تقارير
كيف أثّرت الحرب و'كورونا' على بائعي السّواك في اليمن؟
يحمل على كتفيه حزماً من سلعته، وطموحاته في جني ما يمكن خلال موسم رمضان، يتنقّل بين شوارع المدينة الأكثر ازدحاماً لتقديم سواكٍ وابتسامة.
استغل الطفل إبراهيم الزبيدي (15 عاماً)، ورفيقه عبد الله (13 عاماً)، موسم الشهر الكريم لبيع سلعتهما من تلك الحُزم الملفوفة على أحضانهما، ويناديان في الناس "سواك، سواك"، لتدرَّ عليهما المال البسيط كبساطهما، وبساطة المهنة التي اتخذاها، وكثيرٌ غيرهما، للبحث عن الرِّزق الحلال من خلالها.
لم تتغيَّر شوارع المدينة لتُوحي بأنَّها في شهر رمضان عن غيره، عدا انتشار بائعي السّواك، الأطفال والكبار، بشكل أوسع خلال نهار رمضان في مدينة مأرب.
- أسواق عود "الأراك"
ينتشر سواك الطبيعة، وتجَّاره، وزبائنه هنا في أسواق مأرب، يُباع جملةً وتجزئةً خلال شهر رمضان، حيث يحمل عبد الله ورفيقه الصغير بين أذرعهما حزمة أعواد 'الأراك'، قادمة من محافظة شبوة، اشتراها ليربحا من بيعها، ويطهرا أفواه الصائمين، كتقليد دِيني ومعتقد توارثه اليمنيون.
الطفل الذي ينتمي إلى مدينة زبيد في الحديدة، إبراهيم (13 عاما)، ورفيقه، عبد الله، يحكيان قصصهما في بيع "المساويك"، والسير في أزقّة وشوارع المحافظة، بحثاً عمّن يريد سواك "الأراك"، الذي تروج تجارته، ويزداد زبائنه خلال رمضان.
إبراهيم وعبد الله لا يفترقان، ويتفقان في طريق البيع لترويج سلعتهما، ويدلان بها على الناس طوال اليوم، والقليل من الليل، ليسدا -من خلال عملهما- الفراغ الذي يتركه أبواهما بدخلِهما الضعيف، لتعيش الأسرة مستورة الحال على الأقل.
-تصدير 'المساويك' إلى السعودية
خسر تُجار 'المساويك' سوقاً مربحة كانت لهم مقصدا مهما طوال العام، لكنّها في رمضان أكثر قصداً للمئات من تجّار 'السواك' من أبناء المحافظات الحدودية ك: الحديدة وحجة، التي أُغلقت أمامهم اليوم، فتصدر التّجار ذواتهم تجارة 'السواك' في مختلف محافظات البلاد في الداخل.
ويعتبر بائعو "المساويك" شهر رمضان موسماً ذهبياً يسعون لاستغلاله والخروج منه بأوفر غلّة، حيث يزداد الطلب عليها فيه أكثر من غيره من الشهور، يعرضون بضاعتهم على أبواب الجوامع والمستشفيات، وفي الشوارع الرئيسية، وأمام الأسواق، والأماكن المزدحمة.
عبد الله ورفيقه إبراهيم هما من مجمل 50 خمسين تاجرا 'سواك' من أبناء الحديدة يستغلون موسم رمضان، الذي يقبل الناس فيه على شراء واستخدام 'السواك' بشكل واسع، يتوزّعون على شوارع المحافظة، وأسواقها المختلفة ومساجدها.
في حديثه لموقع "بلقيس"، قال إبراهيم إنه يبيع 'المساويك' في رمضان، ويجمع في اليوم ما بين 7 آلاف إلى 10 آلاف ريال. ويرجع السبب: "لأن في رمضان شغل كثير وبركة، ونروح نفطر في المطعم، ونرجع في الليل نبيع قليل".
"معنا أصحاب يروحوا يحفروا بعد 'المساويك' في حريب بشبوة، ونحن نبيع في السوق"، يقول إبراهيم وهو يحمل في يده مقصاً خُصص لتقليم 'المساويك' وبرمها، وبيده الأخرى يحمل حزمة من 'المساويك'.
- أنواع 'المساويك'
وعن أنواع 'المساويك'، التي يبيعها إبراهيم، يقول بلكنته الحُديدية الجميلة: "نبيع القطم، نبيع المطول، ونبيع الحنش، وهو أكثر ما يطلبه الزبائن".
تختلف أسعارها باختلاف جودتها، وحجمها، وطولها، وتتنوّع أسعارها بين 100 و300 و500، وهناك من يبلغ سعره ألف ريال (بطول 30 سم)، مشيرا إلى أن "الحنش" هو أجودها وأكثرها طلباً، والأغلى سعراً، نظرا لحرارته المرتفعة، ودقة عوده، ونحافته، بحسب إبراهيم.
الأعمال الهامشية تنعش آمال الفقراء الكثير في البلاد، خلال شهر رمضان، في ظل ما تشهده البلاد عامة، ومأرب خاصة، من معيشة قاسية، وسط الأسر النازحة التي لا تملك الغالبية قوت يومها، وسط ارتفاع جنوني لأسعار المواد الغذائية الأساسية.
-موطن عود الأراك
عود الأراك (المساويك) يؤتى من محافظة شبوة إلى تاجر الجملة، الذي بدوره يبيعه بالتجزئة للباعة المتجوّلين في الشوارع.
يشتري عبدالله، وهو رفيق إبراهيم وابن قريته، الحزمة الواحدة (50 عود سواك طويل) بسبعة آلاف ريال من تجار الجملة، ويبيعها بقرابة 15 ألفا إلى 20 ألف ريال.
"في رمضان أبيع أكثر من حزمة في اليوم، بينما في الفطر أبيع الحزمة خلال 5 أيام وأكثر"، يقول عبد الله.
ويشير إلى أنه يجمع ما يربحه من تجارته خلال الشهر، حيث يصل إلى 30 ألفت، فيرسله إلى أسرته في محافظة الحديدة، التي لا يكفيها دخل والده من الدراجة النارية التي يعمل عليها، المحافظة الأكثر فقرا في اليمن.
ومنذ إغلاق المنافذ الحدودية مع المملكة، وبعد انتشار فيروس 'كورونا'، وتوسّع رِقعة المواجهات العسكرية، لم تنجُ هذه التجارة رغم بساطتها، خاصة بعد إغلاق المنافذ التي كانت تدخل عبرها 'المساويك' إلى دول الجوار، مما اضطر البائعون، اليوم، إلى بيعها هنا في الداخل، رغم ضعف المكسب مقابل البيع في السعودية.
حيث تتعدى 'مساويك' اليمن المشهورة العديد من الدول، ويزيد الطلب عليها من دول كثيرة، خاصة دول الخليج.
يقول محمد عبد الله -تاجر 'مساويك' بالجملة وأحد المنقّبين عن جذور شجرة الأراك في شبوة- إن إغلاق المنافذ البرية بين اليمن والمملكة السعودية أثّر على تجارته، خاصة في رمضان، الذي يُعد موسماً زاهراً لتصدير وتهريب 'المساويك' إلى السعودية، التي تعود عليهم بالربح الكثير من المال، بالريال السعودي.
يقول محمد لموقع "بلقيس" إنه يضطر اليوم إلى بيع كل ما يحمله من 'مساويك' في الداخل، رغم قلّة ما سيدّخره مقابل مكسبه من بيعها في السعودية: "ولكنها الأوضاع تتقلب، والحرب أكملت ما تبقّى"، حسب وصفه.
محمد كان يبيع في السعودية حزمة 'المساويك' ب100 ريال سعودي إلى 150 ريالاً، اليوم يبيعها في اليمن بعشرة آلاف ريال إلى سبعة آلاف فقط، حد قوله.
ويلفت إلى أنه يضطر لبيع السواك في الطرق العامة بمأرب، ويبيع حزم السواك بالجملة للبائعين، وذلك بسبب إغلاق المنافذ، واشتداد المواجهات على الحدود.
ويشير إلى أن هذا الموسم لن يتكرر إلا بعد عام، ولزم عليهم الحركة بشكل أكبر لبيع ما يمكن بيعه.