تقارير

مكتبة السعيد في تعز.. إشراقة مرتقبة من بين الركام

09/09/2021, 06:24:01

تواصل مكتبة السعيد في مدينة تعز، منذ نوفمبر الماضي، ترميم وصيانة وتأهيل مرافقها ومحتوياتها، وتجميل التجاعيد والتشوّهات التي تركتها الحرب، وإصلاح الأضرار التي لحقت بهذا الصرح  الثقافي، الأول والوحيد والأكبر على مستوى البلاد، وتسببت بخروجه عن الخدمة، وإغلاق أبوابه، وتوقف أنشطته وبرامجه، وذلك منذ العام 2015. 

يأتي ذلك ضمن سلسلة من التحضيرات والجهود التي تقودها مؤسسة "السعيد للعلوم والثقافة" لإعادة المكتبة التابعة لها إلى واجهة المشهد الثقافي والمعرفي، وجعلها تشرق مجدداً من بين الركام، وتفتح أبوابها للقراء والمثقفين والطلبة والباحثين، وترمم ذلك الفراغ الذي خلّفه غيابها المُزمن في نفوسهم. 

تحثّ هذه المكتبة الخطى لتعانق عُشاق الكُتب ومحبِّي المطالعة، الذين يترقّبون بشوق خبر عودتها إلى العمل، ولعب ذلك الدور الذي عهدوه خلال فترة عملها السابقة، التي دامت 15 عاماً، كما يأملون في أن تفتح أبوابها لهم قريباً، وتستأنف أنشطتها، وتفعِّل برامجها ومشاريعها المتوقفة للعام السابع على التوالي، جراء تحويلها من قِبل مليشيا الحوثيين إلى ثكنة عسكرية، وتضررها بفعل الحرب والمواجهات العنيفة التي شهدتها المدينة بين القوات الحكومية والانقلابيين، فضلاً عن تعرّضها للنهب والاحراق من قِبل عناصر تنظيم "القاعدة"، وهو ما تسبب باحتراق بعض مرافقها وأثاثها و محتوياتها، وتضرر مئات الكُتب، والمخطوطات، والمراجع، والمعاجم، والمجلدات القيِّمة والمهمّة، حسب مصادر متطابقة. 

لم تشح هذه المكتبة، المموّلة من مجموعة "هائل سعيد أنعم"، بوجهها عن جمهورها إلا في العام 2015، وتعد المرة الأولى التي أجبرت فيها على فعل ذلك، منذ انطلاقتها في العام 2000، الذي أفردت فيه  جناحيها للجميع، وقدمت خدماتها اليومية لعشرات المرتادين، وذلك من مختلف الشرائح والفئات العُمرية. 

لعبت منذ أول وهلة دوراً ملحوظاً في تشجيع البحث العلمي، وتلبية احتياجات المثقفين والدارسين والباحثين، و نشر المعرفة، وتسهيل الوصول إلى المعلومات ومصادرها، وذلك في مختلف التخصصات والمجالات والأقسام، إلى جانب رفد طلاب الجامعات بالكُتب والمراجع العلمية والفنية والتقنية، وتمكينهم من اقتنائها من خلال تفعيل نظام الاستعارة، الذي يُتيح للشخص أخذ عدد من الكُتب ومطالعتها في المنزل، كما يسمح له باختيار المؤلفات التي يريدها، والجلوس داخل صالات المكتبة المعدة والمخصصة للاطلاع عليها، يقول مهتمون لموقع "بلقيس". 

* أضرار وتداعيات 

مصادر متطابقة ذكرت أيضاً لموقع "بلقيس" أن مكتبة السعيد واكبت، منذ تأسيسها، التطورات، ولبّت احتياجات القُراء والطلبة، وحوت رفوفها مئات الآلاف من العناوين والمؤلفات والإصدارات   وأمهات الكُتب، والمراجع، والمعاجم، والمجلدات، والدراسات، والموسوعات، والأبحاث العلمية، والخرائط، والقواميس، والمجلدات، والمراجع التاريخية والوثائقية، والمصادر، التي توفّرت بأكثر من لغة، وشملت مختلف المجالات والعلوم، بما فيها الفلسفة، وعلم النفس، والديانات، والعلوم الاجتماعية، واللغات، والعلوم التطبيقية، والفنون، والآداب، والتاريخ، والجغرافية، واتخذت جميعها 

نظاماً دقيقاً في تنظيمها، وتقسيمها، وتبويبها، وعرضها، وفهرستها، الذي تم وفقاً لنظام فهرسة علمي، وحديث، ومعتمد عالمياً.

  

بعد أن شكّلت إضافة نوعية للمشهد الثقافي والمعرفي، وأضحت بالنسبة للكثيرين وجهة مميّزة، وواجهة معروفة في عاصمة الثقافة للبلاد، أطفأت الأوضاع الراهنة ذلك الوهج والبريق، الذي صنعته مكتبة السعيد، خلال عقد ونصف من الفعل والحضور، وحوّلتها إلى ثكنة عسكرية، وجعلتها عرضة لمخاطر نيران الحرب، والعبث، والاعتداءات، والقصف المدفعي، وهجمات الجماعات المتطرّفة، إذ أقدمت مجاميع مسلحة تابعة لتنظيم "القاعدة"، في يناير من العام 2016، على نهب المكتبة، وإشعال النار فيها، ما تسبب باحتراق بعض مرافقها، وألحق أضراراً بليغة بمبانيها، ومحتوياتها  كما خلف خسائر مادية كبيرة وفقاً لمصادر صحفية وأخرى محلية.

بدا أمر إحراق هذا الصرح، الذي يعده مثقفون أكبر وأهم وأبرز منبر ثقافي على مستوى البلاد، صادماً ومثيراً للاستياء الواسع في أوساط جمهور المكتبة، والمواطنين، والناشطين، والإعلاميين، والمثقفين، الذين أدانوا تلك الممارسات، واعتبروها جريمة بحق العلم، والمعرفة، والثقافة، واستهدافاً للفكر، والوعي، والعقل، والإنسانية، واعتداءً صارخاً على المنشآت الثقافية والتنويرية في البلاد. 

بعد غفوة دامت ست سنوات، ستيقظت، أواخر العام الماضي، على إيقاع رغبتها في النهوض، والعودة، وأعمال الترميم، والصيانة، وغيرها من الإجراءات التي خضعت لها منذ عام تقريباً، وتأتي ضمن سلسلة استعدادات مكثّفة لمعاودة افتتاحهها رسمياً، وإخراجها من حالة الإغلاق والجمود، وهو ما تشير إليه مصادر مطلعة.. موضحة: "خضعت كافة طوابق المبنى الرئيسي، والقاعات، والمرافق للترميم والتجهيز الشامل، كما تم ترتيب أقسامها ومحتوياتها، وصالات القراءة فيها، إلى جانب صيانة وإصلاح آلاف الكتب والمراجع، وإعادة تصنيفها، وفهرستها، وترتيبها، ورصِّها". 

* مساعٍ حثيثة 

تمضي التحضيرات بخطّى حثيثة، طبقاً لعمّال وموظفين أكدوا أن المكتبة، التي حافظت على أكثر من 300 ألف كتاب وتجاوزت آثار الحرب، تقترب مجدداً من موعد عودتها في ظل إنجاز معظم الترتيبات والانتهاء من الترميم، والتجهيز الشامل لجميع طوابق المبنى الرئيسي، والأقسام، والمرافق، واستكمال تأهيل معظم محتويات المكتبة، وإعادتها إليها، ووضعها في أماكنها المناسبة. 

تتواصل عملية صيانة وإصلاح الكُتب المتضررة، وغيرها من الأعمال، التي لم تنجز بعد، الأمر الذي قد يؤجّل موعد افتتاح المكتبة رسمياً لبعض الوقت، وذلك بعد أن كان من المتوقّع أن يتم قبل نهاية العام الجاري، وهو ما أشار إليه مصدر مسؤول رفيع -فضّل عدم نشر اسمه- وتحفّظ، في حديثه لموقع "بلقيس"، عن موعد الافتتاح، وأرجع ذلك إلى عدم إنجاز بعض الأعمال والتجهيزات، وتأخّر وصول الأثاث من خارج البلاد، في حين تجنّب الخوض في تفاصيل الأعمال العالقة، والأثاث المنتظر. 

تواصل مؤسسة "السعيد للعلوم والثقافة"، التي تأسست العام 1996 بقرار من مجموعة رجل الأعمال الراحل هائل سعيد أنعم، بذل المزيد من الجهود والمساعي، وذلك لإعادة مكتبة السعيد إلى الخدمة، وفتح أبوابها مجدداً، واستعادة دورها وحضورها إلى جانب تفعيل العديد من الأنشطة والبرامج والفعاليات، بينها جائزة الحاج هائل سعيد أنعم السنوية، التي تشمل مختلف فروع المعرفة وإقامة الندوات، والمحاضرات، والأيام الثقافية، وتنظيم المهرجانات، والفعاليات والمعارض. 

وأسهمت المكتبة في تفعيل العمل الثقافي، والمعرفي، والفكري، وتطوير النشاط البحثي، والأكاديمي، وتشجيع البحث العلمي، والاطلاع وزرع العديد من القِيم والسلوكيات الإيجابية، والارتقاء بمستوى الوعي، وتعزيز روح الإبداع، وتوسيع مساحة القراءة، وزيادة عدد القُراء، وتوفير كُتب ومراجع مهمّة ونادرة، وتمكين الطلاب والباحثين، وغيرهم من الوصول إليها.  

يستبشر البعض باقتراب عودة المكتبة، التي أفسحت المجال لجميع الفئات العُمرية، بدءاً بالأطفال في سن السادسة، وما فوق، وكذلك ذوي الاحتياجات الخاصة. ويُشكل هذا الحدث بالنسبة لهم أهمية ودلالة وأثرا إيجابيا على المستوى الشخصي والمجتمعي، ما يجعلهم يستشعرون تلك المكانة، والقيمة التي ترسخت سابقاً في أعماقهم، والفراغ والآثار التي خلّفها غياب المكتبة منذ بدء الحرب، ويرون في معاودتها للعمل تجاوزا للحصار والحرب وركامها، ورائحة البارود، وتحدياً لقذائف الرعب والموت، واستعادة للحياة والأمل والقراءة والثقافة. 

وذكر إعلاميون "أنه في حضرة مكتبة السعيد للثقافة تعاود تعز قراءتها، وتعانق ثقافتها، وتتنفس الصعداء من جديد، وذلك رغم الأوضاع الراهنة وتداعياتها، وأخبار الموت، والخراب". 

إيقاع العودة 

وتعد العودة المرتقبة لمكتبة السعيد الثقافية، وفتح أبوابها مجدداً أمام عُشاق الثقافة، والقراءة، والبحث، والاطلاع، بمثابة عودة للنور الذي غيّبته قسراً الحرب التي شنّتها مليشيا الحوثيين، وهنا الحديث لمدير مكتب الإعلام السابق في محافظة تعز، المحامي نجيب قحطان، الذي قال لموقع "بلقيس": "إن مكتبة السعيد ليست مجرد مكتبة، بل هي دائرة نُور تبسط ضوءها، وتبدد الظلام الدامس الذي داهم اليمن عموماً وتعز على وجه الخصوص، وذلك منذ اندلاع الحرب في العام 2015". 

وشكّلت هذه المكتبة الوعي الثقافي والاجتماعي في تعز، وأسست عالما معرفيا، وحياة جديدة، ومدرسة إبداعية  هادفة نحو الارتقاء بالفكر، والوعي، والوضع الثقافي، والمعرفي، حسب قحطان الذي لفت إلى أن الجميع يترقبون، وبكل لهفة وشوق، عودة مكتبة السعيد إلى بث شعاع النّور والحياة والمعرفة، في ظل وضع قاتم، ارتفع فيه صوت الموت على صوت الحياة، وغلب صوت الرصاص صوت العقل، وسيطر فكر الغاب على العلم، والثقافة، والمعرفة.

المصدر : قناة بلقيس - هشام سرحان - خاص

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.