تقارير

اقتصاد الحرب في اليمن.. بين تجفيف موارد "الشرعية" وتمويل المليشيا

26/02/2023, 07:14:59

في عام 2014، أي قبل اندلاع عملية "عاصفة الحزم" وتدخل السعودية والإمارات عسكريا في اليمن، كانت الموازنة العامة للدولة التي أقرتها الحكومة اليمنية 13.4 مليار دولار لذلك العام.

وقبل أيام، قدمت السعودية مبلغ مليار دولار وديعة في البنك المركزي اليمني في عدن، ورغم ضآلة المبلغ، فقد وصف رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، تلك الوديعة بأنها "ستمثل دفعة قوية للاقتصاد اليمني واستقرار العملة المحلية"، بينما قال السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، إن "الوديعة جزء من حزمة للدعم الاقتصادي لليمن"، وإنها "لا تخص عدن فقط ولكن كل الشعب اليمني".

- الودائع المالية مقابل التنازلات

ارتبطت الوديعة المالية السعودية الأخيرة بتنازلات ومتغيرات كبيرة في الأزمة اليمنية، وكانت بداية الوعود بتلك الوديعة عندما تم تغيير محافظ محافظة شبوة السابق محمد صالح بن عديو في ديسمبر 2021، أي أنها كانت بمنزلة الابتزاز للحكومة الشرعية، ثم وعود بوديعة من السعودية والإمارات بمبلغ ثلاثة مليارات دولار أعلن عنها بالتزامن مع الإطاحة بالرئيس عبد ربه منصور هادي ونائبه علي محسن الأحمر من منصبيهما، وتشكيل مجلس قيادة رئاسي بديل، في أبريل 2022.

بيد أن تلك الوعود لم تنفذ، وبعد مرور بضعة أشهر اشترطت السعودية إجراء إصلاحات مالية لتقديم ودائع مالية، دون الإفصاح عن ماهية الإصلاحات المطلوبة، أو تحديد البلد المطلوب منه إصلاحات مقابل منحه ودائع مالية، لكن لوحظ أن الحكومة الشرعية قد أقدمت على عدد من الإجراءات قبل تقديم السعودية الوديعة المالية الأخيرة، وكانت إجراءات الحكومة هي: رفع سعر صرف الدولار الجمركي، ومنع تصدير الأسماك، وربما هناك إجراءات أخرى لم يُعلن عنها.

لكن ليس مؤكدا ما إذا كانت تلك الإجراءات قد تمت وفقا لإملاءات سعودية، وما هو واضح أن الوعود بتقديم وديعة مالية مقدرة بثلاثة مليارات دولار كانت قد ارتبطت بعملية ابتزاز ثم مماطلة في تسليم الوديعة، وفي نهاية المطاف كان المبلغ المقدم مليار دولار فقط، دون الإشارة إلى بقية المبلغ الذي وعدت به السعودية والإمارات كوديعة لدى البنك المركزي اليمني، ولعل تجزئة الوديعة المالية الهدف منها إفساح المجال لمزيد من الابتزاز أو فرض المزيد من التنازلات المطلوبة من الحكومة اليمنية.

لم يكن ذلك سوى غيض من فيض للطريقة التي أدار بها التحالف السعودي الإماراتي "اقتصاد الحرب" في اليمن، مع أنه يفترض أن يُدار "اقتصاد الحرب" بطريقة تتناسب مع طبيعة موارد البلاد والتوازن بين متطلبات إدارة المعركة وتلبية احتياجات المواطنين، لكن ما حصل أنه في الوقت الذي عطل فيه التحالف موارد البلاد، ثم تمكّن مليشيا الحوثيين من وقف استئناف تصدير النفط اليمني، فإن ما تم تقديمه للحكومة الشرعية من ودائع مالية طوال السنوات الثمان الماضية بلغ ثلاثة مليارات و300 مليون دولار فقط، بينها مليارا دولار قدمتها السعودية وديعة في العام 2018، وظلت تدفعها على مراحل، ووديعة مليار دولار قبل أيام، بينما أودعت الإمارات 300 مليون دولار في حساب البنك المركزي في عدن، في 23 نوفمبر 2022. 

وفي حين ارتبطت تلك الودائع بعمليات ابتزاز وتنازلات أفضت إلى إجراء تغييرات كبيرة في هرم السلطة الشرعية، مع أنها ودائع مطلوب تسديدها لاحقا بفوائد، إلا أن التحالف ظل ينفق بسخاء على مليشيات وتشكيلات عسكرية غير نظامية، ويمدها بأسلحة حديثة ومتطورة، دون الإفصاح عن تكاليف تمويل تلك المليشيات والتشكيلات العسكرية، وغموض تكاليف تسليحها، وأيضا غموض المخصصات المالية المقدمة لها كرواتب للجنود وتغذية ووقود مركبات عسكرية وغير ذلك.

أما مليشيا الحوثيين فإنها تسيطر على موارد مالية هائلة كان يفترض أن تكون بيد الدولة، وكانت البداية من نهبها خمسة مليارات ونصف المليار دولار من البنك المركزي اليمني الذي ظل تحت تصرفها في صنعاء، ولم يتم نقله إلى عدن إلا بعد نهبه.

- تنوع الموارد المالية للحوثيين

لم يتمكن التحالف السعودي الإماراتي من تجفيف الموارد المالية لمليشيا الحوثيين، بل ففي الآونة الأخيرة خفف التحالف من الحصار على المليشيا. علاوة على ذلك، تعرض السعودية على المليشيا دفع رواتب مقاتليها مقابل وقف الهجمات على أراضي المملكة، ولم يتخذ التحالف أي إجراءات لتمكين الحكومة الشرعية من استئناف تصدير النفط بعد تهديدات الحوثيين بمنع تصديره وشن هجمات على مواقع المنشآت النفطية في حضرموت وشبوة، بل فالتحالف كان قد عطل موارد البلاد طوال السنوات الماضية، ولم يسمح سوى بتصدير كميات قليلة من النفط تورد عائداتها إلى أحد البنوك السعودية، دون أي شفافية أو أرقام معلنة بشأن الكميات المصدرة ومقدار عائداتها.

وفي الوقت الذي يتواصل فيه انهيار الاقتصاد اليمني وتتزايد التحديات أمام الحكومة الشرعية جراء تعطيل موارد البلاد وتجفيف مصادر الدخل، مما يعيق الحكومة عن القيام بدورها في التخفيف من معاناة المواطنين، فإن مليشيا الحوثيين ما تزال المستفيد الأكبر من موارد البلاد، فهي تسيطر على القطاعات الحكومية النشطة والواعدة مثل قطاع الاتصالات والإنترنت ورسوم عبور الطائرات فوق المجال الجوي اليمني واحتكارها تجارة النفط والغاز والسلع الرئيسية في مناطق سيطرتها.

كما أن المليشيا الحوثية تجني أموالا طائلة من عائدات الضرائب والجمارك في مناطق سيطرتها والتي مداخيلها باهظة، كون المليشيا تسيطر على مناطق الكثافة السكانية في البلاد التي تكون عائدات النشاط التجاري فيها أضعاف عائدات النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، وحتى عائدات الضرائب والجمارك في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية فإنها عرضة للنهب والفساد، لاسيما في المحافظات التي تسيطر عليها مليشيات أو تشكيلات عسكرية غير نظامية، ولا تورد لخزينة الدولة، فضلا عن الإشكالية المزمنة المتمثلة في رداءة النظام الضريبي في اليمن، حيث تذهب معظم عائدات الضرائب لمصلحة نافذين دون أن تستفيد منها الحكومة اليمنية في الإيفاء بالتزاماتها.

- ما جدوى الودائع الزهيدة في ظروف الحرب وتعطل الموارد؟

في الوقت الذي تتزايد فيه التحديات أمام الحكومة اليمنية الشرعية جراء انهيار الاقتصاد الوطني وانهيار العملة المحلية، مما يعيق الحكومة عن القيام بدورها في التخفيف من معاناة المواطنين جراء تردي الأوضاع المعيشية، عاودت السعودية ما يمكن وصفها بالحلول الترقيعية للأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد من خلال تقديمها وديعة مالية، مبلغ مليار دولار، لدى البنك المركزي اليمني.

لن يكون لذلك المبلغ دور فاعل في تحسن الوضع الاقتصادي أو تحسن سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، كما هو حال مبالغ قدمتها السعودية سابقا كودائع لدى البنك المركزي اليمني، ويزيد حاليا من وطأة الوضع أن موارد الدولة معطلة تماما، بينما مصادر تمويل مليشيا الحوثيين كثيرة ومتنوعة وتأتي من مصادر يفترض أن تكون عائداتها للحكومة الشرعية.

وإذا كانت الوديعة المالية الأخيرة قد ارتبطت بالإطاحة بالرئيس عبد ربه هادي ونائبه علي محسن من منصبيهما، وقبلهما محافظ شبوة محمد صالح بن عديو، فإن الوديعة المالية السابقة، 2 مليار دولار، عام 2018، كانت مجرد مسكن مؤقت للغضب الشعبي وظهور دعوات لإعلان ثورة جياع ضد التحالف والحكومة الشرعية والحوثيين، وكانت هناك خشية لدى السعودية من اندلاع ثورة جياع عنيفة تخلط كل الأوراق وتفشل أجندة التحالف في اليمن. 

ورغم أن السعودية وقعت اتفاقية تسليم تلك الوديعة في منتصف مارس 2018، إلا أن السحب منها لم يتم إلا بعد أن انهارت العملة المحلية إلى مستوى غير مسبوق، وخرجت مظاهرات شعبية بالفعل في المحافظات المحررة وغير المحررة، وقد واجهت مليشيا الحوثيين المظاهرات في مناطق سيطرتها، صنعاء تحديدا، بالقمع الوحشي، ولم يكن للوديعة المالية السعودية سوى أثر محدود على سعر صرف العملة المحلية، ثم ما لبثت أن انهارت العملة المحلية مجددا بشكل أسوأ مما سبق.

كما أن الوديعة المالية السابقة، 2 مليار دولار (2008)، طاولها الفساد وسوء الاستخدام وصرفها في غير ما هو مخصص لها، وتورطت قيادات في البنك المركزي في عمليات مصارفة لجني الأرباح من فوارق سعر الصرف بين السوق والسعر المدعوم من البنك المقدم للتجار لتغطية الاعتمادات المستندية لصالح استيراد المواد الغذائية، وهو ما أكده فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، في تقريره الصادر في يناير 2021، الذي اتهم فيه البنك المركزي بتسهيل عملية اختلاس مبلغ 423 مليون دولار أمريكي من الوديعة.

لم تتمكن الوديعة السعودية تلك من كبح جماح انهيار الريال اليمني، وإنما أحدثت تحسنا طفيفا ومؤقتا في أسعار الصرف، وبعد انتهاء آخر دفعة من الوديعة، انهارت العملة المحلية بشكل متسارع، أي أن ما حققته الوديعة السعودية لم يكن سوى إبطاء انهيار العملة المحلية وترحيل الأزمة التي انفجرت لاحقا بعد انتهاء الوديعة، ويعني ذلك أن أي وديعة جديدة لن تكون سوى تكرار للسيناريو السابق، أي إبطاء انهيار العملة المحلية وترحيل الأزمة لتنفجر دفعة واحدة مستقبلا، ويزيد الطين بلة أن تلك الودائع المالية ليست هبات وإنما هي قروض مطلوب تسديدها لاحقا مع الفوائد.

- عبث التحالف بالاقتصاد النظامي لليمن

يعرف اقتصاد الحرب، في حال الحروب الأهلية، بأنه "استمرار الاقتصاد بوسائل أخرى"، ووفقا لمعهد بيرجوف للأبحاث، فإن ما يميز اقتصاد الحرب في الحروب الأهلية، حيث تكون الحكومة والمتمردون طرفي النزاع، "أنها تنطوي على التحايل على الاقتصاد النظامي وتدميره، ونمو الأسواق غير النظامية والسوداء، وسيادة السلب، والابتزاز، والعنف المتعمد ضد المدنيين من قبل المقاتلين لاكتساب السيطرة على الأصول المربحة، واستغلال اليد العاملة، كما أنه اقتصاد يتسم باللامركزية، ويزدهر فيه الاعتماد على التهريب، واستغلال الأقليات من السكان".

وعطفا على التعريف السابق، سنجد أن التحالف السعودي الإماراتي يتحايل على الاقتصاد النظامي لليمن، عبر تعطيل موارد البلاد وتقديم حلول ترقيعية مؤقتة من خلال الودائع المالية الزهيدة، ويبتز الحكومة الشرعية، ويهرب منتجاته الرديئة والمقلدة إلى البلاد، وبذلك فهو يشترك مع مليشيات الحوثيين وغيرها في تدابير "اقتصاد الحرب" المدمرة للاقتصاد النظامي، مع أنه كان يفترض استغلال كل موارد الدولة وتنظيم القدرة الإنتاجية والتوزيع خلال وقت الصراع، مع إجراء تعديلات جوهرية على الإنتاج الاستهلاكي لاستيعاب متطلبات الدفاع وتلبية مطالب المستهلكين.

قناة بلقيس - عبد السلام قائد - خاص
تقارير

مناورة (إسرائيل) في أرض الصومال: تحوّل موازين القوة في البحر الأحمر

في 26 ديسمبر 2025، أصبحت (إسرائيل) أول دولة تعترف رسميًا بأرض الصومال كدولة مستقلة. لم تكن هذه الخطوة مجرد لفتة رمزية أو نزوة دبلوماسية تحمل شيئًا من الحنين السياسي، بل كانت تحركًا محسوبًا بدقة حوّل سنوات من التعاون الأمني الهادئ القائم على الممارسة إلى اصطفاف استراتيجي معلن، وفي الوقت ذاته التفّ على تركيا ومصر ووكلاء إيران الحوثيين عند أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم.

تقارير

"التصعيد في باب المندب".. كيف تقيد الحسابات الإقليمية تحركات الحوثيين في البحر الأحمر؟

مع استمرار مسار المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بصورة موثوقة، يواصل الطرفان تقييم أوراق الضغط التي يمتلكانها لتحقيق نهاية مواتية للصراع. وبالنسبة لإيران، فإن بعض هذه الأوراق يتمثل في جماعاتها الحليفة المختلفة، بما في ذلك جماعة الحوثي في اليمن.

تقارير

تشاتام هاوس: اغتيال مسؤول تنموي يكشف هشاشة الأمن في مناطق الحكومة اليمنية

إن اختطاف واغتيال وسام قائد، وهو شخصية تنموية يمنية-بريطانية بارزة والمدير التنفيذي بالإنابة للصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، لا يمثل فقط خسارة مأساوية لقطاع التنمية في اليمن، بل يكشف أيضاً عن تحدٍ مزمن وغير محسوم يواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، يتمثل في عجزها عن فرض أمن يحظة بالثقة في مناطق جنوب اليمن الواقعة تحت سيطرتها، بما في ذلك العاصمة المؤقتة عدن.

تقارير

كيف ستبدو (إسرائيل) عند بلوغها الـ100 عام؟ تحقيق تلفزيوني يرسم صورة التغيرات العميقة

يتوقع تحقيق صحافي واسع بثته القناة 12 العبرية أن إسرائيل ستشهد تغيرات جوهرية وخطيرة عند بلوغها مائة عام من عمرها، بحيث تصبح “دولة يهودية على حافة دولة شريعة”، يصغر فيها عدد العلمانيين ويصبحون أقلية، فيما يزداد عدد العرب الفلسطينيين فيها واليهود الأرثوذوكس (الحريديم)، بينما يحذر خبراء من انهيار تدريجي بسبب تصاعد محتمل في هجرة النخب منها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.