مقالات

"آلان دونو" ونقد عصر التفاهة

22/03/2022, 11:36:46
المصدر : خاص

بعض الكُتب لا ترقى أبداً إلى مستوى عناوينها، وسرعان ما تُنسى، والبعض الآخر لا يفعل ذلك، ولكن ليس بالطريقة التي كان يتوقّعها مؤلفوها والناشرون، فهي أكثر من ذلك بكثير، وفقط عندما نلتقطها ونقرأها تصبح "قيّمة ومهمّة".  

كتاب البروفيسور الكندي "آلان دونو" نظام التفاهة هو واحد من هذه الكتب القيّمة، التي يتردد صداها أبعد من ذلك، يمكن وصفه بأنه كتاب استثنائي جرئ، ومن بين الأهم في القرن؛ والكتاب عبارة عن مناقشة هامة حول واحدة من أهم مشاكل ومعضلات عصرنا الرأسمالي، وهي التفاهة التي تغزونا من كل الاتجاهات، وحول أيضاً مسؤوليتنا الثقافية والأخلاقية المقابلة، وبالتالي منحَ هذا الوضع الخاص الكتاب أهمية أخرى. فبالإضافة إلى كل ما سبق يُعد واحداً من تلك الدراسات القليلة والنادرة، التي تعمل في هذا الحقل كعدسة تميّز محتوى ومضمون التفاهة، التي تحيط بنا، وكمرآة تعكس سلوك التافهين ومنطقهم المتدنّي.

على السياق ذاته، يقدّم "دونو" عصرنا على أنه عصر سيطرة التفاهة بلا منازع، وليسخّر قلمه ولغته وأسلوبه لنقدها، ونقد الأشكال والأيقونات، التي تشكّلها وتتشكّل بها في الوقت ذاته، والتفاهة بشكل خاص تميّز عصرنا عن بقية العصور.

يبدأ "دونو" كتابه بعبارة: "لقد تبوأ التافهون قمة السلطة"، ثم يسأل ما جوهر كفاءة الشخص التافه؟
ويجب في الوقت نفسه: "إنها قدرته على إيجاد شخص تافه مثله؛ فمعاً، يدعم التافهون بعضهم البعض، يرفع كل منهم الآخر، لتكبر في النهاية جماعة التفاهة، وتتسع أدوارها”. فالتفاهة لا تعاني من نقص في القدرة والكفاءة والعدد، وكل ما يلزمك فقط أن تدّعي أنّك شخص براجماتي.

ثم يمضي ويُعرّف التفاهة، وكيف تفرض نفسها على حياتنا تدريجياً، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة والتلفزيون والتجارة والأعمال…، وكيف يصبح التافهون مجموعة مسيطرة ذات نفوذ، ولا ينسى تذكيرنا بان ظاهرة التفاهة مرافقة لكل جيل، ومع ذلك كانت مستنكرة ومرفوضة. واليوم ولسوء الحظ صار التافهون يقبضون على السلطة والإعلام تدريجياً وأكثر قبولاً وشمولاً.

ولا يتوقف عند هذا الحد، بل يتوسّع ليحذّر من أن التفاهة أصبحت نظاماً، ونموذجا تم نصبه. والأسوأ من كل ذلك أن لها فرصاً أكبر للنجاح. ثم يحذّر من سيطرة الأشخاص التافهين، باعتبار ذلك "حالة خلقتها الأشكال التافهة نفسها".

إن الشخص التافه - برأي "دونو" نفسه - هو شخص ذكي يحاول أن ينجو بنفسه، له ابتسامة متواطئة مميّزة، ويردد عبارات مدلّسة مثل: "عليك أن تلعب اللعبة"، وهذه الطريقة بالتفكير - بالذات - تعكس علاقتنا بالانتهازية، طريقة مبتذلة تشجّعنا على "الإغفاء" بدلا عن "التفكير"، والنظر إلى ما هو غير معقول على أنه حتمي، وإلى ما هو مقيت وكأنه "ضروري".

وما يحدث هو أن التفاهة تقوم بتسطيح وتمييع كل شيء وفي كل مكان، في مقار العمل، والدراسة، والإعلام، والسياسية، ومؤسسات الدولة،  والمؤسسات الثقافية، والتعليمية، والصناعية، والتجارية، وبصيغ متعددة أكثر بؤسا وشمولاً ممّا نتوقّع.

الخلاصة: التفاهة عبارة عن إشكالية وواقع معقّد، مشكلة تُلقي بظلال طويلة قاتمة على حياتنا المعاصرة، طبيعتها المختلّة وظيفياً، وبشكل دراماتيكي قادرة على إفساد مستقبلنا، قدرتها على تخريب كل شيء أمر واقع، ومهما حاولنا الهرب لا يمكننا إنقاذ أنفسنا منها، فنحن نعيش في عالم لا يعترف بقيمتنا.. ورغم كل الإحباط الذي يشكّله الكتاب إلا أنه لا يتجاهل تنبيهنا إلى أن لنا دورا هاما، وهو تغيير هذا النظام تغييراً جذرياً، عوض أن نعلن الحداد.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.