تقارير

اليمن.. من ساحة حرب بالوكالة إلى ميدان للتنافس الخليجي

12/07/2026, 17:23:15
المصدر : ميدل إيست مونيتور

لأكثر من عقد من الزمن، جرى النظر إلى اليمن في المقام الأول من خلال عدسة الحرب بالوكالة بين المملكة العربية السعودية وإيران. فقد أدى دعم طهران لحركة الحوثيين والتدخل العسكري الذي قادته السعودية عام 2015 إلى تحويل البلاد إلى واحدة من أبرز ساحات التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وأصبح الصراع يجسد صراعًا أوسع على النفوذ الإقليمي بين قوتين متنافستين تسعيان إلى تشكيل النظام السياسي في العالم العربي.

ولا يزال هذا التفسير يحتفظ بقدر من الوجاهة، لكنه أصبح على نحو متزايد غير كافٍ. ففي حين يواصل الحوثيون بسط سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، ولا تزال إيران لاعبًا مهمًا، فإن الديناميكيات التي ترسم مستقبل البلاد آخذة في التغير. إذ يبرز تنافس جديد داخل منطقة الخليج نفسها، وأصبح اليمن إحدى ساحاته الرئيسية.

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة لأنها تعكس تحولًا أوسع في سياسات الشرق الأوسط. فلم تعد المنافسة الإقليمية مدفوعة فقط بالانقسامات الأيديولوجية أو السرديات الطائفية أو الخصومات التقليدية، بل باتت تتشكل بصورة متزايدة بفعل المصالح الاقتصادية، وأمن الملاحة البحرية، وطرق التجارة، والطموحات المتنافسة لقيادة المنطقة.

وعندما شكّلت السعودية تحالفًا لإعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا إلى السلطة عام 2015، برزت الإمارات العربية المتحدة بوصفها أحد أكثر شركائها نشاطًا وكفاءة. وقد تقاسمت الحكومتان هدفًا مشتركًا تمثل في وقف تقدم الحوثيين ومنع ما اعتبرتاه تمددًا للنفوذ الإيراني في شبه الجزيرة العربية.

ولسنوات، بدا هذا التحالف متماسكًا بصورة لافتة. غير أن خلافات مهمة كانت تتشكل بالفعل تحت السطح.

فقد نظرت السعودية إلى اليمن منذ وقت طويل من منظور الأمن الوطني. إذ تشترك المملكة في حدود طويلة مع اليمن، واختبرت مرارًا تداعيات عدم الاستقرار القادم من جارها الجنوبي. ولذلك كان الهدف الذي سعت إليه الرياض واضحًا إلى حد كبير: إقامة دولة يمنية مستقرة وموحدة قادرة على فرض النظام، مع بقائها ضمن الفلك الاستراتيجي السعودي.

أما الإمارات، فقد تعاملت مع اليمن من منظور مختلف. إذ تجاوزت مصالح أبوظبي الترتيبات السياسية الداخلية في البلاد لتشمل اعتبارات بحرية وتجارية أوسع. وبدلًا من التركيز الحصري على مؤسسات الدولة في صنعاء، عملت الإمارات على بناء علاقات مع أطراف محلية قادرة على تأمين الموانئ الاستراتيجية والبنية التحتية الساحلية وخطوط الملاحة التي تربط الخليج بالبحر الأحمر وشرق أفريقيا.

وفي الوقت الذي واصلت فيه السعودية دعم الحفاظ على وحدة اليمن، استثمرت الإمارات بصورة مكثفة في أطراف كانت طموحاتها تتعارض في كثير من الأحيان مع هذا الهدف.

وما بدا في البداية مجرد خلافات تكتيكية، تطور تدريجيًا إلى مشروعين استراتيجيين متنافسين.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن السعودية تحاول استعادة موقعها باعتبارها الفاعل الخارجي الأكثر نفوذًا في اليمن. فالمشاورات السياسية التي استضافتها الرياض، والجهود الرامية إلى تنسيق صفوف القوى المناهضة للحوثيين، والمبادرات الهادفة إلى إعادة هيكلة المشهد السياسي اليمني، كلها تشير إلى استراتيجية أوسع تتمثل في رسم ملامح النظام السياسي لما بعد الحرب تحت النفوذ السعودي.

ويمثل ذلك تحولًا مهمًا في مسار الصراع. فلم يعد السؤال المركزي يتمثل ببساطة في ما إذا كان بالإمكان هزيمة الحوثيين أو احتواء النفوذ الإيراني، بل أصبح يتمثل بصورة متزايدة في أي قوة خليجية ستبرز بوصفها الراعي الخارجي الرئيسي لليمن والمهندس السياسي لمستقبله.

وتتضح أهمية هذا التنافس بصورة أكبر عند النظر إليه من منظور الجغرافيا.

فاليمن يحتل أحد أكثر المواقع الاستراتيجية أهمية في العالم. إذ يطل على مضيق باب المندب، ويقع على ممر بحري حيوي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ويعتمد جزء كبير من التجارة العالمية وشحنات الطاقة على أمن هذا الممر.

وقد ازدادت الأهمية الاستراتيجية لهذا الممر المائي وضوحًا منذ اندلاع الحرب في غزة. فقد تسببت هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر في تعطيل خطوط الملاحة، وأجبرت العديد من الشركات على تحويل مسار سفنها حول أفريقيا، كما رفعت تكاليف النقل على مستوى العالم. ولم يعد ما يحدث في اليمن يؤثر على شبه الجزيرة العربية وحدها، بل أصبح قضية ذات أهمية للاقتصاد العالمي.

وبالنسبة للإمارات، فإن النفوذ في اليمن يكمل استراتيجيتها الأوسع لبناء شبكة من الترابط البحري عبر الخليج والبحر الأحمر وشرق أفريقيا، من خلال شبكة من الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية. ويتماشى تأمين الوصول إلى المناطق الساحلية الرئيسية في جنوب اليمن بصورة طبيعية مع الأهداف الاقتصادية والجيوسياسية طويلة الأمد لأبوظبي.

أما السعودية، فلديها بدورها مصالح كبيرة. إذ تعتمد رؤية 2030 على أمن طرق الملاحة البحرية والاستقرار الإقليمي. ومع سعي المملكة إلى التحول إلى مركز عالمي للاستثمار والخدمات اللوجستية، أصبحت التطورات في البحر الأحمر وباب المندب تمثل ضرورة اقتصادية إلى جانب كونها ضرورة أمنية.

وبناءً على ذلك، فإن التنافس الدائر في اليمن لا يتعلق فقط بالنفوذ في صنعاء أو عدن، بل يتعلق بتشكيل مستقبل أحد أهم المفترقات الجيوسياسية في العالم.

وتتجاوز تداعيات هذا التنافس حدود اليمن نفسها.

فعلى امتداد الشرق الأوسط، باتت دول الخليج تتحرك بصورة متزايدة باعتبارها قوى إقليمية مستقلة تمتلك أجندات استراتيجية خاصة بها. وفي حين لا تزال قوى خارجية مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا تؤدي أدوارًا مهمة، فإن الحكومات الإقليمية لم تعد تنتظر قرارات القوى الكبرى لتحديد مسار الأحداث، بل أصبحت تمارس نفوذها بصورة مباشرة من خلال الاستثمارات، ومشروعات البنية التحتية، والمبادرات الدبلوماسية، والشراكات الأمنية.

ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه ليس في اليمن فحسب، بل أيضًا في السودان وليبيا والقرن الأفريقي. إذ تتنافس العواصم الخليجية على الوصول إلى الموانئ، وممرات التجارة، والبنية التحتية للطاقة، والشراكات السياسية التي يمكن أن تعزز مكانتها الإقليمية. وأصبحت أدوات النفوذ القائمة على الاقتصاد والاستراتيجية البحرية تكتسب أهمية متزايدة.

ونتيجة لذلك، أصبحت الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط أكثر تعقيدًا. فما تزال الأطر التقليدية التي تتمحور حول التنافس السني-الشيعي أو العربي-الإيراني ذات أهمية، لكنها لم تعد تفسر الصورة كاملة. فالمنطقة باتت تتشكل بصورة متزايدة بفعل المنافسة بين الدول الخليجية نفسها، حيث تسعى كل دولة إلى تحقيق رؤيتها الخاصة للنظام الإقليمي والتكامل الاقتصادي.

ويقدم اليمن ربما أوضح مثال على هذا التحول.

فلا تزال البلاد تعاني انقسامًا عميقًا. ويواصل الحوثيون السيطرة على مناطق واسعة في الشمال، في حين تظل القوى المناهضة لهم منقسمة رغم المحاولات المتكررة لتنسيق مواقفها سياسيًا. كما يواصل الانهيار الاقتصادي، والمعاناة الإنسانية، وضعف مؤسسات الدولة تقويض فرص تحقيق سلام دائم.

وفي مثل هذه الظروف، يمارس الفاعلون الخارجيون نفوذًا كبيرًا لا مفر منه. وقد تساعد جهود السعودية لتوحيد القوى المناهضة للحوثيين في الحد من الانقسام وتهيئة الظروف لمزيد من الاستقرار، لكنها تثير أيضًا تساؤلات بشأن مدى قدرة اليمن على ممارسة سيادته الحقيقية إذا ظلت الترتيبات السياسية الأساسية معتمدة على الرعاية الخارجية.

وينطبق المأزق نفسه على الدور الإماراتي. فالشراكات المحلية قد توفر الأمن والفرص الاقتصادية، لكنها قد تعمق أيضًا الاعتماد على الرعاة الأجانب. وبالنسبة لليمن، فإن التحدي لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، بل في ضمان ألا يفضي السلام إلى شكل مختلف من أشكال التبعية.

ولهذا السبب يكتسب الانتقال من الحرب بالوكالة إلى التنافس الخليجي هذه الأهمية.

فقد يكون اليمن بصدد تجاوز المرحلة التي هيمنت فيها السعودية وإيران على السردية الاستراتيجية، لكنه لا يتجه بالضرورة نحو السيادة الكاملة. بل إنه يتحول إلى ساحة لتنافس جديد بين القوى الخليجية، التي تسعى كل منها إلى تحقيق رؤيتها الخاصة للنظام الإقليمي والترابط الاقتصادي.

ومع اتساع طموحات القوى الخليجية، يظل اليمن في قلب تحول إقليمي ستتجاوز تداعياته حدوده بكثير. ولم تعد المعركة من أجل مستقبل اليمن تدور فقط حول إنهاء الحرب، بل حول تحديد الجهة التي ستشكل النظام السياسي والاقتصادي المقبل في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الاستراتيجية.

تقارير

"دفّان الفقر".. الأمير الذي أخرج قطر من وحشة الجغرافيا

برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أعلن الديوان الأميري القطري وفاته صباح الأحد عن عمر ناهز 74 عاما، تستعيد قطر سيرة قائد ارتبط اسمه بأكبر تحول في تاريخها الحديث، بعدما قاد مشروعا نقل الدولة إلى مصاف الفاعلين إقليميا ودوليا.

تقارير

كيف يمكن للحوثيين أن يضعوا العالم في مأزقين بحريين خطيرين؟

ظلت الجبهة اليمنية، التي تشكل تهديدًا دائمًا لـ (إسرائيل) وتتحول أحيانًا إلى تهديد قاتل، هادئة نسبيًا خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. لكن بينما لم يكن الحوثيون، حلفاء الجمهورية الإسلامية في اليمن، يطلقون سوى عدد محدود من الطائرات المسيّرة والصواريخ، كانوا يراقبون ما يجري عن كثب.

تقارير

جثمان منقوص وسردية مهزوزة.. فصل جديد من العبث الحوثي بقضية قحطان

فتحت خطوة المعاينة التي أجرتها أسرة القيادي في حزب الإصلاح المخفي قسرياً لدى مليشيا الحوثي محمد قحطان، على ما زُعِم أنه جثمانه، المزيد من التساؤلات، أكثر مما قدمت من إجابات، وسط اتهامات بالتصفية الجسدية، خصوصاً مع حديث أسرته، عن تعرضهم لضغوط أثناء المعاينة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.