وفقاً لما أعلنته المملكة.
وقال محمد بحرون، المدير العام لمركز 'بحوث' للدراسات في دبي، بشأن العلاقات الإماراتية السعودية: 'تتمثل الجهود الحالية في احتواء تداعيات التصعيد والتركيز على الأهداف الاستراتيجية المشتركة'.
وأضاف: 'من المؤكد أن هذه الجهود ستحاول إحياء مفهوم الأمن الجماعي، الذي تلقى ضربة خلال العدوان الإيراني'.
وتابع، في إشارة إلى قوة عسكرية إقليمية مشتركة سبق نشرها خلال حروب الخليج: 'قد لا يترجم هذا التأثير مباشرة إلى عودة الإمارات إلى التحالف في اليمن، بل من خلال تفعيل قوة درع الجزيرة التابعة لمجلس التعاون الخليجي للدفاع عن السعودية'.
وسبقت تبادل الزيارات بين كبار المسؤولين خطوات لخفض حدة الخطاب المتوتر الذي ساد بين شخصيات من البلدين على منصات التواصل الاجتماعي منذ بداية العام.
وقال إياد الرفاعي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، إن السعودية والإمارات قد تتوصلان إلى تفاهم بشأن كيفية التعامل مع الحوثيين في اليمن، إذ يرى البلدان في إيران ووكلائها تهديداً مشتركاً، لكن التباين في تقدير طبيعة التهديدات بينهما لا يزال كبيراً.
وأضاف: 'نحن أمام تحرك تكتيكي، وليس تحولاً استراتيجياً أو تقارباً واسعاً. ولن تكفي التمنيات لإصلاح هذه التصورات أو التقريب بين البلدين، بل يتطلب الأمر التوافق على مستقبل المنطقة وبنيتها الأمنية'.
وتسعى السعودية إلى الحصول على مساعدة لحماية أجوائها وبنيتها التحتية النفطية، بعد هجمات مكثفة شنها المتمردون الحوثيون على المملكة، وأسفرت عن مقتل أكثر من 20 شخصاً، وأجبرت المطار الدولي في العاصمة على الإغلاق، واستهدفت منشآت للطاقة.
وتهدد التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج بمزيد من التراجع في ثقة المستثمرين باقتصادات المنطقة المعتمدة على النفط والصادرات، والتي لا تزال تواجه تداعيات القيود الإيرانية على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب هجمات الحوثيين على ناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر.
وواصل المتمردون المدعومون من إيران ممارسة الضغوط على السعودية خلال الأيام القليلة الماضية، ما دفع الرياض إلى إلغاء مؤتمرها الاستثماري الرئيسي.
وأطلق حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الأسبوع الماضي، دعوة نادرة إلى الوحدة الخليجية، نشر فيها عبر منصة 'إكس' نداءً مؤثراً موجهاً إلى 'أبناء الخليج'، مستنداً إلى الروابط التاريخية المشتركة، وداعياً مواطني المنطقة إلى تجاوز الانقسامات التي تشهدها منصات التواصل الاجتماعي.
ويخشى كل من الرياض وأبوظبي تنامي نفوذ أحد الأطراف المدعومة من إيران في شبه الجزيرة العربية. وكانت الإمارات قد قاتلت إلى جانب السعودية في اليمن، حيث نشرت قوات ودربت القوات المناهضة للحوثيين في جنوب البلاد منذ عام 2015.
وسحبت أبوظبي معظم قواتها عام 2019، ما خلّف شرخاً في علاقتها بحليفتها العسكرية السابقة، السعودية.
لكن أزمة جديدة اندلعت في أواخر العام الماضي، عندما سيطر فصيل انفصالي يمني مدعوم من الإمارات على مناطق في محافظات حدودية مع السعودية، الأمر الذي أثار قلق الرياض، التي قصفت لاحقاً شحنة أسلحة إماراتية في أحد الموانئ اليمنية، واتهمت أبوظبي بدعم هجوم الفصيل اليمني.
وعقب ذلك بوقت قصير، طُلب من الإمارات الانسحاب من اليمن، لتجد السعودية نفسها مضطرة إلى تحمل تكاليف القوات التي كانت تدعمها.
ووصف عبد الله عامي 2025 و2026 بأنهما «أصعب فترة» في العلاقات السعودية الإماراتية، مشيراً إلى أن العلاقة 'وصلت إلى أدنى مستوياتها فيما يتعلق باليمن، ولا سيما جنوب اليمن'.
وأضاف: 'لكننا الآن ندخل مرحلة جديدة، مع تركيز متجدد على الحوار بين الرياض وأبوظبي'.
ولا تزال هناك خلافات أخرى بين البلدين، من بينها السياسات النفطية والحرب في السودان، كما أن الإمارات ليست مستعدة لاستئناف ضخ الموارد في اليمن، وفقاً لعبد الله.
وقال: 'هناك اعتقاد راسخ في أبوظبي، وكذلك في عواصم أخرى، بأنه لا يوجد حل عسكري للمأزق اليمني'.
وفي حين تستطيع السعودية طلب مساعدات دفاعية، فإن عدداً قليلاً من الشركاء مستعدون للانخراط في حرب أهلية مستمرة منذ 12 عاماً بالفعل.
وقال كريستيان أولريكسن، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمعهد بيكر التابع لجامعة رايس: 'إن احتمال نشر قوات برية بأعداد كبيرة في مواجهة خصم متمرس في القتال ومتحصن في مواقعه، وفي تضاريس صعبة، ليس أمراً مغرياً'.
وفي ظل رفض واشنطن شن غارات جوية على الحوثيين، أعلنت تركيا وباكستان، اللتان وقّعتا اتفاقية دفاعية مع السعودية في مكة المكرمة في أغسطس، تقديم مساعدات دفاعية للمملكة، رغم عدم وضوح طبيعة هذه المساعدات على وجه التحديد.
وكانت باكستان قد نشرت بالفعل طائرات مقاتلة ومنظومات للدفاع الجوي في السعودية خلال أبريل، بموجب اتفاق دفاعي ثنائي قائم بين البلدين، وذلك عندما كانت إيران تشن هجمات على المملكة.
أما البرلمان التركي، فلم يصادق بعد على اتفاق مكة، وهو ما يحول دون نشر قوات تركية، لكن أنقرة أعلنت تقديم مساعدات فنية للسعودية.
وكانت المملكة المتحدة أحدث حلفاء الرياض إعلاناً عن تقديم مساعدات دفاعية الأسبوع الماضي، إذ أرسلت طائرات مقاتلة للمساعدة في حماية المدن السعودية والبنية التحتية للمملكة.
كما أعلنت فرنسا إرسال مساعدات عسكرية لحماية منشآت الطاقة السعودية، من دون تحديد طبيعتها.
ويوم الجمعة، اجتمع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان مع نظرائهم الأوروبيين من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا.
وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد تعهد أيضاً بإرسال قوات للدفاع عن السعودية 'إذا طُلب منه ذلك»، مؤكداً أن أي دور عسكري مصري سيكون دفاعياً، ولن «يشمل شن هجوم على اليمن'.
وأجاز البرلمان المصري، يوم الاثنين، للقوات المسلحة تقديم دعم دفاعي للسعودية، وفقاً لبيان صادر عن المجلس.
وجاء ذلك بعد ثلاثة أيام من المداولات في جلسات مغلقة، إذ منح البرلمان الرئيس تفويضاً باتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عن 'أراضي المملكة وسيادتها ومقدساتها ضد أي عدوان خارجي'، بحسب البيان.
وقال مايكل وحيد حنا، رئيس البرنامج الأميركي في مجموعة الأزمات الدولية: 'بالنسبة إلى القاهرة، فإن قرار إرسال قوات يمثل أمراً بالغ الأهمية، ويمس خطاً أحمر التزمت به مصر لفترة طويلة. فمصر شديدة التحفظ فيما يتعلق بنشر قواتها خارج حدودها'.
ويحمل المصريون ذكريات مؤلمة عن آخر مرة أُرسل فيها الجيش المصري إلى اليمن، عام 1962، لدعم الضباط الجمهوريين الذين أطاحوا بالنظام الملكي.
وقد علقت القوات المصرية في حرب أهلية استمرت خمس سنوات ضد الملكيين المدعومين من السعودية، وتكبدت خسائر بشرية فادحة.
ورفضت القاهرة الانضمام إلى التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين في اليمن عام 2015.
لكن السيسي قال هذا الشهر إن مصر مدينة لدول الخليج بالدعم المالي الذي قدمته لها عام 2013، عقب الانقلاب الذي حظي بتأييد شعبي وقاده السيسي، عندما كان وزيراً للدفاع، للإطاحة بالرئيس الإسلامي المنتخب الذي سبقه.
وتُعد السعودية مستثمراً مهماً في الاقتصاد المصري المثقل بالديون، إذ تسهم ودائع سعودية بقيمة 10.3 مليارات دولار في دعم احتياطيات البنك المركزي المصري، في حين تمثل تحويلات ما لا يقل عن 1.25 مليون عامل مصري في السعودية مصدراً حيوياً للعملة الأجنبية.
وكتب الكاتب السعودي المؤثر عبد الرحمن الراشد الأسبوع الماضي: 'إن صعود إيران سيكون على حساب مصر، والقاهرة تتحرك دفاعاً عن مصالحها ونفوذها واقتصادها'.
كما تهتم القاهرة بضمان حرية الملاحة عبر مضيق باب المندب، حيث يهاجم الحوثيون السفن، الأمر الذي يؤثر سلباً في إيرادات قناة السويس المصرية.
وكانت القاهرة قد أثارت استياء الإمارات في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، عندما سعت إلى التوسط للتوصل إلى تسوية للصراع، وهو موقف فُسّر في أبوظبي على أنه مساواة بين الإمارات وطهران، في وقت كان فيه النظام الإيراني يطلق الصواريخ على الدولة الخليجية.
وفي محاولة لتهدئة التوترات، نشرت مصر مجموعة من الطائرات المقاتلة في الإمارات في وقت سابق من هذا العام، لكن لم تتوافر أي معلومات عن طبيعة مهمتها منذ الكشف عن وجودها في مايو.
وقال إتش إيه هيليير، الباحث المشارك الأول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة: 'إن القاهرة تتوخى الحذر الشديد، لكنني لا أعتقد أنها ترى أن بإمكانها البقاء خارج هذا الصراع'.