تقارير
هكذا يؤثر انهيار العملة على حياة المواطنين في اليمن؟
يتواصل مسلسل اضطراب العملة الوطنية بوتيرة عالية منذ مطلع العام الحالي مع تجاوز سعر صرف الريال مقابل العملات الأجنبية مستويات قياسية في ظل عجز وارتباك حكومي ومصرفي في السيطرة على عملية الانهيار المتواصلة وتلافي تبعاتها الكارثية على كافة المستويات الاقتصادية والمعيشية والإنسانية.
ولم تعد المشكلة تكمن بالنسبة لكثيرين في اليمن، خصوصاً القطاع التجاري والأعمال والمهن والحرف، في تدهور سعر صرف الريال اليمني والذي أصبح عملية مألوفة خلال الفترة الماضية، بل في الاضطراب الحاصل وتغير سعر الصرف من يوم لآخر، وفي كثير من الأيام مؤخراً يتغير أكثر من ثلاث مرات في اليوم.
انعكاس سلبي
ويشكو تجار ومهنيون وحرفيون يكافحون للإبقاء على أعمالهم ومصدر رزقهم من الإفلاس والاندثار، من فوارق سعر الصرف اليومية التي أصابتهم بالارتباك وتعطيل أعمالهم ومهنهم وتكبيدهم خسائر فادحة نتيجة عدم استقرار سعر صرف العملة عند مستوى محدد على الأقل لأيام قليلة.
يقول مالك ورشة حدادة في تعز جنوب غربي اليمن، محمود العليمي،، إن انهيار العملة أصبح أمرا واقعا ويتم العمل على التكيف معه بقدر المستطاع، لكن المشكلة وفق تعبيره تختصر في "أننا نصبح على سعر ونمسي على سعر"، وهو ما يجعلهم في حالة استنفار دائمة.
أما تاجر الأخشاب ومواد البناء محمد العريقي، فيؤكد أن كثيرا من المعاملات والصفقات اليومية التي تجري في قطاع الأعمال يتم إلغاؤها بسبب تغير سعر الصرف أكثر من ثلاث مرات يومياً، وبعضها تكون نافذة وغير قابلة للإلغاء مع تغير سعر الصرف، وهو ما يؤدي إلى تحمل كثير من التجار والحرفيين والمهنيين تكاليف وخسائر باهظة فوارق صرف العملة المحلية.
ويرى مواطنون وعمال أن الجهات العامة الحكومية تقف مكتوفة الأيدي ومشاهدة الجحيم الذي تكتوي بناره غالبيتهم بسبب انهيار العملة وتبعاته الكارثية على وضعيتهم المعيشية وما تبقى من دخل محدود تعيش عليه أسرهم وأولادهم.
وحسب العامل في ورشة نجارة، فوزي أمين، فإن أجرته اليومية متوقفة عند مبلغ يقدر بنحو 6000 ريال والذي تقل قيمته كل يوم بسبب وضعية العملة وسعر الصرف، بينما لا يستطيع مالك ورشة النجارة التي يعمل فيها تحسين أجره لنفس السبب المتمثل في انهيار الريال وعدم استقرار سعر الصرف.
تحسن طفيف
وكان الريال اليمني قد سجّل خلال الأيام الماضية انهياراً قياسياً أمام العملات الأجنبية، حيث لامس حاجز 1400 أمام الدولار الواحد في المناطق الخاضعة لنفوذ الحكومة المعترف بها دولياً.
وقالت مصادر إن الإجراءات الحكومية ساهمت في تحسن طفيف الأحد الماضي، عندما سجل الريال 1350 أمام الدولار الواحد، فيما عاود الارتفاع في بعض المحافظات.
ويلاحظ تنامي الغضب الشعبي والسخط والاحتجاجات والاحتقانات من وطأة التبعات الكارثية الناتجة عن انهيار العملة واضطرابها وعدم استقرار سعر الصرف والتي حولت حياة اليمنيين إلى جحيم وعدم قدرة غالبية السكان على مواجهة التزاماتهم المعيشية والخدمية من غذاء ودواء ومياه وكهرباء وإيجارات المساكن.
اجراءت تخديرية
ولمواجهة هذا الغضب المتنامي، سارعت الحكومة اليمنية والسلطات المحلية في بعض المحافظات إلى الإعلان عن إجراءات متعددة تختلف من مناطقة لأخرى للتصدي لتبعات انهيار العملة وتخفيف حدتها على المواطنين.
كما أوقفت الحكومة كافة التحويلات عبر الشبكات المالية الداخلية وتكليف البنك المركزي اليمني بعملية للتنفيذ وتقييم الوضع بشكل مستمر، والعمل على التطبيق الصارم لقانون شركات الصرافة، وما يتضمنه من إجراءات الفحص والتدقيق في العمليات المالية أولا بأول.
وكان البنك اليمني في عدن قد أصدر تعميماً وصفه بالمهم يقضي بإيقاف تراخيص مزاولة أعمال الصرافة لـ54 شركة ومنشأة صرافة غير ملتزمة بقانون تنظيم أعمال الصرافة وتعليمات البنك المركزي، وإحالتها إلى جهات الاختصاص.
ويصف الخبير المصرفي عبد الباري صالح، هذه الإجراءات بالمخدرة والمسكنة لمشاكل متضخمة لم تعد السلطات الحكومية في الظروف الراهنة قادرة على التعامل معها وضبطها، إذ لا تهدف إجراءاتها الحالية إلى التجاوب مع المطالب الشعبية واحتواء الغضب المتنامي لليمنيين بسبب معاناتهم من انهيار العملة، بل لتنفيذ مطالب واشتراطات صندوق النقد لاستيعاب الأزمة.
ويلمح صالح إلى تغافل الحكومة عن مؤثرات مهمه برزت مؤخراً وانعكست على مضاعفة الأزمات الاقتصادية والنقدية والمتمثلة بالمعارك الدائرة في مأرب، وتأثير أي تقدم للحوثيين على سوق الصرف.
وتضمنت القرارات الحكومية الأخيرة تنفيذ حزمة إجراءات لترشيد فاتورة الاستيراد وتنظيم الطلب على العملة الصعبة لتغطية عمليات الاستيراد للاحتياجات الأساسية وبما يتواكب مع الاحتياجات والوضع المالي والاقتصادي.
كما تم إلزام وزارة الصناعة والتجارة والجهات ذات العلاقة بتقديم قائمة بالسلع الكمالية المقترحة الممكن تعليق استيرادها لمنع استنزاف العملة الصعبة وخيارات التعامل معها، وتشديد الإجراءات في المنافذ لمنع عمليات تهريب العملة الأجنبية، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية حيال ذلك، وحصر نقل المبالغ إلى الخارج وفقا لآلية يقرها البنك المركزي اليمني في عدن، وبما يساعد البنوك التجارية وفقا لمعايير الإفصاح والامتثال.
ومنذ نحو 3 شهور، بدأت العملة اليمنية مسلسل الانهيار القياسي، وذلك عندما تجاوز الريال حاجز 1000 أمام الدولار الواحد للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب قبل 7 سنوات، وسط ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الغذائية.
وعجزت المعالجات الحكومية، التي تأتي كردود فعل متأخرة، عن معالجة الانهيار الاقتصادي، وسط اتهامات لجماعة الحوثيين ومضاربين بالوقوف وراء الأزمة، خصوصاً أن أسعار الصرف في صنعاء ما زالت مستقرة عند 600 ريال أمام الدولار الواحد منذ مطلع العام الجاري. وحسب مراقبين يتوقع أن يتواصل تدهور العملة المحلية في حال استمرار الانقسامات المالية وتصاعد المعارك العسكرية وتراجع إيرادات النقد الأجنبي خاصة من تحويلات المغتربين وصادرات النفط.