تقارير
المناضل الفسيل: السعودية دعمت الملكيين بالسلاح والمال وجنّدت مرتزقة أجانب (15)
يتحدث الأستاذ المناضل محمد عبدالله الفسيل، في الحلقة الخامسة عشرة من برنامج "الشاهد"، عن الأسباب التي جعلت الرئيس جمال عبدالناصر ينقل ملف اليمن من أنور السادات إلى المشير عبدالحكيم عامر.
ويستعرض نشأة القوى المناهضة للتوغل المصري في اليمن، والعبث والفساد المالي للقيادات المصرية.
ويكشف أن "السعودية دعمت الملكيين بالمال والسلاح والمرتزقة الأجانب، وكيف كان الموقف من مؤتمر حرض بين الجمهوريين والملكيين، وما تم الاتفاق عليه، وكيف تم استدراج الزبيري واغتياله، ومصير القتلة من "ذو حسين".
- الرئيس جمال عبد الناصر ينقل ملف الثورة
يقول الفسيل "قبل خروج المشير عامر اتصلوا بالشيخ سنان أبو لحوم، كان الوضع في صنعاء بين الملكيين والجمهوريين متوتراً جداً، وكان فرقة من الجيش المصري محاصرة حصارا كاملا في صرواح، لا يأتيها التموين إلا عن طريق الطائرة".
وهنا، اقترح المشير عامر على سنان أبو لحوم، السفر إلى اليمن على مسؤوليته، والتعاون معهم إلى أبعد الحدود، فقال أبو لحوم: أنا مستعد للتعاون من زمان، لكن السادات والبيضاني لم يكونوا مستعدين للتعاون معي، قال له أخرج على مسؤوليتي، وعلى ضمانتي".
يستذكر أن "سنان أبو لحوم جاء وبلغنا، قلت له دعني أخرج معاك قد تحتاج لي، قال لي لا، وخرج مع المشير عامر وأنور السادات، وكانت هذه بداية نزع عبدالناصر القضية اليمنية من المخابرات العامة ومن السادات إلى المخابرات العسكرية والمشير عامر".
المشير عامر وأنور السادات ومعهم سنان أبو لحوم، سافروا إلى اليمن، فوجد الوضع صعبا، والفرقة من الجيش المصري محاصرة، فسأل سنان أبو لحوم كيف نتصرّف؟ قال له: أنا لا أحتاج جيشا، أحتاج طائرة تنقلني وتنزلني قريب من الفرقة المحاصرة فقط.. قال له تمام، أيش بتعمل؟ قال هذا شأني..".
ويستطرد "سنان أبو لحوم أخذ معه اثنين، وذهب في الطائرة، ونزلوا، ورفعوا راية بيضاء، وكان المحاصرون من قبيلة جهم عندما رأو الطائرة أنزلت سنان واثنين، فاستقبلوهم".
لقد كان سنان أبو لحوم شخصية معروفة، وشيخ ديناميكي معروف، وليس شيخ قبيلة واحدة، وكان له تأثير على القبائل الأخرى، يشبه تأثير عبد الله بن حسين الأحمر.
ويلفت إلى أن الشيخ سنان اتفق مع قبيلة جهم على أن يحلوا مشكلة المجموعة المصرية، ويفكوا الحصار، على أن يتم التفاهم مع الجمهورية، وهنا احتلت المشكلة.
- زيارة المشير عامر إلى اليمن
ويوضح أن أنور السادات كان مثل المرافق أو المستشار للمشير عامر، مشيرا إلى أن عامر اجتمع بمجموعة كبيرة من الضباط الأحرار وبعض المشايخ وبالقاضي عبد الرحمن ومن معه.
وأن الحديث دار حول حل المشكلة، وذلك بتخفيف الضغط على صنعاء على أساس أن يعودوا، ويكون اليمنيون مهيئين لأن يتفقوا معه اتفاقا كاملا..
ويستذكر أنه تم، في هذه الاجتماعات، تغيير بيان أهدف الثورة، وذلك بمزج الهدفين بالسياسات العامة للجمهورية، وصاغوا الأهداف الستة.. مشيرا إلى أنها كانت صياغة مصرية.
- تشكيل المجلس الرئاسي
وبالنسبة لـ عبد الحكيم عامر فقد أرسل قوة جديدة، واجتمع باليمنيين في السفارة المصرية، واقترح تشكيل مجلس رئاسة يضم مشايخ وضباطا ومدنيين.
يفصل: "القاضي عبد الرحمن الإرياني قال له: نحنا نتعامل مع المشايخ على أساس كل شيخ وما قدّم، ونعطيه مقابل ذلك، وسيدخل المشايخ إلى مجلس الرئاسة، وسيحصل تنافس بين المشايخ الآخرين، وستحدث مشاكل كبيرة".
يتابع "المشير قال له: القوّة الوحيدة التي تساندنا هم المشايخ. قال له: صح، لأنكم لم تحاولوا تمسكوا الجيش، لأن البيضاني ركّز على تمزيق جيش الإمام، ولم يبق مع الجمهورية جيش، بقي معاها القبائل المجمهرون فقط"، مشيرا إلى أن "المشير عامر قال للشيخ سنان إنهم مضطرون للتعامل مع القبائل".
ويبيّن أن مجلس الرئاسة تشكّل من ثلاثة وثلاثين شخصا: اثنا عشر شيخا، وعشرة ضباط، بالإضافة إلى القاضي عبد الرحمن الإرياني ومحمد محمود الزبيري، وستة مدنيين آخرين.
ويشير إلى أن هذا التشكيل سبب مشاكل كثيرة للمصريين، فاضطروا إلى أن يكوّنوا "شؤون القبائل".
- إقالة البيضاني وتجريده من الجنسية اليمنية
يقول الفسيل "قبل أن ينقل عبد الناصر الموضوع إلى عبد الحكيم عامر كان الوضع في اليمن صعبا، فقرروا إرسال لجنة إلى عبد الناصر من أجل أن يرسل قوة جديدة، فاختاروا حمود بيدر رئيسا لها".
ويضيف "بلغ البيضاني، فجاء إلى السلال، وقال له أنا أقدر على إقناع عبد الناصر بهذا الموضوع، وطلب أن يكون رئيس اللجنة، فاستغلوها في مكتب الرئاسة، فأقنعوا السلال بأن يرسل رسالة لعبد الناصر، ويبعد البيضاني".
يوضح أن "المخابرات العسكرية لم تعد بيد البيضاني، فسافر إلى البيضاء، واتفق مع السلطان حسين أحمد الرصاص، فأعطاه سلاح، وطلب منه الانضمام إلى المحميات".
يتابع "المخابرات العسكرية اكتشفت ذلك، وأبلغوا السلال، فأرسل برقية لعبد الناصر، يخبره بما فعل البيضاني، ووضّح فيها كل أخطائه".
يستطرد "السلال أخبر البيضاني أنه سيكون رئيس اللجنة التي ستذهب لإقناع عبد الناصر".
يتابع "ذهبت اللجنة إلى عبدالناصر، وطلبوا منه إرسال قوات لحماية صنعاء، فغضب غضبا شديدا على البيضاني، وقال له أنا عرفتك مرة واحدة قبل خروجك إلى اليمن، وأنت خدعتنا، وقلت لنا إن العملية تحتاج مائتين من الصاعقة، والمظلات، وطيارتين أو ثلاث ومعكم عشرين ألف جندي، أين هم؟ وطلب إنهاء الجلسة".
ويشير إلى أن أعضاء اللجنة خرجوا، ما عدا محمد الجرموزي، الذين كان من ضمن اللجنة، أعطى عبدالناصر الرسالة، وعندما قرأها أمر بإيقاف البيضاني في مصر، وكلف المشير عامر والمخابرات العسكرية تحل محل أنور السادات والمخابرات العامة.
بعد ذلك، بدأت القوات الحربية المصرية تتدفق على اليمن بشكل كبير، إلى أن بلغت حوالي سبعين ألفا، وصلوا من أجل أن يسدوا الحدود مع السعودية، مشيرا إلى أن المشكلة لم تكن في الحدود، بل مع القبائل المحيطة بصنعاء.
ويلفت إلى أن الإدارة المؤقتة للجمهورية كانت تشرف عليها الحكومة المصرية، معتقدا أن المشكلة كانت في المصريين الموجودين في اليمن، لأنهم كانوا يريدون عملاء.
وفي إجابته عن سؤال هل كانت الثورة ستنجح لولا التدخل المصري، يقول الفسيل:
"كان يمكن أن تسقط الثورة، وكان العسكر في كل أنحاء اليمن سيطروا باسم الجمهورية، ومسكوا كثيرا من أنصار الإمام، وأرسلوهم إلى صنعاء، وكثير منهم أعدموا، كان في قوة عسكرية مؤيدة للثورة، لكننا مزقناها، وكان يمكن أن ننجح".
ويكشف أن "عملية السلاح والمال بالنسبة لليمنيين خطيرة جداً، فالقبائل سيكونون مع السلاح ومع المال".
ويوضح أن "السعودية شاركت مشاركة كاملة بدون أن يكون لها وجود داخل اليمن، وذلك بدعم الملكيين بالمال والسلاح والمرتزقة الأجانب".
يتابع "الجمهورية كان جيشها هو الجيش المصري، لأنه تم تفريق الجيش اليمني، ولم يتم تكوينه".
ويشير إلى أن المشاكل، التي حدثت، كانت بسبب فساد القيادة المصرية المالي، وتدخلهم في كل الشؤون اليمنية.
ويلفت إلى أن القيادة الحقيقية لهذا المجلس ظلت ممثلة في الزبيري وعبدالرحمن الإرياني والمدنيين الذي دخلوا من التابعين للمخابرات.
ويكشف أن الأمور ظلت داخل النظام الجمهوري مشقوقة، وذلك لوجود تيار مصري يريد أن يتحكم، وآخر يمني يريد أن يحجّم هذا التدخل.
وحول خسارة القوات المصرية في اليمن والأخبار التي تقول إن عدد قتلى الجيش المصري تجاوز الثلاثين ألفا، يقول الفسيل إن هناك مبالغة، ويعتقد أن العدد لا يتجاوز الثمانية آلاف.
وفي موضوع احتجاز حكومة السلال في مصر في 65، يوضّح الفسيل أن "هذه كانت سياسة مصر، تلعب لعبة السلال ولعبة العمري"، مشيرا إلى أنهم "أحياناً كانوا يعتمدون على السلال، وأحياناً يعتمدون على العمري، فعندما يعتمدون على العمري يحتجزون السلال في القاهرة، وعندما يضِيقوا بالعمري يأتون بالسلال بدلاً منه..".
هذه اللعبة التي كانت موجودة سببت مشاكل كثيرة وأدت إلى إضعاف الجانب اليمني بشكل عام.
- عودة الفسيل إلى اليمن
يلفت الفسيل إلى أنه عاد إلى اليمن عندما أتى المشير السلال مع وفد كبير إلى مصر، لتوقيع اتفاقية تعاون وتنسيق بين اليمن وبين مصر.
ويشير إلى أن أربعين شخصا، بينهم مشايخ، جاءوا ووقعوا على هذه الاتفاقية، مبينا "قابلت السلال، وقلت له أنا وإياك في السجن، لماذا تنفيني؟ فوافق على عودتي إلى اليمن"، موضحا أن أكثر من ثلاثين شخصا عادوا إلى اليمن.
- مناهضة التوغل المصري والنفوذ السعودي
واستطرد "السلال واصل زيارته للاتحاد السوفييتي، وإلى الصين، وأنا عدت إلى اليمن، وبدأنا من جديد نتعاون مع الزبيري والمشايخ، وذلك لمنع التغول المصري في اليمن، فالخمسة آلاف جندي كانت كافية لحماية وتأمين صنعاء، وبقية المناطق، فالجيش اليمني كان قادرا على حمايتها، وكان قادرا على التفاهم مع القبائل أو إخضاعها".
ويشير إلى أن مصر لم تكن بحاجة إلى أكثر من خمسة آلاف جندي، موضحا أن التفاهم مع المصريين كان ممكنا إذا تم استبعاد السادات والبيضاني.
يتابع "اليمن كانت تحتاج خمسة آلاف جندي فقط لحراسة صنعاء، أما بقية المناطق الأخرى فإن الجيش كان قادراً على حمايتها، وقادراً على أن يتفاهم مع القبائل أو يخضعها، دون أن يصل إلى الحرب الأهلية (يمني يقاتل يمني).
ويوضح "لو أن الدعم المصري كان بطريقة سليمة، كان سينهي النفوذ السعودي برغم المال والسلاح".
- اتفاقية الطائف.. وفكرة الدولة الإسلامية
ويقول الفسيل إنهم في 65 ذهبوا إلى الرياض، وعملوا اتفاقية الطائف، التي اقترحها الملك فيصل، على أن يرحل الملكيون والسلال، وتقوم دولة باسم "اليمن الإسلامية".
يتابع "اجتمعنا -الجمهوريين- وقلنا نحن بيننا اتفاق بألا شيء يخلّ بالنظام الجمهوري، ووصلنا إلى قناعة بأن الاقتراح غير عملي، واتفقنا على أن هذا المشروع لا يمكن تنفيذه بأي حال من الأحوال، لأن الجمهوريين في صنعاء والمصريين يرفضونه".
يوضح أنهم اتفقوا على "إلغاء الملكيين وبيت حميد الدين، وبقاء الجمهورية في صنعاء، اتفقنا على هذا، ووقعنا على أن هذا ليس صحيحا، فنحن لا نمثل الجمهورية".
ويشير إلى أن الجمهوريين المنشقين عن السلال "عادوا إلى قبائلهم، وما زالوا جمهورين، ونحن لم نستطع العودة، لأننا إذا رجعنا سنكون مجرد لاجئين عند شيخ".
ويبيّن أن السعوديين "طلبوا منا أن نطلب اللجوء السياسي عندهم، فاتفقنا على ألا نبقى في السعودية، ولن نكون لاجئين فيها"، مشيرا إلى أنهم غادورا السعودية، الفسيل إلى عدن، والمقدمي والرعدي إلى بيروت.
- مؤتمر حرض وموقف الجمهوريين
يستذكر الفسيل أن "عبد الناصر ومعه السادات والخولي وأشخاص آخرون جاءوا، ونحن في السعودية، وكان واضحاً مع الملك فيصل، قال له أنا تعبان في اليمن، والجمهوريون أتعبوني".
ويلفت إلى أن المصريين كانوا يريدون عملاء لا يعارضونهم، ولم يكن الجمهوريون مستعدين أن يكونوا مجرد تابعين للمخابرات المصرية.
ويتابع "اتفق عبد الناصر مع الملك على أساس تكون دولة اليمن، وتُحذف كلمة الإسلامية، لكن البيان الذي صدر لم يتضمن هذا الاتفاق".
بعد ذلك، اتفقوا على عقد مؤتمر في حرض، بين الملكيين والجمهوريين، واستبعاد بيت حميد الدين والسلال: السلال إلى مصر، وبيت حميد الدين إلى السعودية.
ويبيّن أن الملكيين والجمهوريين كانوا مع بعض في مؤتمر حرض، فجدت السعودية والمصريون أن اليمنيين "الملكيين والجمهوريين" شيء واحد، ففرقوا بينهم.
يتابع "ضغطوا على الجمهوريين بأن يوافقوا على دولة اليمن من دون إسلامية لفترة، وبعدها يجروا انتخابات في اليمن كلها (في المنطقة الجمهورية تحت إشراف السعودية ومصر، وفي مناطق الملكيين أيضاً تُجرى انتخابات تشرف عليها مصر والسعودية)، هذا الذي كان يريده عبد الرحمن الإرياني والوفد اليمني، ما عدا الذين دخلوا من المخابرات رفضوا الفكرة من أساسها".
ويشير إلى أن الإرياني -رئيس الوفد- أرسل برقية إلى فيصل، وأخرى إلى عبد الناصر، جاء فيها أن قضية الجمهورية قضية الشعب اليمني كله، ولا يمكن التخلّي عنها بأي حال من الأحوال.
ويوضح أن الجمهوريين وافقوا على إشراك الملكيين في النظام الجمهوري كنظام جمهوري فقط، مؤكدا أن هذا الذي وقّع في مؤتمر حرض، وانتهى بهذا الشكل.
ويستدرك "بدأ المصريون يعتقدون بأن اليمنيين لا يقبلون أي تدخل خارجي، ويقبلون التنسيق العسكري الكامل، لكن فيما يتعلق بالجانب السياسي والجانب الاقتصادي والجوانب الأخرى يرفضون التدخل فيها".
- اغتيال الزبيري
ويوضح أن الزبيري خرج إلى برط، وأعلن قيام حزب الله ضد الملكيين وضد الجمهوريين، وذلك في آخر قصيدة له:
يلفقون قوانين العبيد لنا .. ونحن شعبُ أبيٌ ماردٌ شرسُ
والبدر في الجرف تحميه حماقتكم.. وأنتم مثلما كنتم له حرسُ، في إشارة إلى السلال.
كيف قتل الزبيري؟ يقول الفسيل إن الزبيري قتل بعد أن جاء عبد العزيز الشايف من "ذو حسين" وكانت أكثرها ملكية، و"ذو محمد" وأكثرها جمهورية، وطلب مجيء الزبيري، وأمين نعمان، ونحنا نأتي إلى "ذو حسين" في ضيافته من أجل نتحاور مع الملكيين".
ويضيف "استجبنا للدعوة، وذهبنا إلى هناك، كان الزبيري قد كتب للإرياني وللنعمان ولعبد السلام صبرة أن يأتوا لزيارته في "ذو حسين"، ذهبنا إلى هناك فشعرنا بأن "ذو حسين" ملكيون، وعرفنا فيما بعد أنه تم اغتيال الزبيري".
ويوضح "وصل الإرياني والنعمان وعبد السلام صبرة وبعض المشايخ إلى ذو حسين، وكان معهم خيول وبغال، وحاصروا قتلة الزبيري، ومسكوهم وسلموهم إلى عبد الله بن حسين الأحمر، فأدخلهم السجن".
يواصل "ذو حسين هددوا عبد الله بن حسين الأحمر، وكان في مطالبة بأن يرسل قتلة الزبيري إلى صنعاء، لكنه لم يفعل، وبقوا عنده".
يستذكر أن قتل الزبيري أحدث رد فعل في اليمن كلها، وأرهب المصريين، وكان ذلك سببا في انسحابهم من اليمن، فقرروا ترك فرصة لليمنيين، حتى تهدأ الأمور.