تقارير
في خطاب اتجه إلى واشنطن وطهران والبحر الأحمر.. أفورقي يعلن نهاية النظام العالمي القديم
بينما ركزت خطابات كثيرة لقادة المنطقة هذا العام على الاقتصاد المحلي وأزمات المعيشة، اختار الرئيس الإريتري إسياس أفورقي أن يحول مناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال بلاده إلى منصة للحديث عن التحولات الدولية، ومستقبل النفوذ الأمريكي، والصراعات المتصاعدة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
وفي خطاب مطول اتسم بنبرة سياسية وفكرية تتجاوز الشأن الإريتري الداخلي، قدم أفورقي قراءة للنظام العالمي الحالي، مهاجمًا ما وصفه بـالهيمنة الغربية، ومشككًا في قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في عالم يشهد تغيرات متسارعة.
وبدا واضحًا أن الرئيس الإريتري لم يكن يتحدث فقط عن السياسة الدولية، بل كان يحاول أيضًا إعادة تعريف موقع إريتريا داخل عالم يعتقد أنه يدخل مرحلة انتقالية من نظام أحادي القطب إلى توازنات جديدة لم تتضح معالمها بالكامل بعد.
ترامب في قلب الخطاب
ورغم أن المناسبة كانت احتفالًا وطنيًا بذكرى الاستقلال، فإن الولايات المتحدة والرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانا في قلب الجزء الأكبر من الخطاب.
وقال أفورقي إن سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة قادت البلاد إلى أزمة اقتصادية وهيكلية عميقة، مشيرًا إلى أن الدين الأمريكي الذي قال إنه بلغ نحو 40 تريليون دولار يمثل مؤشرًا خطيرًا على تراجع النموذج الأمريكي.
كما انتقد ما وصفه بسياسة نقل الصناعات إلى الخارج، معتبرًا أنها ساهمت في إضعاف البنية الصناعية الأمريكية مقابل صعود قوى اقتصادية منافسة.
ورغم أن أفورقي أقر بأن إدارة ترامب تبدو مدركة لحجم الأزمة، فإنه شكك في قدرة السياسات الحالية مثل رفع الرسوم الجمركية، وإعادة الصناعات، والضغوط الاقتصادية على وقف مسار التراجع الأمريكي.
ولم يقتصر الخطاب على الاقتصاد فقط، بل امتد إلى النفوذ العسكري والسياسي لواشنطن، حيث أبدى أفورقي شكوكًا واضحة تجاه فكرة التفوق الأمريكي المطلق، سواء في التكنولوجيا أو القوة العسكرية أو النفوذ العالمي.
وفي إشارة لافتة، قال إن امتلاك الأسلحة النووية والطائرات المسيّرة والصواريخ لا يكفي وحده لقياس القوة، مضيفًا أن التاريخ العسكري الحديث يقدم “دروسًا مختلفة”.
إيران وفنزويلا.. تشكيك بشرعية التدخل الأمريكي
وفي واحدة من أكثر فقرات الخطاب حساسية، تساءل الرئيس الإريتري عن الأساس القانوني الذي تستند إليه الولايات المتحدة في تنفيذ عمليات عسكرية أو اتخاذ إجراءات أحادية ضد دول أخرى.
وتحدث مطولًا عن إيران، متسائلًا لماذا يُمنع الإيرانيون من تطوير برنامج نووي بينما تمتلك دول أخرى ترسانات نووية كاملة.
كما أشار إلى فنزويلا والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، متسائلًا عمّا إذا كانت واشنطن تمتلك حقًا قانونيًا في ملاحقة أو “اعتقال” قادة دول أخرى تحت ذرائع تتعلق بالأمن القومي.
ويعكس هذا الخطاب استمرار تمسك أفورقي بخطاب سياسي قديم يقوم على رفض التدخلات الغربية، لكنه يأتي هذه المرة في سياق دولي أكثر اضطرابًا، مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، وتزايد الحديث عن إعادة تشكيل النظام العالمي.
البحر الأحمر والقرن الأفريقي
ولم تكن إشارات أفورقي إلى المنطقة عابرة، ففي وقت تشهد فيه منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي تصاعدًا في التنافس الدولي، عاد الرئيس الإريتري للحديث عن ما وصفه بـ«التدخلات الخارجية» باعتبارها أحد الأسباب الرئيسية لعدم الاستقرار الإقليمي.
وأشار إلى الأوضاع في السودان والصومال وإثيوبيا، معتبرًا أن الانقسامات الإثنية، وانتشار الفساد، وصعود أمراء الحرب، إضافة إلى التدخلات الخارجية، كلها عوامل ساهمت في تعميق أزمات المنطقة.
كما دعا إلى إنشاء آلية أمن جماعي إقليمية قائمة على التعاون بين دول الجوار بدلًا من الاعتماد على “القوى الخارجية”.
ويرى مراقبون أن تركيز أفورقي المتكرر على البحر الأحمر والقرن الأفريقي يعكس إدراكًا متزايدًا لدى أسمرة بأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ، خصوصًا مع تنامي الحضور الدولي في الممرات البحرية الاستراتيجية.
خطاب يتجاوز الداخل الإريتري
وعلى الرغم من أن أفورقي تحدث عن مشاريع الإسكان والكهرباء والمياه والتعليم والرعاية الصحية داخل إريتريا، فإن القضايا الداخلية بدت أقل حضورًا مقارنة بالمساحة الكبيرة التي منحها للسياسة الدولية.
كما بدا الخطاب أقرب إلى محاولة لتقديم رؤية سياسية لعالم “ما بعد الهيمنة الغربية”، وهي فكرة يكررها الرئيس الإريتري منذ سنوات، لكنها ظهرت هذه المرة بصورة أكثر وضوحًا واتساعًا.
وفي هذا السياق، دعا أفورقي إلى إقامة نظام عالمي جديد قائم على:
العدالة الاقتصادية
واحترام السيادة
والتكامل الإقليمي
والتوزيع العادل للموارد والثروات.
وقال إن العالم لم يعد قادرًا على الاستمرار وفق “النظام العالمي القديم والمنهك”.
ويرى محللون أن هذه اللغة السياسية لا تنفصل عن رؤية أسمرة لنفسها كدولة قاومت الضغوط والعقوبات والعزلة الدولية لسنوات، وتحاول الآن تقديم تجربتها باعتبارها نموذجًا لـ«الصمود السياسي» في مواجهة القوى الكبرى.
بين الخطاب الأيديولوجي والواقع الإقليمي
لكن، ورغم الطابع الفكري والجيوسياسي الذي حمله الخطاب، فإن منتقدين يرون أن أفورقي يواصل التركيز على القضايا الدولية في وقت تواجه فيه إريتريا تحديات داخلية تتعلق بالاقتصاد والهجرة والخدمة الوطنية المفتوحة والقيود السياسية.
كما يعتبر مراقبون أن حديث الرئيس الإريتري عن النظام العالمي الجديد يعكس أيضًا محاولة لقراءة التحولات الدولية الحالية بما يخدم بقاء النظام الإريتري وتحالفاته الإقليمية.
ومع ذلك، فإن الخطاب يكشف في الوقت نفسه عن رؤية سياسية ترى أن العالم يدخل بالفعل مرحلة إعادة تشكيل واسعة، تتداخل فيها أزمات الشرق الأوسط، وصراعات البحر الأحمر، والتنافس الأمريكي الصيني، والتوترات المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية.
وبالنسبة لزعيم حكم إريتريا لأكثر من ثلاثة عقود، بدا خطاب الاستقلال هذا العام أقل احتفاءً بالماضي، وأكثر انشغالًا بالعالم الذي يتشكل بعد اهتزاز النظام الدولي القديم، وتصاعد المنافسة على النفوذ، واتساع الشكوك حول شكل القوة العالمية في السنوات المقبلة.