تقارير

خلافات المجلس الرئاسي وأزمة "الحكم" في اليمن

22/09/2025, 10:17:36
المصدر : قناة بلقيس - خاص - عبد السلام قائد

تعكس الخلافات بين بعض أعضاء مجلس القيادة الرئاسي حول تقاسم المناصب والوظائف العامة أزمة مزمنة ومتجذرة لدى النخب السياسية اليمنية، تتمثل في عدم استيعابها لفكرة "الدولة" و"السلطة" من منظور المهام التي يجب أن يقوم بها الحاكم، سواء كان فردا أو مجموعة أفراد كما هو الحال في المجالس الرئاسية.

ففي الحالتين نجد أن "الحاكم" يشخصن الدولة ويربطها بعائلته إذا كان فردا، أو أنَّ كل عضو في مجلس رئاسي يتصرف وكأنه "حاكم صغير" يوزع المناصب والوظائف العامة وحتى الموارد على أتباعه، بدلا من أن تكون الدولة جهازا محايدا يوظف وفق الكفاءة، وليس مجرد "غنيمة" يتصرف فيها الحاكم، أو من يشارك في الحكم، وكأنها ملكية خاصة.

وبعد الخلافات الأخيرة بين بعض أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، جراء قرارات التعيين التي أصدرها عضو المجلس عيدروس الزبيدي، والمخالِفة لآلية عمل المجلس وتوصف بأنها غير قانونية، والوساطات الخارجية لإنهاء تلك الخلافات، أو الحد من تداعياتها، يجد المجلس الرئاسي نفسه اليوم أمام اختبار صعب: هل يستطيع تجاوز عقلية تقاسم المناصب والانطلاق نحو بناء مشروع دولة بدءا بإنهاء الانقلاب الحوثي؟ أم أنه سيظل أسير التوازنات الهشة والخلافات الداخلية التي تضعف قدرته على الفعل السياسي والعسكري؟

الإجابة إلى الآن تميل إلى السيناريو الثاني، ما لم يحدث تحول جذري في أولويات عمل المجلس وطريقة إدارته للسلطة، لكن هذا التحول يتطلب إرادة سياسية صلبة، وضغوطا مجتمعية ودولية حقيقية، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة.

- سلطة المناصب أم مشروع الدولة؟

منذ الإعلان عن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، في أبريل 2022، علّق المواطنون آمالا كبيرة على أن يكون الكيان الجديد مدخلا لتوحيد القرار السياسي والعسكري وحسم المعركة ضد الحوثيين واستعادة الدولة، لكن ما إن بدأ "المجلس" عمله اتضح أن اهتمام بعض أعضائه انصرف في معظمه إلى تقاسم النفوذ والمناصب، حتى أصبحت الخلافات حول التعيينات العنوان الأبرز لنشاطه، وكأن إدارة الصراع على النفوذ والمناصب هي المهمة الأساسية التي أنشئ من أجلها.

كان يفترض أن يتجه المجلس نحو تقديم الخدمات العامة للمواطنين، والعمل على تحسين الأوضاع المعيشية، وإنقاذ العملة المحلية من الانهيار، والانتظام في دفع رواتب الموظفين، لكنه غرق في حسابات المحاصصة السياسية والولاءات المناطقية والعائلية والحزبية، وهو سلوك يكشف هشاشة البنية التوافقية التي قام عليها، ويعمق شعور المواطنين بأن السلطة في اليمن ما تزال أسيرة منطق الغنيمة أكثر من كونها أداة لإدارة شؤون الدولة.

يتكون المجلس الرئاسي من ثمانية أعضاء يمثلون تيارات وقوى متباينة، وكان من المفترض أن يشكل ذلك صيغة توافقية لإدارة مرحلة انتقالية صعبة، لكن تعددية الأعضاء تحولت إلى ساحة تنافس حاد بين بعضهم على تقاسم الوظائف والمناصب المدنية والعسكرية، وأصبح كل عضو يرى في حصته المؤسسية انعكاسا لمكانته السياسية وقوة نفوذه على الأرض، وليس وسيلة بناء مؤسسات وطنية جامعة.

أما المواطن المغلوب على أمره فإنه خارج الحسابات تماما، رغم أن الحرب أنهكته ويعاني جراء انهيار الاقتصاد والخدمات العامة وتوقف الرواتب أو عدم تناسبها مع انهيار العملة المحلية وارتفاع الأسعار، وكان ينتظر من المجلس الرئاسي تحركات ملموسة في قضايا الرواتب، والكهرباء، والمياه، والصحة، والتعليم، والأمن الغذائي، وتخفيف الأعباء المعيشية، لكن الواقع جاء مخيبا، إذ لم يلمس المواطنون سوى أخبار الخلافات الداخلية والصراعات على التعيينات وكشوفات الإعاشة الشهرية، في وقت تستمر فيه الأزمات الحياتية بلا حلول.

هذا الانفصام بين تطلعات المواطنين وأولويات النخبة الحاكمة يعمق فجوة الثقة، ويعيد إنتاج القناعة بأن السلطة في اليمن، مهما تغيرت أشكالها، تظل رهينة حسابات الفئات الضيقة في السلطة لا هموم المجتمع الواسع، ومن أخطر تداعيات هذا السلوك أنه يرسخ الانقسامات المناطقية والسياسية بدلا من أن يتجاوزها.

وبذلك تتحول الدولة إلى "كيان فارغ" من الداخل، أي أن هناك مؤسسات قائمة شكليا، لكنها فاقدة للوظيفة الجوهرية المتمثلة في تقديم الخدمات وحماية الصالح العام، وهذه النتيجة تمثل امتدادا لمسار طويل من الزبائنية والمحاصصة التي أضعفت الدولة اليمنية منذ عقود.

- أزمة الحاكم ومفهوم الدولة

شكلت أزمة الحاكم في اليمن وعجزه عن استيعاب مفهوم الدولة ووظيفتها أبرز المعوقات التي حالت دون التطور الطبيعي للدولة اليمنية، وتسببت هذه الأزمة في تنوع الأزمات المرتبطة بالصراع السياسي والذي انحرف في محطات كثيرة إلى صراع عسكري عنيف بسبب الخلافات المتعلقة بالسلطة والتحكم بثروات الشعب وإساءة استغلالها من خلال احتكارها وإنفاق جزء كبير منها بشكل عبثي يذهب لصالح من يحكم وعلاقاته الزبائنية الداعمة لاستمرار حكمه وتسلطه واستبداده.

والمعروف تاريخيا عن اليمن، كغيره من الدول العربية ودول العالم، أن نظام الحكم، في العصور القديمة والوسطى، اتخذ طابعا قبليا وعائليا بحتا كنمط سائد في العالم أجمع، وكانت معظم الدويلات اليمنية القديمة تحمل اسم العائلات التي تحكمها، أو ورثت حكم دويلات بعد انهيار العائلات الحاكمة فيها، سواء بسبب الحرب بين أجنحة العائلة الحاكمة، أو مع عائلات وقبائل حاكمة أخرى من أجل السيطرة على السلطة والثروة.

هذه النزعة العائلية في الحكم ظلت قائمة في اليمن حتى في العصر الإسلامي والعصور التي تلته (عهد الخلفاء الراشدين ثم الخلافة الأموية والعباسية فالعثمانية)، ثم ظهر نظام حكم قائم على العصبية العائلية والمذهبية والعنصرية ممثلا بالأئمة الزيديين الذين قدموا إلى اليمن من بلاد الحجاز، وانفردوا بحكم مناطق واسعة من اليمن خلال 200 عام تقريبا موزعة على مدة استمرت 1100 عام، انتهت باندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962، التي أطاحت بالحكم الإمامي الملكي المستبد للأئمة الزيديين.

تفاءل اليمنيون كثيرا بالثورة التي أتت بالنظام الجمهوري، وبثورة 14 أكتوبر 1963 التي طردت الاحتلال البريطاني من جنوب اليمن، لكن النظام الجمهوري الوليد، في شطري اليمن، رغم اختلاف أيديولوجيته، سرعان ما شهد صراعات داخلية بدوافع قبلية ومناطقية، تخللها اغتيال رؤساء وانقلابات عسكرية، مما أعاق التطور الطبيعي للدولة اليمنية، وبرز هذا التحدي ذروته في عهد الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، الذي حول الدولة إلى ملكية خاصة بعد سنوات من التعديلات الدستورية التي تجدد فترات حكمه بهدف التأبيد في السلطة، والعمل على توريثها لنجله أحمد، مما تسبب باندلاع ثورة 11 فبراير 2011. 

ومع بروز الثورة المضادة لثورة 11 فبراير، ممثلة بانقلاب تحالف علي صالح والحوثيين ضد السلطة الشرعية، اندلعت الحرب الأهلية، وجاءت التدخلات الخارجية، لتظل أزمة الحكم المتجذرة، أو عدم قدرة الحاكم على استيعاب مفهوم الدولة ووظيفتها، السبب الرئيسي في استمرار الصراع بين طموحات الشعب في نظام جمهوري ديمقراطي تعددي، وبين محاولات إعادة الحكم الإمامي أو العائلي القبلي، ومساعي البعض، في السلطة الشرعية، لاستغلال مواقعهم في المجلس الرئاسي لاحتكار المناصب والوظائف العامة في ذويهم وأتباعهم.

- كيف تطور مفهوم الدولة الحديثة؟

تمثل الخلافات بين مجلس القيادة الرئاسي، والصراعات على السلطة في اليمن خلال العقود الأخيرة، انعكاسا لغياب التطور الطبيعي للدولة اليمنية، بسبب أن من يحكمون لم يستوعبوا مفهوم الدولة الحديثة ووظيفتها الاجتماعية.

مر مفهوم الدولة الحديثة بمراحل متعاقبة حتى بلغ شكله الراهن، وهو مسار تاريخي طويل مر بتحولات فكرية وسياسية واجتماعية حتى وصل إلى ما نعرفه اليوم عن "الدولة الحديثة"، وكانت البداية من الدولة التقليدية القائمة على الملوك والإمبراطوريات، وكانت السلطة فيها مطلقة بيد الحاكم الفرد والمقدس، ولا وجود فيها لفكرة "المواطنة"، وإنما رعايا أو قبائل تحت حكم القوة، ويتسم الحكم بطابع عسكري أو ديني (كنسي).

ومع عصر النهضة والإصلاح الديني، تراجع نفوذ الكنيسة، وبرزت النزعة القومية وفكرة السيادة الوطنية، ثم جاءت مرحلة العقد الاجتماعي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث قدم فلاسفة، مثل لوك وهوبز وروسو، تصور الدولة كعقد بين الحاكم والمحكوم، قائم على حماية الحقوق الطبيعية.

وفي القرن التاسع عشر، ظهرت الدولة القومية الليبرالية ببرلماناتها ودساتيرها، وأصبحت المواطنة محور العلاقة السياسية. ثم تطورت الفكرة إلى دولة الرفاه في القرن العشرين، التي اهتمت بالخدمات العامة والتنمية، إلى جانب حفظ الأمن والحقوق.

وأخيرا، في مرحلة ما بعد الحداثة، تأثرت الدولة بالعولمة والثورة الرقمية، فبرزت تحديات تقلص بعض وظائف الدولة تحت تأثير سطوة العولمة، وصعود مفاهيم مثل الديمقراطية التشاركية وحقوق الإنسان الكونية.

- غياب التطور الطبيعي للدولة اليمنية

بسبب فساد النخب السياسية، وعدم استيعابها لمفهوم الدولة ووظيفتها، لم يعرف اليمن نشوء الدولة الحديثة بشكل طبيعي كما شهدته بعض المجتمعات الأخرى التي انتقلت تدريجيا من سلطة الفرد أو القبيلة إلى مؤسسات محايدة تخدم المجتمع بأكمله وليس قرابة الحاكم وعصبته.

ففي التجربة اليمنية، ظلت السلطة السياسية أسيرة البنية التقليدية التي تعطي الأولوية للمنطقة أو القبيلة أو الجماعة أو الولاء الشخصي للحاكم، على حساب بناء مؤسسات عقلانية وقانونية، وهذا الخلل البنيوي جعل مفهوم الدولة الوطنية هشا، وأبقى مؤسساتها في حالة تبعية تامة للنخب الحاكمة.

وقد ساهمت النخب السياسية والاجتماعية، عبر عقود، في تكريس منطق الزبائنية والمحسوبية وكأنها القاعدة الأساسية لإدارة الشأن العام، فبدلا من أن تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات حيادية تخدم المصلحة العامة، جرى استخدامها كشبكات توزيع للامتيازات والمكاسب، وهذه النخب لم تكن معنية ببناء دولة مؤسساتية بقدر ما كانت مهتمة بتأمين نفوذها وإعادة إنتاج سلطتها عبر توظيف المقربين وتهميش أصحاب الكفاءات.

ويتجلى أحد أسباب الأزمة في غياب الوعي الوظيفي بالدولة لدى النخب الحاكمة، فالدولة الحديثة إطار تنظيمي يضمن العدالة وتكافؤ الفرص وتقديم الخدمات الأساسية للمجتمع وليست جهازا لتوزيع المناصب، لكن النخب السياسية اليمنية، بفعل إرثها التقليدي وضيق أفقها السياسي، تتعامل مع الدولة كغنيمة خاصة، متجاهلة أن شرعيتها مرتبطة بقدرتها على تلبية احتياجات المواطنين وتحقيق المصلحة العامة.

إن غياب التطور الطبيعي لمفهوم الدولة، وفساد النخب السياسية، وتغلغل الزبائنية، كلها عوامل جعلت الدولة اليمنية كيانا هشا فاقدا للفاعلية، وعاجزة عن القيام بوظائفها الأساسية، مما أدى إلى إضعاف جهازها الإداري، وتدهور نوعية الخدمات، وفقدان الثقة بمؤسساتها، وتعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

تقارير

اتحاد جمعيات الصليب والهلال الأحمر: مخيمات النزوح ومناطق التماس الأكثر تضرراً بالسيول في اليمن

قال الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أن المناطق الساحلية لا تزال معرضة للفيضانات، "حيث تواصل الظواهر الجوية المتطرفة تهديد الأرواح وتدمير المنازل والبنية التحتية الحيوية".

تقارير

اليمن خارج الطاولة.. لكنه يدفع ثمنها

أفرزت المباحثات الأمريكية–الإيرانية التي استضافتها إسلام آباد نتيجة أكثر دلالة من أي اتفاق جزئي.. لم تخرج بتسوية، لكنها لم تُغلق باب الدبلوماسية بالكامل أيضاً. فقد أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الجهود ما زالت مستمرة، بعد أن انتهت الجولة من دون اتفاق.. فيما أشارت تقارير أخرى إلى أنه لا يوجد حتى الآن مسار واضح لجولة جديدة، وإن كانت القنوات الدبلوماسية لم تستنفد نهائياً هذه الخلاصة وحدها تكفي لإعادة ترتيب القراءة السياسية للملف اليمني، لأن اليمن لا يتحرك في فراغ..بل داخل شبكة أوسع من التوازنات المرتبطة بسلوك إيران الإقليمي وحدود الضغط الأمريكي عليها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.