تقارير

اليمن بين انتقام الجغرافيا وكيد الأشقاء

23/08/2021, 16:46:02
المصدر : عبدالسلام قائد - بلقيس - خاص

ابتليت اليمن تاريخيا بأزمتين معقدتين ما زالتا تشكلان كابوسا مقلقا لليمنيين، الأولى هشاشة وضعف السلطات المركزية، إذ لم يسبق لليمن أن شهدت قيام سلطة مركزية مستدامة راكمت عناصر القوة ووحّدت البلاد وعمّقت ثقافة الدولة، وتجسيد حضورها في المجتمع، وهدمت مسببات الانقسام، والأزمة الثانية هي توالي الاحتلال الأجنبي من قِبل الإمبراطوريات والدول الكبرى في زمن الإمبريالية، ثم التواجد العسكري الأجنبي مع أشكال أخرى من الاحتلال في الوقت الحالي. 

- انتقام الجغرافيا 

بخصوص عدم قيام سلطة مركزية قوية في اليمن، فإن لصعوبة تضاريس البلاد دورا كبيرا في ذلك، وهذه أزمة ممتدة عبر التاريخ، مع عدم إغفال جوانب القصور لدى السلطات المتعاقبة في حكم اليمن، كما لا يمكن إغفال استثناءات قليلة تمكّن فيها بعض حكام اليمن قديما من إقامة سلطة مركزية قوية وحّدت اليمن تحت رايتها، لكنها تظل استثناءات قليلة ليست مستدامة، ولم ترقَ إلى مستوى التجارب الملهمة للحكومات اللاحقة أو تراكم عناصر القوة التي يمكن البناء عليها، خصوصا أن أبرز أسباب قيام حكومات مركزية قوية تتمثل في ضعف الأطراف الأخرى وعدم قدرتها على المنافسة، لكنها كانت تنتظر الفرص المناسبة للانقضاض على السلطة المركزية أو الانفصال عنها. 

في كتابه "انتقام الجغرافيا"، يلخص عالم الجغرافيا "روبرت كابلان" أزمة عدم قيام سلطة قوية مركزية في اليمن بقوله إن اليمن، التي تُعد القلب السكاني لشبه الجزيرة العربية، ظلت تحاول توحيد أراضيها، لكنها كانت دوما تصطدم بطبوغرافية جبلية ممتدة عملت على إضعاف الحكومة المركزية، وبالتالي عززت النظام القبلي والجماعات الانفصالية، مشيرا إلى أن اليمن كان حكمه صعبا على الدوام، وكما سماه العالمان الأوروبيان، أرنست غلنر، وروبرت مونتانيون، بالمجتمع "المجزأ" أو "المقسّم"، فاليمن يُعد زبدة طبيعة الشرق الأوسط التي تمزج بين الجبال والصحراء، وباشتماله على المركزية والفوضى معا، يستنزف الحياة منها، وبسبب هشاشته فشل في إنشاء مؤسسات مستدامة، فالقبائل في اليمن قوية والحكومة ضعيفة، مما يجعل قيام أنظمة ليبرالية صعبا. 

- أطماع الإمبراطوريات وكيد الأشقاء 

بسبب عدم قيام حكومات مركزية مستدامة في اليمن، تحول الموقع الإستراتيجي للبلاد إلى عبء كبير عليها، ولو كانت هناك حكومات مركزية قوية فإن موقع البلاد سيعزز مكانتها الدولية وسيمنحها مكاسب كبيرة ومزايا إقليمية متعددة، خصوصا أن الساحل اليمني بات -في الوقت الحالي- يُعد بالغ الأهمية في جوهر الصراعات الدولية حول البحار والمضائق وطرق التجارة الدولية، في ظل سباق بناء القواعد العسكرية وتمدد نفوذ القوى الكبرى، نظرا لما لمضيق باب المندب من أهمية دولية، حيث تمر من خلاله أهم طرق التجارة الدولية، وخصوصا تجارة النفط، كما أن له تأثيرا كبيرا على الصراع في المحيط الهندي، وسباق النفوذ الدولي في القارة الإفريقية التي توصف بـ"القارة البكر"، لاحتوائها ثروات طبيعية كثيرة ومتنوعة لم تستثمر بعد. 

أما المحيط الهندي، المرتبط بمضيق باب المندب، فهو يمثل شريانا من شرايين شبكة العولمة، وساحة محورية لتنافس الإمبراطوريات ودول العالم الثاني، أو القوى الإقليمية، على النفوذ الإستراتيجي والمصالح الاقتصادية، بحسب ما قاله روبرت كابلان في مقاله "التنافس في المحيط الهندي". ويرى زبجينو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي للرئيس الأمريكي الأسبق كارتر، أن "المحيط الهندي نقطة الارتكاز التي يمكن أن تنطلق منها نزاعات عالمية جديدة". 

- اليمن والثمن الباهظ لصراعات الآخرين 

وبما أن اليمن قريب من المحيط الهندي، ويعد مضيق باب المندب أحد أهم المنافذ للمحيط، فإن أي نزاع في المحيط الهندي سيؤثر على اليمن مباشرة، فالصين والهند والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كلها حاضرة في النزاعات التي تشهدها البلدان المطلة على المحيط الهندي، ومن هنا تزداد أهمية اليمن الإستراتيجية وأهمية مضيق باب المندب، الذي يعد أيضا منفذا للقوى الكبرى إلى القارة الإفريقية، وبالتالي فإنه لا يمكن إنهاء لعبة القوة في هذا المكان إلا من خلال التوصل إلى "صفقة كبرى" تضع حدا للنزاعات ولسياسة المحاور والاستقطاب في إطار صراعات وحروب البحار، والضحية هنا "اليمن واليمنيون".

ولعل تنامي التواجد العسكري والمخابراتي الأجنبي في اليمن، وفي الضفة الأخرى للبحر الأحمر (شرقي قارة إفريقيا)، في ظل بروز سياسة المحاور والاستقطاب وسباق بناء القواعد العسكرية، قد يتسبب في إحداث احتكاكات مباشرة بين مختلف القوى المتنافسة في أهم نقطة اختناق في العالم (مضيق باب المندب)، مما قد يحوّل اليمن إلى ساحة حرب بالوكالة أوسع مما هي عليه الآن من حرب بالوكالة بين السعودية وإيران، خصوصا أن الحروب بالوكالة سِمة رئيسية لهذا العصر، وتمثل أحدث أسلوب في تصفية النزاعات الدولية. 

لقد كانت الحروب قديما تندلع بين إمبراطوريات، ثم بين تحالفات من عدة دول، مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم حروب بين دول منفردة، أي دولة في مواجهة دولة، وأخيرا أصبحت الحروب تدار بالوكالة، خصوصا بين القوى الكبرى، ويكون مسرحها الدول الصغرى والممزقة، بسبب مخاوف القوى الكبرى من الكلفة الباهظة للمواجهات المباشرة في ما بينها، بسبب تطور الأسلحة الفتاكة، لذلك أصبحت تصفّي خلافاتها في دول أخرى لدى بعض فئاتها القابلية لخوض الحروب بالوكالة، كما هو حاصل حاليا في اليمن. 

- صراع المحاور وانتهاك سيادة اليمن 

لقد برز محوران كبيران في الصراع الإقليمي وسباق النفوذ والمصالح في البحار والمضائق، هما: المحور السعودي- الإماراتي - المصري ومن خلفه إسرائيل، والمحور التركي- القطري ومعهما ليبيا وجيبوتي والصومال، بالإضافة إلى صراع آخر بين السعودية وإيران. ودوليا، هناك صراع بين أمريكا وروسيا والصين، وازداد هذا الصراع بعد صرف الولايات المتحدة اهتماماتها إلى الشؤون البحرية، وسيطرتها على كل المضائق البحرية في العالم، وانتشار أساطيلها البحرية في مختلف البحار والمحيطات بالقرب من بلدان الصراعات ومصادر التهديد للمصالح الأمريكية. 

وبخصوص التواجد العسكري الأجنبي متعدد الجنسيات في الساحل الغربي للبلاد، فقد كشفت صحيفة "العربي الجديد" اللندنية، أواخر أكتوبر 2020، أن الساحل الغربي لليمن الممتد من منطقة ذباب المطلة على مضيق باب المندب، ويضم منطقة المخا في تعز وأيضا محافظة الحديدة وميناء ميدي في محافظة حجة أقصى الغرب، تحوّل إلى معقل إقليمي تستوطن فيه مخابرات عربية ودولية من جنسيات مختلفة. وفي المقابل، مُنع وصول اليمنيين إلى بعض المواقع والمناطق، في ظل انتشار مراكز التدريب، وزيادة عدد الأجانب ومقراتهم في الساحل، بالتوازي مع التضييق بشكل كبير على حركة استخدام ميناء المخا لأغراض تجارية وإنسانية، لتبرز تساؤلات حول حقيقة ما يجري في هذا الساحل. 

ونقلت الصحيفة، عن مصادر قيادية عسكرية وأمنية يمنية في الساحل الغربي ولحج وعدن وتعز إلى جانب مصادر سياسية رفيعة، القول إن الساحل الغربي خرج عن سيطرة اليمنيين بشكل كلي، في حين فتحت الإمارات والسعودية الباب على مصراعيه لدول عدة للاستيطان فيه، وذكرت المصادر أن كلا من السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا، وحتى روسيا، بات لها حضور في كل ما يجري في الساحل الغربي، من خلال إقامة تدريبات وإنشاء قواعد عسكرية. 

مع العلم أن فرقا ومجموعات عسكرية ومخابراتية عدة في الساحل الغربي موجودة ضمن تحالف يجمع أغلب هذه الدول في مواجهة التحالف والنفوذ التركي، لا سيما فرنسا والسعودية والإمارات وبريطانيا ومصر.

أما الحضور الروسي فيعد باهتا، نظرا للرغبة الإماراتية بحضوره لإضفاء دور كبير في تواجدها، لا سيما أن هذه الأقطاب تحالفت في ليبيا ولعبت الدور نفسه في خندق واحد، وهو ما تحاول الإمارات تكراره في الساحل الغربي من اليمن. 

- دوافع تغييب اليمن عن مجاله البحري 

إن ما يوصف بـ"كيد الأشقاء"، المتمثل في الإضعاف والتغييب الممنهج من قِبَل التحالف السعودي - الإماراتي للسلطة اليمنية الشرعية الذي أعاقها عن أداء مهامها في الإسهام في حفظ الأمن البحري في مياه اليمن الإقليمية، إضافة إلى الصمت المريب للسلطة الشرعية ذاتها إزاء كل ما يحدث من انتهاكات لسيادة البلاد، وولاءات المليشيات الانقلابية المسيطرة على مناطق حيوية لأطراف خارجية، وعجزها عن الدفاع الفعلي عن السيادة الوطنية بل وتنازلها عنها مقابل حصولها على دعم بالمال والسلاح، كل ذلك جعل السعودية والإمارات تتعاملان مع الجزر والموانئ وبعض المحافظات اليمنية الساحلية كأرض مستباحة، وانتهاج سياسات تآمرية تهدف إلى التصفية النهائية لثورة 11 فبراير 2011 والقوى الفاعلة فيها، وتفكيك البلاد وإضعافها. 

يضاف إلى ذلك سعي الدولتين إلى كبح فرصة التحول السياسي والديمقراطي في البلاد وفقا لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وهدم كل معالم وأسس الدولة اليمنية الحديثة، لجعل المسافة بينها وبين التنمية والاستقرار طويلة جدا يصعب ردمها خلال مدى زمني قصير، وخلق مزيد من الانقسامات والعدوات بين مختلف الأطراف اليمنية لإنهاكها وإضعافها، كون إضعافها جميعا سيضعف البلاد بأكمالها، كل ذلك من أجل تهيئة الوضع للسيطرة الكاملة على جزر وأراضٍ يمنية، أملا في تكرار تجربة السعودية في السيطرة على مناطق يمنية، مثل: نجران، وجيزان، وعسير، وغيرها، وفي أسوأ الأحوال تعطيل موانئ اليمن حتى لا تستقر البلاد وتنافس موانئ خليجية نشطة، مثل مينائي دبي وجدة، وحتى لا تنتقل عدوى التحول السياسي المفترض في اليمن بعد ثورات الربيع العربي إلى الممالك الخليجية وتهديد سلطة العائلات الحاكمة هناك. 

- عقدة الحماية الأجنبية 

أما ما يتعلق بالتواجد العسكري والمخابراتي الأجنبي متعدد الجنسيات في اليمن في الوقت الحالي، فقد كان باستدعاء سعودي - إماراتي، وتهدف الدولتان إلى جعل ذلك التواجد مظلة تحتمي بها أمام اليمنيين، كونهما اعتادتا على الاتكال على حلفاء كبار لحفظ أمنهما من خلال التواجد العسكري الأجنبي المكثف فيهما بعد حرب الخليج الثانية، كما تهدف الدولتان إلى جعل ذلك التواجد بمثابة "غسيل" لانتهاكهما السيادة اليمنية، والتنصل من القانون الدولي الذي يدين ذلك. 

كما لا يمكن إغفال الهدف العام المشترك لكل الدول الأجنبية من تواجدها العسكري والمخابراتي في اليمن، ذلك أن موقع اليمن الإستراتيجي وإشرافه على مضيق باب المندب

تقارير

مونديال أمريكا يثير الجدل والاستياء... ترحيل وإجراءات أمنية مشددة ومصاعب لوجستية

وُجهت انتقادات شديدة لطريقة تعامل الولايات المتحدة مع تنظيم حدث بحجم كأس العالم الذي تحتضنه بالشراكة مع المكسيك وكندا. فيما اكتفى الاتحاد الدولي لكرة القدم بالصمت إلى حد الآن وترك البعثات تواجه مصاعب الدخول والملاعب.

تقارير

يوم الصحافة اليمنية.. ذكرى باهتة ومناسبة مثقلة بالانتهاكات وتدهور الأوضاع المعيشية

مرّت الذكرى السادسة والثلاثون ليوم الصحافة اليمنية، الموافق 9 يونيو من كل عام، هذا العام في ظل حضور باهت للمناسبة، مع استمرار التحديات التي تواجه القطاع الإعلامي جراء سنوات الصراع وما رافقها من انتهاكات واسعة طالت الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.

تقارير

كيف يمكن للتهديد الحوثي المتصاعد أن يغير مسار الحرب مع إيران؟

بينما تدرس إدارة ترامب إمكانية التوصل إلى تسوية دبلوماسية مع إيران، يجدر بها أن تولي اهتمامًا بالغًا للحوثيين. وكان يوم الاثنين مثالًا واضحًا على ذلك: فاستجابةً للتصعيد بين إسرائيل وحزب الله في لبنان واستئناف تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه إسرائيل وهددوا باستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.