تقارير

هرولة السعودية للمصالحة مع إيران والحوثيين.. أين شعارات "عاصفة الحزم"؟

12/04/2023, 20:04:18
المصدر : قناة بلقيس - عبد السلام قائد

يوم السبت الماضي، وصل وفد سعودي إلى العاصمة الإيرانية طهران لبحث إجراءات فتح السفارة السعودية هناك، بعد يومين من اللقاء الذي جمع وزيري خارجية البلدين في العاصمة الصينية بكين، إثر المصالحة بين بلديهما. وبالتزامن مع وصول وفد سعودي إلى طهران، وصل وفد سعودي وآخر عماني إلى العاصمة صنعاء في نفس اليوم للتفاوض مع قيادات في مليشيا الحوثيين بشأن اتفاق لوقف إطلاق النار بشكل دائم وتحقيق السلام بين السعودية والحوثيين وتوسط السعودية للحل السياسي في اليمن.

وتأتي تلك الزيارات والمصالحات تتويجا لمفاوضات سابقة بين السعودية وإيران برعاية عراقية، وأخرى بين السعودية ومليشيا الحوثيين أحيانا مباشرة وأحيانا برعاية سلطنة عمان.

بدت صور اللقاءات الحميمية التي جمعت السفير السعودي لدى اليمن وبعض قادة مليشيا الحوثيين في العاصمة صنعاء صادمة وغير متوقعة، لاسيما أنها التقطت داخل القصر الجمهوري وما يمثله من رمزية سياسية، كما أن تلك اللقاءات بدت صادمة كونها تأتي بعد ثماني سنوات من الحرب التي دمرت معظم البنية التحتية في اليمن وقتلت وجرحت وشردت مئات الآلاف من اليمنيين، وتسببت بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، وكانت السعودية بتدخلها العسكري في اليمن قد أججت الحرب والصراع في البلاد، بينما اتخذت المليشيا الحوثية من مسمى "العدوان السعودي" ذريعة للتنكيل بالمجتمع وقهره وإذلاله بتهمة التعاون مع "العدوان" أو تأييده أو التخابر معه.

- لغز "عاصفة الحزم"

منذ نشأتها، ظلت السعودية تنظر إلى اليمن باعتباره "خطرا أمنيا داهما"، وعلى هذا الأساس كان تدخلها الدائم في البلاد بمبرر حماية أمنها، وكل التطورات والتحولات التي شهدتها اليمن كان للسعودية بصماتها ودورها فيها، وظلت الهواجس الأمنية هي الحاكمة للسلوك السعودي والموجهة له إزاء اليمن واليمنيين، لدرجة أنها، أي السعودية، ترى أن استقرار اليمن وتطوره وازدهاره ووحدته ونظامه السياسي الجمهوري كلها أخطار تهددها، وحتى عندما تدخلت عسكريا في البلاد قبل ثماني سنوات، كان ذلك التدخل بذريعة حفظ أمنها، ومنع ظهور "حزب الله" جديد في البلاد، وأيضا قطع يد إيران في اليمن.

لكن أين ذهبت شعارات عملية "عاصفة الحزم"؟ وما الذي حدث طوال السنوات الماضية ودفع السعودية للهرولة نحو المصالحة مع إيران ومليشيا الحوثيين، مع أن إيران تعاني من أزمات داخلية وخارجية، وكذلك مليشيا الحوثيين تمر بمرحلة ضعف بعد فشل معركتها للسيطرة على محافظة مأرب، وفشل معاركها الأخيرة في مأرب وشبوة وتعز، وهي معارك أرادت منها تحقيق انتصارات سريعة استغلالا لتوقف التدخل الجوي السعودي الذي كانت تعتقد أنه السبب في إعاقة تقدمها في مأرب وغيرها، لكن اتضح أن دور الطيران الحربي للتحالف في معركة مأرب، عام 2021، كان هامشيا وليس مؤثرا في مسار المعركة.

ومن خلال تتبع مسار الأحداث، منذ اندلاع عملية "عاصفة الحزم" في مارس 2015 وحتى اليوم، لا يبدو أن السعودية كانت جادة في القضاء على مليشيا الحوثيين، ولا جادة في مواجهة إيران، لأنها لو كانت جادة فإن الظروف حينها كانت مهيأة لحسم المعركة ضد مليشيا الحوثيين سريعا واستعادة السيطرة على العاصمة صنعاء لمصلحة السلطة الشرعية، بيد أن ذلك لا ينفي العداوة الظاهرية حينها بين السعودية من جهة وإيران ومليشياتها في المنطقة من جهة أخرى، وهي عداوة محكومة بضوابط عدة وفي مقدمتها اتكاء السعودية على المظلة الأمنية الأمريكية، وتلك المظلة هي التي كانت تجعل أمن السعودية خطا أحمر لا يمكن تجاوزه بالنسبة لإيران ومليشياتها، على الأقل خلال مرحلة ما قبل عملية "عاصفة الحزم".

ويمكن ربط عملية "عاصفة الحزم" في اليمن ومزاعم السعودية مواجهة إيران بالظروف والتحولات التي كانت تشهدها المنطقة حينها وتشهدها السعودية على الصعيد الداخلي، فالمنطقة كانت على أعتاب تطورات وتحولات نوعية جراء ثورات الربيع العربي، والسعودية كانت في لحظة حرجة من تاريخها جراء القلق من تأثير ثورات الربيع العربي على وضعها الداخلي من جهة، ومن جهة أخرى بروز أزمة انتقال السلطة من جيل الآباء إلى جيل الأبناء والأحفاد بعد وفاة الملك عبد الله وسعي خلفه الملك سلمان لنقل السلطة لذريته واحتكارها وإقصاء جميع أبناء وأحفاد آل سعود الآخرين، والخشية من أن يتسبب ذلك في أزمة وانشقاقات داخل عائلة آل سعود، مما سيؤثر على تحالفها مع قبائل المملكة ومع السلفية الوهابية التي كان لها صوت مسموع ومؤثر داخل المملكة.

ولذلك كان لا بد من أن تقدم السعودية على عمل كبير لتجاوز تلك المرحلة الصعبة، وكان ذلك العمل هو عملية "عاصفة الحزم" في اليمن، لوأد ثورة 11 فبراير الشعبية السلمية واغتيال عملية الانتقال السياسي في البلاد خشية تأثير ذلك على الوضع الداخلي للمملكة، وإقناع الشعب السعودي أن الثورات ضد الحكام مآلها الحرب والخراب، وبنفس الوقت الاتخاذ من تلك العملية وسيلة للتشويش على المجتمع السعودي وإرباك جيش المملكة وإلهاء الجميع عن احتكار السلطة في نسل الملك سلمان، والتنكيل بالمعارضين، والحديث عن خطط اقتصادية وتجارية عملاقة، وغير ذلك من وسائل التشويش على الشعب وعلى الجيش السعودي ذي الولاءات القبلية المتعددة، وارتباط ولاءاته بالقبائل بولاءات القبائل الموزعة على مختلف أبناء وأحفاد آل سعود والتي تشكلت بفعل المصاهرات وغيرها.

لقد اتخذ محمد بن سلمان من عملية "عاصفة الحزم" مظلة للتغطية على نهجه الاستبدادي لترسيخ حكمه، فأجرى تعديلات واسعة في قيادات جيش المملكة وفي المناصب المدنية المهمة والحساسة، وسجن كثيرا من أبناء أعمامه ومن أفراد عائلة آل سعود، ممن يشكك في غيضهم منه أو الخشية من التكتل ضده والسعي للإطاحة به، كما سجن عددا كبيرا من علماء الدين والناشطين السياسيين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي ممن يشكك في ولائهم له.

وهكذا عزل الملك سلمان ونجله ولي العهد بقية عائلة آل سعود من الشراكة في الحكم العائلي الوراثي، ليحتكره الملك سلمان في نسله فقط، وأزاح من طريقه كل العقبات المحتملة أو المخاطر التي تهدد احتكار حكم المملكة في نسل الملك سلمان، ولولا عملية "عاصفة الحزم" لكانت السعودية قد شهدت اضطرابات واسعة جراء النهج الاستبدادي لمحمد بن سلمان، لكن تلك العملية أربكت الشعب السعودي وجيش المملكة، فانصبت الأنظار نحوها، وركز عليها الإعلام السعودي بكثافة، وسط حملة دعائية واسعة تروج لمحمد بن سلمان، واعتباره بطلا عربيا قوميا يقود الأمة لمواجهة المد الفارسي في المنطقة.

وبقدر ما أن عملية "عاصفة الحزم" كانت مظلة لترتيب الوضع الداخلي في المملكة لمصلحة محمد بن سلمان، على حساب دمار اليمن وسفك دماء اليمنيين، فإن تلك العملية أيضا كانت فرصة للمملكة لإفراغ أحقادها التاريخية ضد اليمن دفعة واحدة، وتفرعت الحرب إلى أهداف ومسارات شتى، فسحقت السعودية معظم البنية التحتية لليمن، ودمرت عددا كبيرا من مخازن الأسلحة والمنشآت المدنية والعسكرية، وأضعفت الأحزاب والمكونات السياسية، وسيطرت هي والإمارات على أهم الموانئ والجزر والمدن الحيوية، وأغرقتا البلاد بالمليشيات المنفلتة والسلاح السائب والكانتونات المتنافرة، وحاربتا الشرفاء والوطنيين في السلطة الشرعية وعزلهم منها، ودعمتا مشروع انفصال جنوب اليمن من خلال تشكيل المليشيا الانفصالية وتزويدها بالمال والسلاح وتوفير الحماية الجوية لها.

كما تركتا مليشيا الحوثيين ترسخ سيطرتها في معظم محافظات البلاد والتي تمتاز بكثافتها السكانية، وتنشر فيها التشيع وتطييف المجتمع قسريا وحكمه بالحديد والنار، كما منعتا، أي السعودية والإمارات، الجيش الوطني من التقدم نحو العاصمة صنعاء لدرجة قصفه بالطيران الحربي إذا حاول التقدم في جبهة ما، والزعم بأن تلك غارات خاطئة، وحاصرتاه من شراء أسلحة جديدة ونوعية. وفي حين أغدقتا على المليشيات بمختلف توجهاتها بالمال والسلاح، فإن الجيش الوطني يعاني منذ مدة طويلة من نقص الأسلحة والذخائر ونقص التغذية وتوقف صرف الرواتب، وفي نفس الوقت لم تتوقف مزاعم دعم السلطة الشرعية ضد الانقلاب الحوثي وقطع يد إيران في اليمن، إلى ما قبل هرولة السعودية للمصالحة مع إيران والحوثيين.

- مصالحة العمامة والعقال

إذا كانت عملية "عاصفة الحزم" قد ارتبطت بمتغيرات إقليمية وداخلية للسعودية، فإن هرولة السعودية للمصالحة مع إيران والحوثيين ترتبط أيضا بمتغيرات إقليمية ودولية، وترتبط أيضا بتداعيات عملية "عاصفة الحزم" على أمن المملكة ومكانتها في الإقليم. صحيح أن عملية "عاصفة الحزم" ضربت عصفورين بحجر: إفراغ أحقاد المملكة التاريخية ضد اليمن، وترتيب البيت الداخلي للحاكم الجديد في قصور الرياض، لكنها لم تكن بردا وسلاما على المملكة، لأن ذلك التدخل العسكري الذي كان بذريعة مواجهة إيران ومليشياتها، دفع إيران لزيادة تدخلها العسكري المباشر في العراق وسوريا، وتهريب السلاح والنفط والمخدرات والخبراء العسكريين لمليشيا الحوثيين في اليمن.

كما اتخذت إيران من الأراضي اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيون منطلقا لشن هجمات على المنشآت النفطية والمدنية السعودية بواسطة الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، وانكشفت السعودية كدولة هشة أمنيا رغم إنفاقها الكبير على شراء الأسلحة الحديثة والنوعية، لكن تلك الأسلحة فقدت أهميتها بسبب عدم كفاءة العنصر البشري، وكان الأكثر إثارة للاستغراب عندما استعانت السعودية بجنود يمنيين لحماية حدودها مع اليمن من هجمات مليشيا الحوثيين، بالرغم من أنها تدخلت بذريعة دعم الحكومة اليمنية الشرعية ضد الانقلاب الحوثي، وبدلا من أن تحمي اليمنيين من مليشيا الحوثيين، أصبح اليمنيون هم من يحمون حدود المملكة مع اليمن من تلك المليشيا.

وعلى هامش عملية "عاصفة الحزم"، برزت تحديات جديدة أمام المملكة، دفعتها في آخر المطاف للهرولة نحو المصالحة مع إيران ومليشيا الحوثيين، وأبرز تلك التحديات أن السعودية وجدت أنها غير قادرة على حماية أراضيها ومنشآتها النفطية، وأنها لم تعد تثق بالمظلة الأمنية الأمريكية، بالرغم من سريان اتفاق كوينسي، في 14 فبراير 1945، بين الملك عبد العزيز آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، الذي كان عائدا من مؤتمر يالطا، حيث التقى قادة العالم لمناقشة مستقبل أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وكان أهم ما تضمنه ذلك الاتفاق هو التزام الولايات المتحدة بتوفير الحماية اللامشروطة لعائلة آل سعود، مقابل ضمان السعودية لإمدادات الطاقة التي تغطي احتياجات الولايات المتحدة.

لكن خلال عملية "عاصفة الحزم" بدا للسعودية أن المظلة الأمنية الأمريكية آخذة في التراجع، وبدأ ذلك عندما رفضت واشنطن إمداد السعودية بالأسلحة الحديثة فائقة الدقة والتدمير خلال رئاسة باراك أوباما، وظهرت دعوات في عهد الرئيس الحالي جوزيف بايدن تطالب بوقف بيع الأسلحة للسعودية، ولم تقم الولايات المتحدة بأي رد فعل إزاء إيران ومليشياتها عندما تعرضت المنشآت النفطية السعودية في بقيق لضربة مؤثرة، في سبتمبر 2019، وتسببت بخفض إنتاج السعودية من النفط إلى النصف ولمدة شهر تقريبا، كما أن الولايات المتحدة أصبحت تضع شروطا سياسية على مبيعات الأسلحة للسعودية، مما دفع المملكة لتنويع مصادر شراء الأسلحة.

وبعد أن صعّدت إيران هجماتها على ناقلات النفط في الخليج العربي، وصعّدت مليشيا الحوثيين هجماتها على حقول النفط في السعودية ومطاراتها وبنيتها التحتية، لم تقم الولايات المتحدة بأي رد فعل دفاعا عن المملكة، بل فقد سحبت بعض منشآتها الدفاعية من الأراضي السعودية، بذريعة الرغبة في الانسحاب من الشرق الأوسط، وتوجيه اهتمامها ومصادر قوتها إلى مواجهة الصين وروسيا، كما أن نفط المملكة تراجعت أهميته نوعا ما لدى الولايات المتحدة بعد ظهور النفط فيها بكميات هائلة، واتجاه العالم لمصادر الطاقة البديلة، استعدادا لمرحلة ما بعد نضوب النفط.

الخلاصة، لقد نجحت السعودية، من خلال عملية "عاصفة الحزم"، في تدمير اليمن وتفتيته وترتيب وضع الحاكم الجديد في قصور الرياض، لكنها في مقابل ذلك أظهرت السعودية كدولة هشة أمنيا وفاشلة عسكريا وغير قادرة على حماية أراضيها ومنشآتها النفطية، ولم تعد تثق بالمظلة الأمنية الأمريكية، كل ذلك دفعها للهرولة نحو المصالحة مع إيران ومليشيا الحوثيين، وهي مجردة من المكاسب الميدانية، غير أن تلك المصالحة التي تراها السعودية خيارا إستراتيجيا، فإن إيران تراها هي ومليشياتها تكتيكا آنيا أو مرحليا، لأن الحرب ذات الأبعاد الطائفية والدينية ليست محصورة بحدود زمانية أو مكانية، وإنما هي دورات عنف وحروب متجددة.

تقارير

جزيرة ميون في الواجهة... إنزال مجهول يضع الكثير من التساؤلات؟

تقارير إخبارية تكشف عن حدوث محاولة عملية إنزال جوي من قبل "طائرة مجهولة" في جزيرة ميون الاستراتيجية بالقرب من مضيق باب المندب، في حين أكد مسؤول في خفر السواحل فيما يسمى بـ"قوات المقاومة الوطنية" التابعة لـ طارق صالح وتنتشر على الساحل الغربي لليمن، عدم صحة الخبر.

تقارير

دعوى قضائية في أمريكا ضد مرتزقة استأجرتهم الإمارات لاغتيال شخصيات يمنية

وسائل إعلام أمريكية تكشف عن تفاصيل دعوى قضائية رُفعت أمام محاكم فيدرالية في الولايات المتحدة، تتهم ثلاثة متعاقدين أمنيين أمريكيين بتنفيذ عمليات تصفية واغتيالات سياسية في اليمن لصالح الإمارات، ما يفتح الباب مجددًا أمام تساؤلات قانونية وأخلاقية حول دور المرتزقة الأمريكيين في الصراعات الخارجية.

تقارير

مضيق باب المندب على المحك: هل سيغلقه الحوثيون؟

أطلقت إيران موجات من الصواريخ على إسرائيل يوم الاثنين، بينما نفّذ الحوثيون المدعومون من طهران في اليمن هجومهم الثاني منذ بدء التصعيد، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض طائرتين مسيّرتين أُطلقتا من اليمن صباح 30 مارس.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.