مقالات

الإنجاز هو الشرعية

19/01/2021, 08:27:16
بقلم : محمد صلاح

إن منعة اليمن، وبيئتها الصعبة، وتضاريسها الوعرة، كان لها دور وتأثير على طبيعة الحياة الاجتماعية، وعلى بناء الدولة فوق رقعة هذه المنطقة الجغرافية، بحيث لم تكن القصائد، ولا الخطب الرنانة، أو الدعوات الوعظية، وحدها قادرة على تحفيزهم أو مساعدتهم في التغلب على الصعاب، وإنما كانت المبادرة نحو العمل والبناء والتشييد هي الوسيلة القادرة على مصارعة التحديات، ومقارعة الحياة، وبناء الدولة، والقبول المجتمعي، وامتلاك الشرعية.

إن قراءة النقوش اليمنية، التي سجلها السكان والملوك والقادة في مناطق البلد، "تبيّن أن وعي قدماء اليمنيين لوجودهم الإنساني يقوم على العمل والإنتاج والإعمار والبناء، وأن هذه القيمة الحضارية للشيء هي التي تحدد في النهاية علاقة الإنسان بالآلهة وبنفسه وبالآخرين" [عبد الرحمن السقاف تطور الفكر لدى قدماء اليمنيين، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة عدن صــ269]
فنهوض الكيان الاجتماعي في اليمن، وبقاؤه قائماً، وثابتاً، لا يتحقق من خلال العواطف، أو التأكيد على الأصل المشترك، ووحدة القرابة، والعقيدة الدّينية الواحدة، وإن كانت تحتل أهمية، ولها دور فاعل، غير أن مظاهر التاريخ في اليمن تشير -بصورة أساسية ورئيسية- إلى أن إنجازاتهم العملية هي من حافظت على بقاء الكيان اليمني، وحين يتوقف البناء والعمران، ويتعطل الإنجاز، تتعطل عندها دورة الحياة المستقرة، وتبدأ حياة التفكك والتشرذم والضياع في اليمن.

لم يترك اليمنيون القدامى، في عصور قبل الميلاد، مآثر أدبية، أو ملاحم شعرية، تتناول تاريخهم، وتسجل عظمة أدوارهم البطولية، أو تخلد تضحياتهم، وعبقرية قياداتهم، وزعمائهم، وملوكهم في إقامة الممالك والدول، أو التي تعبّر عن أصلهم المشترك، وانتماءاتهم، بل تركوا منشآتهم العمرانية الخالدة تنطق عبر الزمن عن أدوارهم العظيمة، مثل: بناء السدود، وشق الطرقات، واستصلاح الأراضي الزراعية....الخ. ولولا بقاء هذه الإنشاءات ومصارعتها لعوادي الدهر، ربما لم تكن الأجيال اللاحقة تعرف عنها شيئا. ولولا الكتابات، التي جاءت من خارج اليمن، حول الدور الرائد، والعظيم للتجارة اليمنية، في شرق العالم وغربه، ولولا التأثيرات اليمنية الواضحة والخالدة لحضارتها التي تركتها في العالم القديم، لربّما أنكر المرجفون حقيقة قيامها، كما يحاول أدعياء المعرفة اليوم أن يشككوا بقيام حضارة يمنية.

حين تعطل البناء في اليمن، وعجزت الدولة عن ترميم المنشآت المائية الضخمة، واختفى دورها عن تأمين القوافل التجارية، وصيانة الطرقات، حاولت بعض القوى أن تقيم دولة يمنية، تستند في قيام كيانها على دعاوى وحدة العقيدة، دون أن تبني أو تعمّر، كان نتائج كل محاولاتها "الفشل".

وفي هذا السياق، علينا أن نلاحظ لماذا كان يبادر ملوك اليمن القديم، في مختلف المناطق وطوال عصور التاريخ، بعد الصراعات وما يرافقها من تدمير وتخريب وتحطيم، للمسارعة في عملية البناء، وتعمير ما دمرته الحرب، وبين أيدينا من الأدلة التي تؤكد على ذلك الكثير من الشواهد، لعلّ أهمها ما قام به 'كرب إل وتر'، في القرن السابع قبل الميلاد، فبعد العمليات العسكرية التي قام بها، والتي شملت الرقعة الجغرافية لليمن حينها من 'نجران' إلى 'باب المندب'، ومن 'مأرب' إلى 'يافع'، وما نتج عنها من تخريب وتعطيل، فإنه ما إن توقفت الحرب حتى بادر وسارع في تعمير ما تم تدميره، وترميم المنشآت التي تحتاج ذلك.

 ومثل ذلك فعل الملك الحضرمي "العزيلط" الذي غزا 'سرو مذحج' في القرن الميلادي الأول. وكانت سرعة البناء تهدف إلى اكتساب الشرعية، والتفاف جموع الشعب حول الدولة وقياداتها، لأنه بدون ذلك لم يكن لأي من أولئك الملوك أن يقيموا دولا وحضارات تحدث عنها العالم بأسره.

ومقارنة بين تلك الدول الحضارية وسعيها الحثيث في البناء، واعتمادها على شرف العمل عاشت اليمن في رخاء وثراء، بينما التيارات والجماعات العاطلة عن الإنجاز، والإمامة مثالا لها، لم تتمكن طوال تاريخها أن تكتسب شرعية ولا أن تقيم دولة تفاخر بها اليمن، وكل ذلك بسبب احترافها للحروب والصراعات، وعجزها عن البناء والعمران.

يشهد التاريخ بأن اليمن لم تقم فيها دولة الاستقرار والرخاء إلا وفق تصور وفلسفة رجال البناء، والعمران، وحين سادت دولة السيف وفلسفتها، قتلت وشردت، بينما دولة القلم فرقت وشتت. فلا الأول استطاع أن يرص الصفوف خلفه، ولا الثاني تمكن من خلق الإجماع حوله.
إن اليمنيين وإن فقدوا الإنجاز، لم يفقدوا القدرة على الإتيان به مجدداً.

المصدر : خاص

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.