تقارير
في صنعاء.. الباصات الصغيرة مصدر دخل لمن أفقدتهم الحرب وظائفهم
على قارعة الحرب والخراب، تعثّرَ الملايين من اليمنيين بسقوط أحلامهم وأعمالهم، وفقَدَ مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين رواتبهم، قبل أنْ يتحوّل كثير منهم إلى مهن أخرى بالدَّخل اليومي.
قطاع المواصلات الداخلية كانَ واحداً من المجالات المهنية التي استضافت كثيراً من الموظفين ممنْ تمكنّوا من النجاة بأنفسهم وأسرهم من الفقر، بعدَ أنْ وجدوا في الباصات الصغيرة قواربَ النجاة المتاحة، وفرصتهم الوحيدة للهرب من شبح الجوع.
اتجاه إجباري
ثلاثة أعوام وبضعة أشهرٍ مرّت على قرارِ التربوي أنوَر علي (36 عاما)، ترْكَ دفاترِ تحضير الدروس وكشوفات الدّرَجات والتخلّي عنْ عاداته اليومية، مثل: النهوض في السادسة صباحاً، والاستعداد ليومٍ دراسيٍ جديد سيقضيه مع طلابه في الفصول الدراسية.
يقول أنور لموقع "بلقيس": "لقد نسيت تلك الأيام ومعها التفاصيل الجميلة، التي كنت أحبها كجزء لا يتجزأ من وظيفة أحببتها بِشَغَف'.
ويضيف مستدركاً ومتأثراً: 'لا سامحهم الله" ، في إشارةٍ إلى الحوثيين والحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، حيثُ تنصّلَ الطرفان من دفع رواتب ما يقارب 800 ألف موظفٍ بينهم 170 ألف مُعلمٍ يقيمون في مناطق سيطرة الحوثيين.
وأضاف لـ"بلقيس": "الصدمة التي تركها تنصل الطرفين، وتركنا في مهبِّ الجوع والمعاناة التي عشناها ونعيشُها حتى اليوم، لا أظنُّ أثَرَها سيمحي بسهولة".
يعملُ 'علي' الآن سائق باصٍ صغير (دبَّاب)، اشتراه بعد ما اضطُرّ لبيعِ قطعة أرضٍ هي كلُ ما يملكه من إرثٍ ترَكَه والده في قريته بمديرية 'المعافر' في تعز.
"ماذا أفعل؟ لَم يكُنْ بيدَيّ حلٌ غير هذا؟ هل أنتظرُ حتى يموتُ أطفالي جوعاً ومرَضاً، بينما يتبادلُ السياسيون الاتهامات، وكل طرفٍ يُلْقي بالمسؤوليةِ على الآخر، بينَما نواصلُ أداء مَهامّنا بدون رواتب، حتى نموتُ جوعاً في انتظارِ الفَرَج!؟"، يتساءل علي بنبرةٍ يمتزِجُ فيها الأسى بالغضب.
ظروف جامعة
وتشهدُ شوارع صنعاء تزايداً ملحوظاً في أعداد باصات النقل الصغيرة (حمولة 7 راكب) أو "الدبّابات" كما يطلِقُ عليها محلياً، وباتَ لها النصيب الأكبر من الحضورِ بينَ وسائلِ النقل المختلفةِ 'مع توجّه كثير من الموظفين، ومن فقدوا أعمالَهم، إلى العمل في قطاع النقل عموماً، وعلى هذهِ الباصات بشكلٍ خاص لإمكانية تشغيلِها بالغازُ بدلاً عن البترول أو العكس، بالإضافةِ إلى أسعارها التي كانت معقولة نسبياً قبل أن ترتفع مؤخرا لتبلغ بين 2 - 2.5 مليون ريال، وهو ضعف ما كانتْ عليه قبل الحرب، بحسب أمين الحيمي (43 عاماً) - ضابطٌ في الحرس الجمهوري (سابقاً)- الموالي لنجل الرئيس المخلوع، توجّه نحو مجال المواصلات بعد أحداث 2-4 ديسمبر 2017، التي انتهت بمقتل صالح، وكانت آخر عهده بالعسكرية.
ويؤَكدُ الحيمي أنّ "إقبالَ الكثير على اختيار الباصات كوسيلةٍ لطلب الرزق هو انعكاس للوضع الاقتصادي المتدهور، الذي يتضح جلياً في عزوفِ الأغلبية من اليمنيين عن ركوب المواصلات الفردية، مثل التاكسي أو الموتور لكلفتها المادية، نظراً لاعتمادها على البترول، وتحول الناس إلى وسائل النقل الجماعي".
يضيف: "نحنُ نحتاجُ للعمل الذي نقتاتُ منه، والنّاس تحتاجُ مواصلات أرخص لتوفّرَ ما أمكنَ توفيره من المال لاحتياجاتهم الأكثر أهمية، احتياج متبادل خلقته الظروف وساهمت في زيادة أعداد العاملين في المجال مقابل تزايد المستخدمين".
مسارات مستحدثة وطويلة
ارتفع أعداد العاملين عليها في ظل انتشارها، فأصبح تواجدها ملفتا في أغلب الشوارع الرئيسية في صنعاء، بما فيها تلك التي لم تكُنْ تشمَلها المسارات المرورية سابقاً، حيث استحدثت مسارات وفرز جديدة، مثل: فرزة وخط 'تونس -التحرير'، وهو خطٌ مستحدثٌ لم يكُنْ موجوداً قبْلَ أكثر من عامين، كما يقولُ المواطن خالد الصبري. وبالإضافة إلى الفرَزْ المستحدثة، التي نظمّها وينتظمُ فيها المالكون، تعمل كثير من هذه الباصات في مسارات طويلة تمتد إلى عدد من المشاوير المحددة والمعروفة ضمن خطوط التنقّل بين مناطق وأحياء المدينة، مثل ابتِداعِ خطٍ يمتدُّ من 'الحصبة' شمالاً إلى 'عَصِرْ' غرباً مرورا بشارعي 'التحرير' و'الزبيري' في امتداد واحد، أو خط المرور الممتدّ من 'باب اليمن' جنوبا إلى جولة 'عَمران'، شمال المدينة.
ويرى الصبري أنّ توافر هذه الباصات، وانتشارها خارج إطار المساراتِ المرورية المحددة من قِبل وزارة النقل والمواصلات، سهّل التنقّل كثيراً للمواطنين.
يضيف: "سابقاً، كنت اضطّرُ لركوب دراجة نارية (موتور)، وذلك يستهلك قدراً من مصروفي اليومي، أو أسير مشياً إلى ميدان التحرير للوصول إلى عملي، أما الآن فالباصات متوفّرة على بُعد خطوات من منزلي، كما يمر بباب المحل الذي أعمل فيه".
- للمليشيا رأي أيضاً
علي إبراهيم (28 عاما) -اسم مستعار- أجبره الحوثيون عن ترك الصحافة من خلال تهديدات له ولأسرته، فاتّجه إلى العمل في نقل الركاب بين أحياء صنعاء المختلفة، أو 'على حسب الريح ما تودي' كما يقول، في إشارة إلى تغيير وجهاتهِ بشكل آنٍ يحكمه تواجد الرّكاب واتجاههم.
اضطُرّ إبراهيم -مؤخراً- إلى البحث عن فرصة عمل في السعودية، وليس الحوثيون ببعيدين عن أسباب الرحيل هذه المرة: "أدفع يومياً 3500 ريال إيجاراً للباص، لأنه ليس ملكي، وتذهب 12 ألف ريال للغاز الذي نشتريه كل يومين من السوق السوداء بـ12 ألف ريال، وفوق ذلك كله يفرض الحوثيون جباياتهم اليومية 100 ريال -أجرة راكب- في كل مشوار، بالإضافة إلى حملاتهم المختلفة وتقطّعات عناصرهم المسلّحة، بخلاف الرسوم التي ندفعها يومياً لنقابة باصات النقل" يقول إبراهيم.
"لا يبدو أن الحوثيين سيتركون لنا مجالاً للحياة'، يختم إبراهيم.