تقارير
تشاتام هاوس: اغتيال مسؤول تنموي يكشف هشاشة الأمن في مناطق الحكومة اليمنية
إن اختطاف واغتيال وسام قائد، وهو شخصية تنموية يمنية-بريطانية بارزة والمدير التنفيذي بالإنابة للصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، لا يمثل فقط خسارة مأساوية لقطاع التنمية في اليمن، بل يكشف أيضاً عن تحدٍ مزمن وغير محسوم يواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، يتمثل في عجزها عن فرض أمن يحظة بالثقة في مناطق جنوب اليمن الواقعة تحت سيطرتها، بما في ذلك العاصمة المؤقتة عدن.
ومن المرجح أن يؤدي هذا الحادث إلى تعميق الأزمة الإنسانية الحادة التي يعيشها اليمن بالفعل، إذ ستتردد وكالات التنمية والإغاثة في إرسال موظفيها إلى بيئات خطرة. كما سيقوّض الثقة لدى المانحين والمنظمات الدولية وأفراد الجالية اليمنية في الخارج، الذين يُنظر إليهم باعتبارهم عنصراً أساسياً في العمل الإنساني وفي جهود إعادة الإعمار المستقبلية.
كما يمثل الحادث تحدياً لجهود السعودية الرامية إلى ترسيخ نفوذها في جنوب اليمن، حيث دعمت الحكومة المعترف بها دولياً في مواجهة الفصائل المنافسة. ويأتي الاغتيال في توقيت بالغ الحساسية، في ظل استمرار الخلاف بين السعودية والإمارات، وبعد تعزيز سيطرة الحكومة المدعومة من الرياض على جنوب اليمن أواخر العام الماضي.
نمط متكرر وليس حادثة استثنائية
لم تعلن أي جهة أو شخصية مسؤوليتها عن اغتيال قائد، وهي الجريمة التي حظيت باهتمام دولي واسع نظراً لمكانته كأحد كبار العاملين المدنيين في قطاع التنمية.
لكن عملية الاغتيال ليست حادثة معزولة. ففي أواخر أبريل، تم اغتيال عبدالرحمن الشاعر، وهو قيادي بارز في حزب الإصلاح ويرأس أيضاً مدرسة أهلية، في عدن.
وكانت السلطات الأمنية في عدن قد أعلنت اعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال الشاعر، فيما وجّه رئيس الوزراء اليمني بفتح تحقيق في مقتل قائد. غير أن هذه التطورات تشير إلى اختلالات بنيوية عميقة أكثر من كونها مجرد خروقات أمنية منفصلة.
الاغتيال ليس حادثة منفردة
وتقف عدة عوامل هيكلية وراء هذا الهشاشة الأمنية. فعلى الرغم من التوحيد الشكلي للسلطة تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من الرياض، لا تزال الحكومة تفتقر إلى قيادة وسيطرة منسقة على الأجهزة الأمنية. ومنذ تشكيل الحكومة في فبراير 2026، أحرزت بعض التقدم في الملفات الاقتصادية، مثل إقرار أول موازنة عامة منذ عام 2019، لكنها فشلت في كسب ثقة المواطنين أو تحقيق تحسن ملموس في الوضع الأمني.
كما أن جهود توحيد الأجهزة الاستخباراتية، بما في ذلك الدمج الاسمي لبعض الأجهزة، لا تزال حبراً على ورق. وتبقى آليات التنسيق الأمني في عدن ذات طابع رد فعل، تركز على التعامل مع الحوادث بعد وقوعها واعتقال المشتبه بهم، بدلاً من تبادل المعلومات الاستخباراتية والعمل الوقائي الاستباقي. علاوة على ذلك، فإن دمج التشكيلات المسلحة ذات الولاءات المتباينة جرى على أساس التوافقات السياسية لا الكفاءة المهنية، ما حدّ من فعالية المؤسسات الأمنية.
تداعيات على التدخل الدولي
لسنوات، سعت الحكومة اليمنية إلى تشجيع المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية على الانتقال إلى عدن، التي تتخذها عاصمة مؤقتة منذ عام 2015. لكن بخلاف صنعاء، حيث يفرض الحوثيون سيطرة أمنية مشددة، عجزت السلطات المتعاقبة في عدن عن تقديم ضمانات أمنية مماثلة.
وفي بلد يعاني فيه الملايين من الجوع، تبدو العلاقة بين الفقر وانعدام الأمن أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
وقد سلطت التطورات الأخيرة الضوء على هذه الفجوة. فبينما أجرى سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن زيارة نادرة إلى محافظة تعز الواقعة على خطوط التماس هذا الأسبوع، ألغى أو أرجأ دبلوماسيون آخرون زيارات كانت مقررة بعد حادثة الاغتيال.
ومن المرجح أن تعيد منظمات الإغاثة الآن تقييم خططها الأمنية وحجم عملياتها، رغم أن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
تداعيات إقليمية واستراتيجية
يعقد هذا الحادث أيضاً موقف السعودية، التي سعت إلى تحقيق الاستقرار في جنوب اليمن وتعزيز دورها باعتبارها الطرف الإقليمي الرئيسي في الملف اليمني وسط توتر علاقتها بالإمارات. ففي مطلع عام 2026، أُقصي المجلس الانتقالي الجنوبي، حليف أبوظبي في اليمن، من السلطة، ما أدى إلى إعادة تشكيل التحالفات داخل البلاد. ومنذ ذلك الحين، عزز مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من الرياض سيطرته على جنوب اليمن.
لكن استمرار الانفلات الأمني يكشف حدود المقاربة السعودية القائمة على فرض الاستقرار من الأعلى إلى الأسفل. فالأمن في جنوب اليمن لا يعتمد فقط على السيطرة العسكرية، بل يحتاج أيضاً إلى شرعية محلية وقبول مجتمعي. كما أن القوى والمكونات التي تشعر بالتهميش من الترتيبات الجديدة ما تزال قادرة على تقويض الاستقرار. ومن دون توسيع دائرة المشاركة، بما يشمل الأطراف المؤيدة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وتوفير الخدمات الأساسية للسكان، فمن غير المرجح أن تنجح جهود فرض النظام.
وعلاوة على ذلك، فإن اغتيال شخصية يمنية تحظى باحترام واسع، عادت من المهجر لخدمة بلدها، وقررت البقاء رغم الحرب والانهيار الإنساني الكارثي، يبعث برسالة مخيفة إلى أبناء الجالية اليمنية في الخارج الذين قد يفكرون في العودة للاستثمار في التنمية أو المساهمة في جهود الإغاثة الإنسانية.
ما بعد الاعتقالات: الحاجة إلى إصلاح جذري
إن أي استجابة ذات مصداقية تتطلب أكثر من مجرد تحديد هوية المنفذين واعتقالهم، إذ إن البنية الأمنية في اليمن تحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة.
ويشمل ذلك إنشاء آلية مركزية فعالة لتنسيق العمل الاستخباراتي، تكون مشابهة من حيث الوظيفة لمجلس الأمن القومي الأمريكي، وقادرة على دمج المعلومات بين الأجهزة المختلفة واتخاذ إجراءات استباقية. فالهياكل القائمة حالياً ما تزال مجزأة ومسيّسة، ما يحد من فعاليتها.
كما أن تحسين الرقابة المالية يعد أمراً أساسياً، إذ تتيح الشبكات المالية غير الرسمية وضعف التنظيم فرصاً للأنشطة غير المشروعة، بما في ذلك تسهيل أعمال العنف والاغتيالات. ويمكن أن يسهم تعزيز التعاون وتبادل المعلومات مع الشركاء الإقليميين، وخصوصاً الأجهزة الأمنية السعودية، في دعم إجراءات وقائية أكثر فعالية.
وأخيراً، لا يمكن فصل الأوضاع الاقتصادية عن النتائج الأمنية. ففي بلد يعاني فيه الملايين من الجوع، تتجلى العلاقة بين الفقر وانعدام الأمن بصورة صارخة.
كما أن معالجة تأخر صرف رواتب العاملين في القطاع الأمني، وتحسين الشفافية، ومكافحة الفساد، تمثل عناصر أساسية لاستعادة الاستقرار. فالفشل المستمر في دفع رواتب أفراد الأمن يعد إخفاقاً حكومياً خطيراً له انعكاسات أمنية مباشرة، ويتفاقم ذلك مع استمرار حصول كبار المسؤولين على رواتب بالعملة الصعبة رغم أنهم لا يقيمون داخل البلاد أساساً.
إن المطلوب هو التحول نحو ترتيبات أمنية أكثر تماسكاً واحترافية وشمولاً، مدعومة بإصلاحات اقتصادية حقيقية. وإلا فإن حوادث الاغتيال المشابهة ستستمر في كشف فشل جهود تثبيت الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، وهو ما سيكرس الانطباع بأنها تفتقر إلى المصداقية.