تقارير
إحراق الإطارات.. أخطر مظاهر الاحتفالات السلبية في رمضان
أعمدة طويلة من الدخان الأسود الكثيف تتصاعد إلى السماء كالسحب، وتتمايل مع الرياح لتنتشر إلى كل البيوت المجاورة مع رائحة قوية تعم الحي، وتسببت بحالات صداع وغثيان، خاصة للمرضي الذين يعانون من الربو ونقص المناعة.
حول الحريق تشكلت حلقة من الأطفال، يغيبها الدخان حيناً ويظهرها آخر، دون أن يأبهوا بالمخاطر التي قد تصيبهم نتيجة لاستنشاق الدخان الحامل للعديد من المكونات الكيمائية الخطرة.
لم يعترض الآباء على ممارسات الأطفال، أو يحذروهم من الخطر، واعتبروا الأمر ممارسة طبيعية تعبر عن فرحة الناس بقدوم شهر رمضان المبارك، كما يرى الستيني "عبدالولي" الذي كان يجلس على مقربة من الحريق.
يقول "عبدالولي" لـ"بلقيس": إحراق الإطارات بمثابة عملية تنصير، تعبر عن فرحة الناس والأطفال برمضان، وتجري هذه العملية سنوياً، ولا تسبب أذى لأحد من الناس، والحديث عن الأضرار مجرد تهويل فقط.
إجراءات توعوية متوقفة
إحراق الإطارات مشهد يتكرر كل عام استقبالا لشهر رمضان المبارك في مختلف أحياء العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية، يقابله تحذيرات من هيئة حماية البيئة وسلطات حكومية وطبية لكن دون جدوى.
فخلال السنوات الماضية نفذت الهيئة العامة لحماية البيئة أنشطة توعوية وتعريفية، واعدت بروشورات حول مخاطر حرق الإطارات، وأضرار الظاهرة، وسعت إلى إشراك خطباء المساجد في الحملة، لكن كل تلك الأنشطة توقفت منذ عامين نتيجة لان الظاهرة لم تعد منتشرة بشكل كبير كما في السابق، كما يقول محمد الأفرم مدير عام الرصد والتقييم البيئي بالهيئة.
ويضيف: تواصلت الهيئة مرراً مع الجهات الرسمية لاتخاذ الإجراءات اللازمة ضد من يقوم بحرق الإطارات لكن الظاهرة بقيت مستمرة.
ولا يدرك أولياء الأمور أن المتضرر الأول من حرق الإطارات هم الأطفال الذين يقومون بالحرق باعتبارهم أكثر عرضة لاستنشاق الغازات الناتجة عنها، بالإضافة إلى سكان الأحياء التي يتم فيها الإحراق.
انبعاثات خطرة
تتكون الإطارات من 20 مادة كيمائية منها المطاط الطبيعي والصناعي، والكربون وأصماغ والبولياستر والنايلون والكبريت والأسلاك، وتكمن المشكلة في وجود الكبريت الذي يعطي التماسك للسائل قبل الصب، وما ينتج عن إحراقه من مخاطر وأضرار.
وبحسب دراسات طبية، يتسبب دخان الإطارات في العديد من المخاطر الصحية منها صعوبة التنفس التي قد تؤدي إلى الوفاة خاصة للمصابين بالربو، وذلك لأن إطار السيارات يتكون من المطاط الصناعي المصنّع من مُركبات البنزين ومشتقاته، والكربون الأسود، والكبريت وأكسيد الزنك والشمع والفولاذ، وعند احتراقه يبعث غاز أول أكسيد الكربون، ومواد عضوية متطايرة، وجزيئات صغيرة تدخل الجهاز التنفسي، وتترسب في أعماق الرئة، ما يترتب عليها آثاراً ضارة وخطيرة على المدى البعيد.
ويتفق مع هذا الطرح، الدكتور محمود ثابت الذي يؤكد أن أول أكسيد الكربون يسبّب الصداع والغثيان والدوار وسرعة دقات القلب، ومشاكل صحية عدة لاسيما للأطفال، والأجنة في أرحام أمهاتهم، والرضع وكبار السن.
ويقول ثابت لـ"بلقيس": الانبعاثات الناتجة عن الاشتعال تؤثر على الخصوبة، وتضر بجهاز المناعة، وتنتج عنها مشاكل في النمو، وعاهات للأجنة في بطون أمهاتهم وتتسبب أحيانا بالإجهاض، علاوة على أن لها تأثيرات على المدى الطويل منها الإصابة بالسرطان.
ويضيف: عندما تصل هذه المواد إلى جسم الإنسان عن طريق الاستنشاق، أو ملامسة الجلد، تؤدي إلى ضرر كبير قد يصل إلى أن تُفرز تلك المواد في حليب الأم المرضعة.
وأظهرت دراسات علمية في مجال البيئة، أن العاملين في مصانع حرق الإطارات هم أكثر عرضة لأمراض الربو والسرطان والالتهابات الرئوية وضيق النفس بسبب الستيرين بودتادين، الذي يعد المركب الأساسي للإطارات، ويودي حرقه إلى انبعاث مركبات خطرة.
مخاطر بيئية
الأنظمة والقوانين في الولايات المتحدة، والعديد من دول العالم، تُجرم حرق الإطارات، ولا يسمح لرجال الإطفاء والدفاع المدني بإطفاء أي حريق خاص بالإطارات، أو المواد البلاستيكية، دون ارتداء الأقنعة الواقية الخاصة.
ولهذا يرى محمد الأفرم، أن الحفاظ على سلامة البيئة قضية رئيسية وحياتية تهم الجميع، ولا بد من تحمل المسئولية من خلال نشر وتعزيز مستوى الوعي البيئي بخطورة الظاهرة على الصحة العامة والبيئة، بما يكفل الحد منها، ومعالجتها أثارها على نحو أفضل.
ويقول الأفرم لـ"بلقيس" يولد إحراق الإطارات مخلفات وانبعاثات لها تأثير مباشر وغير مباشر على جودة الماء والهواء والتراب، وحتى الإطارات التالفة تعتبر من المواد التي يصعب تحللها أو الاستفادة منها في أشياء أخرى، ومن الصعب معالجة المشاكل الناتجة عنها.
وبحسب الأفرم، الإجراءات التي يمكن أن تتخذ حيال الذين يقومون بهذه الممارسات صعبة، نظراً لأنهم يكونون في الغالب من صغار السن، ولكن الأمر يحتاج إلى اتخاذ قرارات رادعة، وتحديد عقوبات ضد المخالفين.