تقارير
الحكم المحلي واسع الصلاحيات: مغالطات في المفاهيم تخالف الدستور اليمني!
منذ إعلان الوحدة اليمنية قبل أكثر من ثلاثين عاما، عمدت السلطة إلى احتكار القرار لصالح جغرافية محددة، وتهميش محافظات أخرى، الأمر الذي قاد إلى احتجاجات واسعة هددت استقرار البلاد.
ومع فشل خيار الأقاليم في وضع حل للحرب في البلاد، ومنع النزعات الانفصالية؛ يرى مراقبون أن الحكم المحلي بات يمثل مخرجا للأزمة المستمرة منذ أكثر من ثماني سنوات.
منذ أن أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، من محافظة حضرموت نيَّته تطبيق حكم محلي واسع الصلاحيات في بقية المحافظات، إذا ما نجحت التجربة الحضرمية؛ بات الحديث عن حكم محلي واسع الصلاحيات محط النقاشات النخبوية والمؤسساتية، على الرغم مما يشكِّل ذلك من ارتداد عن مخرجات الحوار الوطني، وآليته التشريعية.
التحوّل الجديد نحو نظام الحكم المحلي واسع الصلاحيات يأتي وسط تساؤلات بشأن جدية وإمكانية السلطة الشرعية في إنفاذ وعودها، في وقت تعاني فيه من انحسار نفوذها، وارتخاء قبضتها على مساحة واسعة من البلاد.
- مغالطات في المفاهيم
يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الحديدة، الدكتور فيصل الحذيفي: "هناك مغالطات في المفاهيم الإدارية والدستورية والقانونية تحت ما يسمى الحكم المحلي واسع الصلاحيات".
وأوضح: "في إطار الدولة المركزية لا يمكن أن نتحدث سوى عن إدارة محلية أو لا مركزية إدارية أو لا محورية، أما حكم محلي لا يوجد له مسمى واسع الصلاحيات، أو كامل الصلاحيات، فالحكم المحلي يوجد فقط في الدولة الاتحادية، ونحن حتى الآن لم ننتقل إلى دولة اتحادية".
وأضاف: "ما هو موجود في بلادنا هو الدستور اليمني الذي يناقش مسألة الإدارة المحلية واسعة الصلاحيات، وهي أكذوبة أشبه بمن يرمي للكلب عظما خاليا من اللحم، والمواطنون ليسوا كلابا حتى يرمى لهم بمثل هذه المصطلحات التافهة وغير الجديرة بالاحترام".
وأشار إلى أن "المواطن اليمني يسعى للمشاركة في الثروة والسلطة وهذا الغائب، ولا يمكن في ظل سلطة مركزية أن يتشارك المواطنون الثروة والسلطة، لأن المركز يستأثر بالقرار والسلطة والسيادة والثروة، ويجعل المواطنين تابعين له".
وتابع: "في الدستور اليمني، وفي السلطة التنفيذية، هناك ثلاثة فروع: الفرع الأول: رئاسة الجمهورية، وفيه عدة مواد، والفرع الثاني: رئاسة مجلس الوزراء وفيه عدة مواد، والفرع الثالث: حكم الإدارة المحلية، وليس الحكم المحلي، وفيه أربع مواد فقط، لا تؤسس لشيء؛ لا لإدارة محلية ولا للا مركزية محلية، فضلا عن مسألة الحكم المحلي".
وبيّن: "المادة 144 - وهي آخر اختصاص الحكومة - تقول: يتولى كل وزير الإشراف على شؤون وزارته، وتوجيه إدارتها وفروعها في جميع أنحاء الجمهورية، ويقوم بتنفيذ السياسة العامة للحكومة في وزارته".
وزاد: "المادة الثانية، وهي الأهم، تحدثت عمّا تسمى بالإدارة المحلية، وليس الحكم المحلي، وتقول: إن كلا من الوحدات الإدارية والمجالس المحلية تعتبر جزءا لا يتجزأ من سلطة الدولة، ويكون المحافظون محاسبين ومسؤولين أمام رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، أي أن لا دخل للمواطن صاحب الإرادة العامة بمحاسبتهم، أو الاعتراض عليهم، أو تعيينهم".
وأكد: "الدستور اليمني يقول إدارة محلية، وليس حكما محليا واسع الصلاحيات".
ولفت إلى أن "ما أعلن عنه الرئيس العليمي، في خطابه بحضرموت، هو كمن يعطي شيئا لا يحق له"، متسائلا: "ما الأساس الدستوري والقانوني عندما يتحدث عن منح محافظة حضرموت أو غيرها حكما محليا واسع الصلاحيات؟".
واعتبر أن "الرئيس العليمي يتعامل مع الوضع القائم، حسب المثل اليمني الذي يقول: من أخذ أُمنا كان عمنا".
وقال: "العليمي جاء إلى عدن والانتقالي باسط ذراعيه فأصبح يصدر قرارات مجاملة له، وسلمه أبين وشبوة، وبعد أن استدعت السعودية مجلس حضرموت وتفاهمت معه بما هو معلن، وما هو غير معلن، ذهب العليمي إلى حضرموت ليعطها شيئا ليس من اختصاصه، بمنحها حكما واسع الصلاحيات".
وأضاف: "نحن أمام نخبة حاكمة مخجلة، لا تنطلق لا من دستور، ولا من قوانين، وهذا القرار يعتبر باطلا أمام التشريعات القانونية، وأمام الدستور، ولا يجوز من مجلس النواب إصدار تشريعي قانوني يمنح أي محافظة حكما كامل الصلاحيات، بما أن الدستور غير مؤسس لذلك".
- وضع استثنائي
يقول رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، توفيق الحميدي: "الحكم المحلي يرتكز على مجموعة من الأسس، ويعد الأساس الأول فيه هو الأساس القانوني، بمعنى التقعيد القانوني الذي يمنح هذه الكيانات اسمها وصلاحياتها وحدودها ووظائفها إلى غير ذلك".
وأضاف: "نحن اليوم نناقش هذا الموضوع في إطار ربما استثنائي، فلم يعد هناك اليوم دستور للجمهورية اليمنية بالمعنى الحرفي، وما حدث في 7 أبريل من نقل للسلطة، تجاوز كل الأعراف الدستورية والقانونية، بمعنى أن مجلس القيادة الرئاسي القائم اليوم لم يقم على أي أسس دستورية بل نسف كافة المؤسسات اليمنية الموجودة بما فيها مؤسسة مجلس النواب، التي منحها الاستمرارية في آخر مواد له، واعتبر أن أي تشريع أو نص قانوني يخالف 7 أبريل يعد باطلا".
وأوضح: "الوضع اليمني اليوم وضعا استثنائيا، والأصوات التي ارتفعت اليوم هي من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومحاولة لتصحيح الخلل، لأن الجمهورية اليمنية في العصر الحديث، سواء في صنعاء أو في عدن، تعاني من إشكاليتين اثنتين، الأولى: احتكار السلطة، والثانية: احتكار الثروة".
وتابع: "النداءات في هذه المرحلة تأتي حتى لا يتكرر الخطأ، فاليوم مليشيا الحوثي تريد حلا سياسيا يمكنها من صنعاء ومن اليمن، بالقوة والثروة، والمجلس الانتقالي كذلك، وحضرموت أدركت اللعبة، فبكرت وناضلت وأعلنت مجلسها".
وقال: "المناداة اليوم بالمجالس المحلية واسعة الصلاحيات تأتي على الأقل من أجل ضمان حل يمني مستقبل في أي عمليات سياسية لانتقال ديمقراطي، يجب أن تناقش بصيغة جديدة، فالصيغة الأولى (المركزية) فشلت، وجلبت لليمن الخراب والدمار، واحتكرت السلطة ومراكز النفوذ والفساد".
من جهته قال الأكاديمي والباحث في جامعة إدنبرة البريطانية، الدكتور أحمد الدبعي: "لم نرَ وثيقة رسمية تتحدث عن مسألة الحكم المحلي واسع الصلاحيات، لكن -على ما يبدو- أن أعضاء المجلس الرئاسي قد اتفقوا على نقاط رئيسية حول هذا الحكم، بحيث تدير كل محافظة شأنها بنفسها".