منوعات
الأعراس الجماعية.. وسيلة الشباب للهروب من تكاليف الزواج المرهقة في اليمن
لا يُفرِّطُ اليمنيون في الفرح غير المنقوص في أعراسهم، ويحرصون على أدَقّ التفاصيل التي تضيفُ لأسعدِ أيامهم ما يستحقُّ أنْ يُخلد في ذاكرتهم، وفي أحاديث دوائرهم المقرّبة من الأهل والأصدقاء، بيد أنّ الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من سبع سنوات غيَّرت كثيرا في معطيات حياتهم، وفرضت عليهم واقعا مغايرا لأحلامهم يضطرون فيه إلى التخلّي عن كثير من الاشياء، التي تبدو أقل أهمية في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور، وغلاء الأسعار، وارتفاع تكاليف احتفالات الزفاف في السنوات الأخيرة، وقد أجبرهم ذلك على البحث عن حلول أنسب، وأقل كلفة، وتأتي الأعراس الجماعية في مقدّمة الخيارات المتاحة أمامهم.
- العرس المنفرد.. تكاليف باهظة
مع كل سنَة تمُرُّ في ظلّ الحرب تزدادُ حاجة اليمنيين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم حتى في أكثر الجوانب التي يُبدون تمسُّكهم فيها، مثل احتفالات الزفاف، وهو ما يفسّرُ انتشار ظاهرة الأعراس الجماعية خلال السنوات الخمس الأخيرة، بالإضافة إلى تخلّي كثير من المقبلين على الزواج عن بعض طقوس الزفاف، ورُبّما الامتناع عن إقامة الحفلات بشكل كُلّي في كثير من الحالات، في ظل ارتفاع تكاليف الزواج وضعف مداخيلهم المادية، حيث تتراوحُ تكاليف الزواج مع مراسيم الاحتفال الخاصة بين 4.5 ملايين ريال يمني على الأقل، ورغم اختلاف أسعار الصرف في العملات بين مناطق سيطرة المجلس الرئاسي المعترف به دولياً ومناطق سيطرة المليشيات الانقلابية إلا أنّ التكاليف الباهظة تجمع شباب اليمن على مصيبةٍ واحدة.
- طوق نجاة
"هذه المبالغ الطائلة بالنسبة لشابٍ يسعى لتأسيسِ حياةٍ جديدة وتكوين أسرة وافتتاح بيت سيكلفه الكثير، تشكل عائقاً كبيرا للمقبلين على الزواج، وتدفع بالكثير منهم إلى العزوف عنه أو التوجّه نحو الاقتراض، والبحث عن حلولٍ أخرى قد تحوّل أجمل أيام العمر إلى كابوس يلاحق العريس لسنوات بعد العرس"، يقول الجرّاح صبري، وهو أحد الشباب المبادرين إلى إقامة العرس الجماعي الأول في قرية مائلة - عزلة دُبع الداخل بمديرية الشمايتين - تعز.
وفيما ينظُر الجراح إلى هذه الأعراس كخطوة مهمّة لتسهيل الزواج، ويعتبرها طوق نجاة لهم من الوقوع في فخ الديون، يرى العريس أحمد المنتصر (25 عاما)، وهو أحد المشتركين في العرس الذي ضمّ 14 عشر عروساً وعريسا، أنها شكّلت فرصة حقيقية أمامه وأقرانه، يقول لـموقع "بلقيس": "بمجرد طرح الفكرة بمبادرة من بعض الشباب والوجاهات في القرية، كانَ أغلب المقبلين على الزواج قد انضمُوا بالفعل، لأنّها شكّلت فرصة حقيقية لنا، وأزاحت عن كواهلنا هَمّ الكثيرِ من متطلبات العرس".
-روح المبادرة
"الأوقات الصعبة تخلُقُ مجتمعات قوية، وروح المبادرة تعزّز من قوته، وتجعلُ منه مجتمعاً متماسكا ومتكاتفا، وتعزز قيمه، وتزيد من رغبة الفرد في السعي للصّالح الجمعي" يقول الجراح، مؤكّداً أهمية التعاون بين أعضاء المجتمعات الصغيرة.
من جانبه، يرى الكاتب والصحفي هيثم ناجي أنّ "هذه المبادرات، بالإضافة إلى كونها تقوّي المجتمع وتغرس فيه قيم التكافل، تحول دون تغلغل أسباب الوهن بين أفراده".
يقول: "استفدت شخصياً من هذه المبادرات في إقامة حفل زفافي ضمن العرس الجماعي الثاني بقرية العنين في عزلة الصنة بمديرية المعافر قبل أربعة أعوام، وبدون خطوة كهذه ربما كنت اليوم عازبا لا يزال يبحث عن الاستقرار، ويحاول تحقيق حلمه بإكمال دينه".
-احتياج متزايد وإقبال كبير
يشيرُ ناجي إلى دلالة توسّع هذه الظاهرة، ويعلّلُ انتشارها بتنامي حاجة الناس إلى التعاون في مجتمع أنهكته الحرب والأوضاع الاقتصادية، خصوصا أن العدد المحدود جدا من القرى، التي كانت تقيم هذه الأعراس في السنوات الأولى من عمر الحرب، قد زاد تدريجياً، وأصبح ظاهرة تتمدد لتعم المدن الكبيرة أيضا، حيث رؤية أعراس يتجمّع فيها 2-4 من الأصدقاء في حفل زفاف موحّد لم يعد بالأمر النادر أو المستغرب.
وبحسب ناجي، فإنّ تخلّي الشباب المقبلين على الزواج عنْ العادات، التي تتسمُ بها حفلات الزفاف الفردية من تبذيرٍ وإسرافٍ وإعطاء الأولوية للمظَاهرِ على حساب سعادة العريس وأمانه المادي، وإن كان يعد نتيجة للحرب وتدهور الأحوال المادية للناس فإنّه يشكّلُ دليلاً هاماً على النضج المجتمعي وتبلور مجتمع تنظر فيه الجموع إلى صالح الجميع لا الفرد.