تقارير

مناورة (إسرائيل) في أرض الصومال: تحوّل موازين القوة في البحر الأحمر

10/05/2026, 11:46:58

في 26 ديسمبر 2025، أصبحت (إسرائيل) أول دولة تعترف رسميًا بأرض الصومال كدولة مستقلة. لم تكن هذه الخطوة مجرد لفتة رمزية أو نزوة دبلوماسية تحمل شيئًا من الحنين السياسي، بل كانت تحركًا محسوبًا بدقة حوّل سنوات من التعاون الأمني الهادئ القائم على الممارسة إلى اصطفاف استراتيجي معلن، وفي الوقت ذاته التفّ على تركيا ومصر ووكلاء إيران الحوثيين عند أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم.

تكشف الأرقام بوضوح لماذا يمثل مضيق باب المندب أهمية بالغة. فقبل حملة الحوثيين، كان يمر عبره يوميًا 9.3 ملايين برميل من النفط الخام والسوائل البترولية، أي ما يعادل 12 بالمئة من إجمالي النفط المنقول بحرًا في العالم. كما تعبره سنويًا أكثر من 20 ألف سفينة تحمل ما يقارب 10 بالمئة من التجارة البحرية العالمية.

وخلال الفترة بين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، شن الحوثيون المدعومون من إيران أكثر من 190 هجومًا موثقًا على سفن تجارية وقطع بحرية. وتراجعت حركة الملاحة في البحر الأحمر بنسبة تراوحت بين 50 و70 بالمئة. كما انخفض عدد السفن العابرة لقناة السويس من 2068 سفينة في نوفمبر 2023 إلى 877 فقط بحلول أكتوبر 2024. وأدى تحويل مسارات السفن عبر رأس الرجاء الصالح إلى إضافة ما بين 10 و14 يومًا إلى الرحلات، مع زيادة تصل إلى مليون دولار لكل رحلة من تكاليف الوقود والتأمين والتشغيل. كذلك قفزت أسعار الشحن العالمية على خطوط آسيا ـ أوروبا بنسبة 230 بالمئة. ولم يكن ذلك مجرد قرصنة عشوائية، بل حربًا هجينة ممنهجة حولت شريانًا تجاريًا إلى ساحة معركة.

لقد تطورت "عقيدة الأطراف" الإسرائيلية الحديثة ـ التي كانت تقوم سابقًا على العلاقات الدبلوماسية مع دول غير عربية ذات سيادة ـ لتتلاءم مع عصر السيادات المتفككة وحروب الوكلاء. فهي اليوم تدمج جهات فاعلة هامشية مثل أرض الصومال ضمن هياكل أمن بحري شبكية تعطي الأولوية للجغرافيا والجدوى العملياتية وإمكانية الوصول المستمر، بدلًا من المعاهدات الرسمية أو الاعترافات القانونية.

تقع أرض الصومال تحديدًا في الموقع الأهم: عند البوابة الجنوبية لباب المندب، مع ساحل مستقر، وحكم فاعل، وميناء بربرة المطوّر استراتيجيًا. وقد جرى توسيع هذا الميناء عبر استثمار بقيمة 442 مليون دولار من شركة موانئ دبي العالمية، وهو يتعامل بالفعل مع 500 ألف حاوية قياسية سنويًا، ومن المتوقع أن تصل قدرته إلى مليوني حاوية.

وفي مسرح بحري يخضع للأمننة، تصبح هذه الحقائق أكثر أهمية بكثير من الحصول على مقعد في الأمم المتحدة. فاعتراف (إسرائيل) لم ينشئ هذه العلاقة، بل كشف علنًا ما كان قائمًا عمليًا بالفعل. فقد أصبحت عمليات التنسيق الاستخباراتي والمساعدة التقنية والوصول إلى الموانئ جزءًا روتينيًا منذ سنوات. أما الآن، فقد رفعت هذه الخطوة العلاقة إلى مستوى اصطفاف صريح، مانحة (إسرائيل) هامشًا أكبر للمناورة على امتداد ممر تمارس فيه إيران نفوذها عبر اضطرابات الحوثيين، بينما أمضت تركيا ومصر سنوات في بناء هياكل منافسة.

وجاءت ردود الفعل سريعة وكاشفة. فقد نددت تركيا، التي استثمرت موارد كبيرة في الصومال من خلال بعثات التدريب العسكري وقاعدتها الدائمة "كامب توركسوم" في مقديشو، بالقرار وأكدت التزامها بوحدة الأراضي الصومالية. وكذلك فعلت مصر، التي تقوم عقيدتها الأمنية بالكامل على الهيمنة غير المتنازع عليها على محور السويس ـ البحر الأحمر. 
وتبعت ذلك بيانات مشتركة من دول عربية وإسلامية وأفريقية. فجميعها أدركت الحقيقة نفسها: أن وجود أرض صومال مستقرة ومتعاونة وتحظى الآن باعتراف رسمي من (إسرائيل)، يخلق عقدة جديدة في البحر الأحمر تتجاوز استثمارات أنقرة في القرن الأفريقي وأولوية القاهرة في هذا الممر.

هذه هي الجغرافيا الجديدة للقوة. ففي البحر الأحمر، لم تعد إدارة الأمن تمر عبر التحالفات التقليدية أو قرارات الأمم المتحدة، بل عبر ائتلافات متعددة الطبقات، مثل قوة المهام التابعة للقوات البحرية المشتركة في البحر الأحمر التي أُنشئت عام 2022، وعملية "حارس الازدهار" بقيادة الولايات المتحدة، وعملية الاتحاد الأوروبي الدفاعية البحرية "أسبيدس" التي انطلقت في فبراير 2024.

وتجعل موقع أرض الصومال وبنيتها التحتية منها نقطة ارتكاز متقدمة طبيعية داخل هذا النظام. فمساهمتها تُقاس بقدرتها على تعزيز الوعي بالمجال البحري وتوسيع النطاق اللوجستي، لا بعدد الأعلام أو الأصوات في الجمعية العامة.

لقد بدأت الأعراف ما بعد الاستعمار التي جمدت الحدود الأفريقية عام 1964 تتآكل تدريجيًا أمام واقع الأرض. ففي البحر الأحمر، باتت "السيادة الوظيفية" ـ أي القدرة على توفير الاستقرار والسيطرة على الأراضي وتمكين الممارسات الأمنية ـ تتفوق على الوضع القانوني الرسمي. وقد حكمت أرض الصومال نفسها بفاعلية لعقود، بينما شهدت أجزاء واسعة من القرن الأفريقي تفككًا. وما فعلته (إسرائيل) هو ببساطة الاعتراف بهذه الحقيقة العملياتية ودمجها ضمن شبكة ردع تهدف إلى رفع كلفة الاضطرابات الإيرانية.

وسرعان ما تبع ذلك تحرك رفيع المستوى. ففي يناير 2026، زار وزير الخارجية الإسرائيلي أرض الصومال وأشار إلى خطط لتعميق العلاقات السياسية والاقتصادية، بما في ذلك إقامة تمثيل دبلوماسي رسمي. ومن شأن هذه الخطوات أن تخفض العوائق أمام توسيع التعاون، مع الحفاظ في الوقت ذاته على المرونة التي توفرها الترتيبات غير المعلنة في البيئات المتنازع عليها.

وسيحذر المنتقدون من خطورة السابقة واحتمالات التصعيد، لكن هذه المخاوف تغفل النقطة البنيوية الأساسية.

فعندما تتمكن جهات غير متماثلة من تهديد 12 بالمئة من تدفقات النفط العالمية وفرض تعديلات بتريليونات الدولارات على سلاسل الإمداد، تصبح الجغرافيا الاستراتيجية والشركاء الموثوقون أكثر أهمية من المحظورات الدبلوماسية القديمة. وقد أظهرت (إسرائيل) أن القوى المتوسطة ما زال بإمكانها إعادة تشكيل الأنظمة الإقليمية عبر تحويل العلاقات القائمة على الممارسة إلى موطئ قدم معلن عند العقد الاستراتيجية.

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر عبور محايد، بل أصبح ساحة متنازعًا عليها، حيث يحدد التحكم في التدفقات ـ الطاقة والشحن والبيانات والمخاطر ـ حجم النفوذ. ومن خلال اعترافها بأرض الصومال، وسّعت (إسرائيل) عمقها الاستراتيجي، وعقّدت حسابات خصومها، وعززت بنية ردع شبكية باتت أهم من أي معاهدة منفردة.

في عصر الحروب الهجينة، هكذا تعمل القوى الجادة. لم يعد الهامش هامشًا، بل أصبح خط المواجهة الجديد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم: خوسيه ليف ألفاريز غوميز

The Times of Israel
تقارير

"التصعيد في باب المندب".. كيف تقيد الحسابات الإقليمية تحركات الحوثيين في البحر الأحمر؟

مع استمرار مسار المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بصورة موثوقة، يواصل الطرفان تقييم أوراق الضغط التي يمتلكانها لتحقيق نهاية مواتية للصراع. وبالنسبة لإيران، فإن بعض هذه الأوراق يتمثل في جماعاتها الحليفة المختلفة، بما في ذلك جماعة الحوثي في اليمن.

تقارير

تشاتام هاوس: اغتيال مسؤول تنموي يكشف هشاشة الأمن في مناطق الحكومة اليمنية

إن اختطاف واغتيال وسام قائد، وهو شخصية تنموية يمنية-بريطانية بارزة والمدير التنفيذي بالإنابة للصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، لا يمثل فقط خسارة مأساوية لقطاع التنمية في اليمن، بل يكشف أيضاً عن تحدٍ مزمن وغير محسوم يواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، يتمثل في عجزها عن فرض أمن يحظة بالثقة في مناطق جنوب اليمن الواقعة تحت سيطرتها، بما في ذلك العاصمة المؤقتة عدن.

تقارير

كيف ستبدو (إسرائيل) عند بلوغها الـ100 عام؟ تحقيق تلفزيوني يرسم صورة التغيرات العميقة

يتوقع تحقيق صحافي واسع بثته القناة 12 العبرية أن إسرائيل ستشهد تغيرات جوهرية وخطيرة عند بلوغها مائة عام من عمرها، بحيث تصبح “دولة يهودية على حافة دولة شريعة”، يصغر فيها عدد العلمانيين ويصبحون أقلية، فيما يزداد عدد العرب الفلسطينيين فيها واليهود الأرثوذوكس (الحريديم)، بينما يحذر خبراء من انهيار تدريجي بسبب تصاعد محتمل في هجرة النخب منها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.